2020-06-18 18:15:28

الازدياد من الخيرات/ بقلم الشيخ أسامة السيد

الازدياد من الخيرات/ بقلم الشيخ أسامة السيد

الازدياد من الخيرات/ بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 18 حزيران 2020

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.ِ

قال الله تعالى في القرآن الكريم: {المالُ والبنونَ زينةُ الحياة الدنيا والباقيات الصَّالحات خيرٌ عند ربك ثوابًا وخيرٌ أملا} سورة الكهف.

وعن أبي ذرٍّ أن ناسًا قالوا: "يا رسول الله ذهب أهل الدُّثُور بالأجور يُصلُّون كما نُصلي ويصُومون كما نصُوم ويتصدَّقُون بفُضُول أموالهم قال: أوليس قد جعل الله لكم ما تَصَّدَّقون به إن بكل تسبيحةٍ صدقةً وكل تكبيرةٍ صدقةً وكل تحميدةٍ صدقةً وكل تهليلة صدقة وأمرٌ بالمعروف صدقةٌ ونهيٌ عن مُنكرٍ صدقةٌ وفي بُضْع أحدكم صدقةٌ. قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدُنا شهوته ويكون له فيها أجرٌ. قال: أرأيتم لو وضعها في حرامٍ أكان عليه وزرٌ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرٌ" رواه مسلم.

ونحن نرى كثيرًا من الناس يُنافس بعضهم بعضًا في متاع الدنيا فهذا يهتم لبناء بيتٍ أوسع وأجمل من بيت فلان وذاك في شراء أثاثٍ أحسن من أثاث بيت فلان وذاك يسعى لشراء سيارةٍ أثمن من سيارة فلان أو ليكون أنيقًا في ثيابه فوق أناقة فلان، وهكذا في أمورٍ دنيويةٍ يطول سردها وقلَّ من يُنافس في أمر الآخرة وكأنهم لم يسمعوا قولَ الله عزَّ وجلَّ: {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} سورة المطففين. أي فليتنافسوا في طلب النعيم الأخروي في الجنة فإنه دائم، لا في نعيم الدنيا فإنه زائل منقطع، فمن نافسك في أمر الدنيا فنافسه في أمر الآخرة، فإن الله تعالى يقول: {لمثلِ هذا فليعمل العاملون} سورة الصافات، أي لمثل هذا الذي أعدَّه الله للمتقين من الكرامة في الآخرة فليعمل العاملون لأنفسهم في الدنيا.

