2020-06-09 11:04:16

السبّ واللعن والإستغلال السياسي / بقلم السيد صادق الموسوي

السبّ واللعن والإستغلال السياسي / بقلم السيد صادق الموسوي

السبّ واللعن والإستغلال السياسي / بقلم السيد صادق الموسوي

مجلة الشراع 9 حزيران 2020

إن التحاور والمناقشة بين أهل المنطق وأصحاب المبادئ يكون بالإستناد إلى الأدلة والبراهين، فإن استطاع أحد المتحاورَين إقناع الآخر بوجهة نظره سلّم الآخر للمنطق وقَبِل الحق طوعاً ومن دون أي حرج، ولا مكان بين المتحاورين للتعصب والتشبث بالأمر بعد أن يتبين زيفه وبطلانه، هكذا كان منطق الأنبياء والمرسلين وهم كانوا يقولون لمحاوريهم ( إنّا أو إياكم لعلى هدى أو في خلال مبين )،  ولما كان أصحاب الباطل يفتقرون للمنطق السليم فإنهم يقومون بممارسة الضغوط المتعددة على الرسل والمؤمنين ويوجهون إليهم التهديد تلو التهديد لإجبارهم على العودة عن الإبمان إلى الكفر لكن كان رد المؤمنين دوماً ( أوَ لو كنا كارهين )، وكان كل جهود الأنبياء تصب في اتجاه إثبات حقانية دعوتهم بالدليل والمنطق وتسليح المؤمنين بالبصيرة كي يثبتوا على الصراط المستقيم الذي هداهم الله إليه ( قل هذه سبيلي أدعو  إلى الله على بصيرة أنا ومن اتّبعني )، وفي أسوأ الحالات يكون كلام الأنبياء وبأمر إلهي صريح ( قل يا أيّها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما أعبد، لكم دينكم ولي دينِ )، وبعد مراحل التحدي من قبل الكفار والإستعجال بعذاب الله كان دائماً جواب رسل الله ( فانتظروا إني معكم من المنتظرين ).

وعلى هذا فلا مكان للسباب في منهج الأنبياء والرسل والأولياء الصالحين السائرين على نهجهم، بل إن الله سبحانه ينهى المسلمين عن سب الكفار واستفزازهم كي لا يتجرؤوا على سب الله جل جلاله ( ولا تسبّوا الذين يدعون من الله فيسبّوا الله عدواً بغير علم )، وأمير المؤمنين عليه السلام لما بلغه أن بعض أصحابه في " صفين " يسبّون أهل الشام فإنه نهاهم بشدة عن الأمر وقال: " إني أكره لكم أن تكونوا سبّابين ".

أما اللعن فإن معناه في اللغة الإبعاد والطرد، وهو متعلق بالذات الإلهية في الدرجة الآولى حيث ورد في القرآن الكريم أن أول من شمله اللعن هو إبليس لما عصى الله في الأمر بالسجود لآدم عليه السلام إذ خاطبه قائلاً: ( أخرج منها فإنك رجيم وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين)، ولما ذهب النبي صلى الله عليه وآله ومعه أهل بيته لمباهلة نصارى " نجران " أمره الله أن يقول لهم: (تعالوا نَدعُ أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين )، وهنا يتبين أن متعلق اللعنة هو الله وحده، وفي حالات نادرة ورد في القرآن الكريم اللعن مضافاً لله سبحانه غيره كقوله: ( أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) و (أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون)، وقليلة جداً حالات استعمال لفظة اللعن من دون ذكر " الله " صراحة قبلها أو بعدها ومنها: (وقالت اليهود يد الله مغلولة، غُلّت أيديهم ولُعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان) و (لُعن الذين كفروا من بني إسرائيل على اسان داوود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون )، ومن خلال ذكر كلمة " اللعن " بصيغة الماضي المجهول نعلم أن الضمير المستتر في اللعن بالآية الأولى والصيغة الصادرة على لسان داوود وعيسى عليهما السلام كانت " لعنة الله " حتماً، والخلاصة أن الملعون الحقيقي هو من يُمنع عنه رحمة الله ويُطرد من بابه فلا ملاذ له ولا نصير، وفي الآية تصريح بذلك إذ يقول الله تعالى: ( أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن اللهُ فلن تجد له نصيراً)، وفي بعض الحالات تتحقق لعنة الله فعلاً في الدنيا كما جاء عن أصحاب السبت من اليهود حيث ذكّر الله المسلمين بما فعل بهم لما عصوا ربهم فجعل منهم القردة والخنازير، وأحياناً تكون لعنة الله في الدنيا والآخرة معاً كما جاء في الآية الكريمة: (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لُعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم ).

