2020-06-11 17:45:07

الإيمان بالغيب أصل من أصول الدين / بقلم الشيخ أسامة السيد

الإيمان بالغيب أصل من أصول الدين / بقلم الشيخ أسامة السيد

الإيمان بالغيب أصل من أصول الدين / بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 11 حزيران 2020

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى: {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدىً للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} سورة البقرة.

يرتاب بعض الناس في الإيمان بالغيبيات أي ما غاب عن حِسِّ البشر ويُجادل البعض في هذا فيقول قائلهم مثلًا: لا أؤمن إلا بما أراه ولا أصدق إلا بما تُدركه حواسِّي، وينكر الآخرة أو يبلغ به الغرور إلى إنكار الخالق سبحانه وتعالى، وكل هذا ضلالٌ مبينٌ بل هو تضييعٌ وتعطيلٌ للعقل وإهدارٌ لمنفعته فإن الإيمان بالله ورسله وبما جاء به الأنبياء الكرام وبلَّغوه عن رب العالمين واجبٌ لا يسع المرء أن يُنكره. وعدم الوجدان لا يستلزم عدم الوجود أي أنك إن لم تر الشىء فلا يعني هذا عدم وجوده، ومن صدَّق بوجود البلدان النائية التي لم يسبق أن سافر إليها ورآها وأيقن بالشخصيات والأحداث التاريخية التي لم يُعاصرها لاشتهار ذلك بين الناس فجديرٌ به أن يؤمن بصحة ما أخبر به الأنبياء من أمور غيبية لا سيما وأنه ليس في العقل ما يمنع من صحة ذلك.

لا ريب في الحق

وفي موضوع الإيمان بالغيب يحصل ابتلاءٌ للناس فيسارع بعضهم إلى التصديق والجزم بصحة كل ما ثبت في الشرع فيؤمن بالغيب لورود الخبر فيه ويلتزم ما أمر الله به من الاعتقاد والعمل وهؤلاء لهم أجرٌ عظيم، وقد أثنى عليهم ربهم في الآيتين أعلاه فهم يؤمنون بالله ويُصدِّقون بما أنزل ربهم من الهدى في كتابه المبين.

وقد جاء في "تفسير السمعاني" "أن المراد بالكتاب القرآن الكريم ومعنى "لا ريب فيه" لا شك فيه وقيل: "خبرٌ بمعنى النهي" أي صيغة الكلام في قوله "لا ريب" الخبر والمراد النهي عن الريبة فيه فهو متضمنٌ النهي عن التشكيك في حقِّيته إذ القرآن الكريم هو الحق الذي لا يختلف العقلاء في صحته وإن كان قد ارتاب في صحة القرآن وما جاء به النبي محمدٌ صلى الله عليه وسلم ناسٌ فإنما كان هذا لقُصُور أفهامهم وقلة إدراكهم ولو أنصفوا لأيقنوا أنه الحق من ربهم. قال الشاعر:

ليس في الحق يا أُمامة ريب                          إنما الرَّيب ما يقول الكذوب

وأما المؤمنون فيهتدون بآيات الله ويُصدّقون بما بلَّغه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله فهم يؤمنون بالله وإن كانوا لا يرونه في الدنيا ولا يقولون: لن نؤمن حتى نرى الله كما قال ذلك بعض بني إسرائيل لموسى عليه السلام قال تعالى: {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرةً فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون} سورة البقرة. ولكن المؤمنين يقولون: الكتابة لا بد لها من كاتبٍ والنَّسخ لا بد له من ناسخٍ والبناءُ لا بد له من بنَّاءٍ والكتابة والنسخ والبناء أجزاءٌ من العالم فالعالم لا بد له من خالقٍ أوجده لا يشبهه بوجهٍ من الوجوه وهو الله تعالى.  