الباقياتُ الصالحات

ومن كان قصدُه من الدنيا المالَ والبنونَ فإن ذلك زينة الحياة الدنيا ولكنه يذهب ويفنى ومن كان مقصوده العمل الصالح فذلك من الباقيات الصالحات وهي خير ثوابًا وذلك أن ثوابها يبقى في الآخرة وخير ما يأمل المرء لأن آمال الدنيا خدَّاعة أما الأمل بثواب العمل الصالح فلا يخيب، وقد جاء في تأويل "الباقيات الصالحات" عن أبي سعيدٍ الخُدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "استكثروا من الباقيات الصَّالحات. قيل: وما هنَّ يا رسول الله. قال: التكبير والتسبيح والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله" رواه ابن حبَّان. فأما "التكبير" فقول: الله أكبر ومعناه: أكبر من كل كبيرٍ قدرًا وعظمةً لا حجمًا، أي هو أقوى من كل قويٍ وهو نافذ المشيئة فلا أحد يستطيع منع نفاذ مشيئة الله. وأما "التسبيح" فهو قول: سبحان الله، والسبح: التباعد، وسبِّح الله أي باعده أي نزّهه عما لا يليق به من صفات المخلوقين لأن الله ليس كمثله شيء. وأما "التحميد" فهو قول الحمد لله ومعناه: نثني على الله بألسنتنا على جهة التعظيم والتبجيل على النعم التي أنعم الله بها علينا من غير وجوبٍ عليه فإن الله لا يجب عليه شيء. وأما قولنا: "لا حول ولا قوة إلا بالله" فمعناه: لا حول أي لا ابتعاد عن معصية الله إلا بعصمة الله و"العصمة" الحفظ، ولا قوة لنا على طاعة الله إلا إن أعاننا الله على أدائها و"العون" هو الإقدار والتمكين، فمن كان بعيدًا عن الحرام فإنما هذا بحفظ الله له ومن كان فعولًا للخيرات فإنما هو بإعانة الله له على الخير. وأحسن الكلام التهليل وهو قول: لا إله إلا الله فإنه يتضمن نفي الألوهية عمَّا سوى الله وإثباتها لله ومعناه: لا خالق لشىء إلا الله أو لا معبود بحقٍ إلا الله. وإلى مثل هذا أرشد النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة في الحديث أعلاه حيث سأله ناسٌ من فقراء المهاجرين ذاك السؤال المهم من شدة حرصهم على الخير إذ كانوا يحزنون على ما يتعذَّر عليهم فعله من الصالحات حيث قالوا: ذهب أهل الدُّثُور بالأجور و"الدُّثور" جمع دَثْرٍ ومعناه أهل الأموال الكثيرة، أي أنهم يزيدون علينا بالإنفاق ويشتركون معنا في فعل الصلاة والصيام فأرادوا أن يُرشدهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى فعل شىءٍ من الخير تعويضًا عمَّا يسبقهم به أصحابُ الأموال الذين يتصدَّقون فقال في الجواب: أوليس قد جعل الله لكم ما تصَّدَّقون ثم ذكر أشياء يُنال بذكرها أجرٌ عظيم.

سرُّ النية

 وجاء في الحديث زيادةً على ما مرَّ شرحه ذكر الأمر بالمعروف من نحو الأمر بتقوى الله والإحسان إلى الناس والنهي عن المنكر كالنهي عن الكفر وشهادة الزور وأكل أموال الناس بالباطل والغيبة والنميمة وغير ذلك من المنكرات، ونبَّه النبي صلى الله عليه وسلم في آخره إلى خيرٍ يغفُل عنه كثيرٌ من الناس فقال: "وفي بُضْع أحدِكم صدقة" والمراد بالبُضْع الجماع الذي يكون للحليلة إذا قارنته نيةٌ حسنة كإعفاف نفسه أو زوجته عن نحو نظرٍ محرَّمٍ أو عزمٍ على الفاحشة أو طلب ولدٍ صالحٍ، ولكون الجماع بالزواج الشرعي من المباحات عجبوا حين سمعوا ذلك فقالوا: "أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر" فقال صلى الله عليه وسلم معلمًا: "أرأيتم (أي أخبروني) لو وضعها في حرامٍ أكان عليه وزرٌ (أي إثم. وتقدير الكلام قالوا: نعم، ولكن سكت عنه الراوي لظهوره) قال: "فكذلك إذا وضعها في الحلال (أي بنية حسنة) كان له أجرٌ" وفي الحديث دليلٌ على جواز القياس لأهله والمذكور فيه قياس العكس حيث أثبت النبي صلى الله عليه وسلم للوطء الحلال بنيةٍ حسنةٍ عكسَ حكمِ الوطء الحرام، وفيه دليلٌ على أن المباحات تصير بالنيات الحسنة طاعات. وتسمية ما ذُكر في الحديث صدقة إنما هو من باب المجاز لمشابهتها لها في الأجر، أي أن لهذه الأشياء أجرًا كما أن للصدقة أجرًا حيث وقع السؤال عن إرشادهم إلى ما يُعوضون به عمَّا يفوتهم من الصدقات بسبب فقرهم.

وإذا ما عُلم هذا دلَّ على أن أبواب الخير كثيرة ولكن أكثر الناس لا يلجون هذه الأبواب بسبب جهلهم بحقائق الأمور أو غفلتهم عن طلب معالي الأمور والموفَّق من وفَّقه الله.

 والحمد لله أولًا وآخرا.