الإيمان بالغيب أصل

ويؤمنون أيضًا بكل ما أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاء في القرآن الكريم من نحو: عذاب القبر ونعيمه وسؤال الملكين منكرٍ ونكيرٍ، وكذلك يؤمنون بالبعث: وهو خروج الموتى من القبور بعد إعادة الجسد الذي أكله التراب إن كان من الأجساد التي يأكلها التراب، ويؤمنون بالحشر: وهو أن يُجمعوا ويُساقوا بعد البعث إلى الأرض المبدَّلة للحساب، ويؤمنون بالحساب: وهو عرض أعمال العباد عليهم، ويؤمنون بالثواب: وهو الجزاء الذي يُجازاه العبد مما يسرُّه ذلك اليوم من دخول الجنة وما يجد فيها من النعيم المقيم، ويؤمنون بالعذاب: وهو الجزاء الذي يُجازاه العبد مما يسوؤه ذلك اليوم من دخول النار وما يقاسيه من الشدائد في مواقف القيامة وغير ذلك مما يطول ذكره. وحيث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بهذا وبغيره من أمور الغيب كإخباره ببعض ما يكون آخر الزمان من نحو ظهور المهدي ثم الأعور الدَّجال ونزول عيسى عليه السلام من السماء وانتصاره للحق وكثرة الفتن التي تموج كموج البحر المتلاطم والتي نعيش جزءًا منها في زماننا العصيب فوجب علينا التصديق بكل ذلك لخبر المعصوم الذي قال الله تعالى فيه: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى} سورة النجم. وليس لأحدٍ أن يُشكك في صحة خبر الأنبياء ولا أن يقول على وجه الرِّيبة: من رأى ذلك حتى يُخبر به؟ ولمن قال هذا نقول: يكفي المؤمن أن يعلم أن نبينا صلى الله عليه وسلم قد أخبر بذلك بالوحي فيصدِّق به لأن إنكار ذلك يتضمَّن نسبة الكذب إلى رب العالمين تعالى الله عن ذلك، ومن آمن بالله ربًّا اعتقد أن الله لا يعجزه شىءٌ فهو يخلق ما يشاء ويفعل ما يريد وليس في العقل ما يُحيل ذلك، فلا يكون إنكار الغيبيات إذًا إلا تماديًا في الضلال، لا سيما وقد وقع الإخبار في بعض الغيبيات بالنسبة لنا عن مشاهدةٍ من النبي صلى الله عليه وسلم حيث رأى جملةً من عجائب مخلوقات الله ليلة الإسراء والمعراج فحدَّث بها، وإذا ما كان المرء يُجلُّ إنسانًا عن الكذب أحيانًا فتراه ينتصر لقوله ولا يقبل تكذيبه بل ولا يرتاب في شهادته فبالأولى أن لا يرتاب في إخبار النبي صلى الله عليه وسلم ببعض ما سيكون في الدنيا أو في الآخرة.

وبالتالي فإن كل منصفٍ يؤمن بالغيب ولا يرى تقييد الإيمان بالرؤية شرطًا، وليت شعري لماذا يُنكر الغيبيات مَنْ يُنكرها؟ فإن كان إنكاره لها استبعادًا لحصولها وقد علم أن الله على كل شىءٍ قدير فهذا من أجهل الجهل، وإن كان إنكاره لها لأنه لا يؤمن اصلًا بوجود الله فهذا أيضًا من أجهل الجهل وفيه تعطيلٌ لقيمة العقل ومنكر ذلك في كل حالٍ ليس مؤمنًا ولو انتسب ظاهرا إلى الإيمان، فإن الإيمان بالغيب أصلٌ من أصول العقيدة وليس بحثًا فقهيًا من البحوث التي لم يرد فيها نصٌ صريحٌ فيتناوله الفقهاء باجتهاداتهم وتختلف فيه أقاويلهم، فإما أن يكون المرء مؤمنًا بالله وبما جاء عن الله مُقرًّا بما أنبأنا به سيدنا محمد الصادق المصدوق من الغيبيات وإما أن لا يكون كذلك فيهلك نفسه.

 والحمد لله أولًا وآخرا.