إن رسول الله صلى الله عليه وآله الذي بعثه الله رحمة للعالمين والذي كان ليّناً مع الناس حريصاً على هدايتهم إلى أن خاطبه الله بقوله: (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين)، وإنه حتى في أصعب الظروف وبعد أشد العذاب له من جانب المشركين كان يقول: " اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون "، لكنه في الأيام الأخيرة من عمره الشريف وأثناء مرضه الذي توفي فيه ظل يحرض الناس على الإلتحاق بجيش أسامة بن زيد المرابط خارج المدينة المنورة والذي كان عليه مواجهة الروم، ولتّوكيد على الأهمية الكبرى لتجهيز وإنفاذ جيش أسامة فإنه على غير عادته كرر مرات عبارة: " لعن الله من تخلف عن جيش أسامة "، وهذا يعني بصريح العبارة أن من بقوا في المدينة بعد كلام رسول الله صلى الله عليه وآله هذا ولم يلتحقوا بجيش أسامة فإنهم ملعونون من الله على لسان نبيه الذي (ما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى)

لكن مع الأسف فإن ثقافة السبّ واللعن لم تغادر المجتمع الإسلامي رغم تأكيد القرآن الكريم بقوله ( فبشّر عبادِ الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب)، على الرغم من سلوك النبي صلى الله عليه وآله القائم على الرفق واللين ورفض منطق السباب واللعن للأمة الإسلامية في كل وقت وحين، إلاّ أن حروباً نشبت ومعارك دارت ودماء غريزة أريقت بُعيد رحيله بين المسلمين الأولين وسبّ بعض الصحابة بعضهم وكفّر بعضهم بعضاً أثناء صراعهم، وحتى أن بعضهم أفتى بقتل الخليفة؛ وأثناء التجييش لمواجهة أمير المؤمنين علي عليه السلام ولأجل تشويه صورة الإمام لدى عموم أهل الشام صدر أمر رسمي بوجوب سبّ علي على المنابر فيها، لكن بعد شهادة أمير المؤمنين وبعد استفراد أعدائه بالحكم فإنهم عمموا السبّ، بل أعطوا لفعلتهم هذه طابعاً دينياً حيث جعلوا لعن علي جزءاً من خطب الجمعة في عموم البلاد الإسلامية المترامية الأطراف، وحتى أن البعض استغرب لماذا يمتنع أحد الصحابة عن لعن علي، واستمر السبّ واللعن شائعين في طول البلاد الإسلامية وعرضها مدة حوالي ٦٠ سنة حتى تسلم الخلافة عمر بن العزيز فأمر بالتوقف عن اللعن في خطب الجمعة واستبداله بتلاوة الآية الكريمة: ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكّرون)، والعجيب أن بعض المدن والمناطق استصعبت الإقلاع بسهولة عن السب واللعن لعلي عليه السلام والذي اعتادوا عليه طوال عقود وطلب الخطباء والدعاة وعموم الناس من الوالي مهلة ٦ أشهر للتكيف مع الواقع الجديد؛ ولم نجد في التاريخ من طعن في إسلام أو اتهم بالردّة أحد أفراد هذه الأمة التي لعنت طوال عقود علياً وهو من أفضل الصحابة بالكفر، بل إن بعضهم ذهب نفي الأمر بالكامل والبعض ممن أقرّ بالواقعة حاول خلق تبريرات لفعلات المسلمين الأوائل وقالوا بوجوب السكوت عما شجر بين الصحابة الأولين وعدم التعرض لأي واحد منهم بأي شكل من الأشكال، حتى وصلت الجرأة بالبعض للمطالبة بالسكوت عن فاجعة الطف وتبرير الجريمة الكبرى التي ارتُكبت بحق سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسيد شباب أهل الجنة الأمام الحسين وأهل بيته في كربلاء يوم العاشر من شهر محرم الحرام عام ٦١ هجري، لكن أولئك المتساهلين في أمر سبّ رابع الخلفاء الراشدين وأفضل الصحابة وأحبهم إلى قلب سيد المرسلين لما يتفوّه بعض الجهلة أو المغرضين بالإساءة لبعض من هم رموز محترمة لدى عموم المسلمين أو عند بعض مذاهبهم، وهذا ما نرفضه بكل قوة،  نجد كثيرين من أهل العلم والمعرفة ينساقون وراء الغوغاء ويثيرون الغرائز تبعاً لهم ولا يبحثون عن مصدر المنشور هل هو حقيقي أم "مفبرك" من أساسه، وهل هو أمر حادث أو مستخرج من أرشيف قديم، وهل هو صادر من جهال متعصبين وأدعياء علم منبوذين أو من فقهاء مشهود لهم بالتقوى والدين وعلماء عرفوا حقيقة الإسلام  ومقصد رسالة سيد المرسلين، ومن قادة اطّلعوا على مكائد المستكبرين ومؤامرات المنافقين لبثّ العداوة والبغضاء بين المسلمين وتفريق صفوف المؤمنين وإلهائهم عما يُبيّته ضدهم أعداؤهم أجمعين الذين يبثّون في صفوف هذا وصفوف ذاك من العملاء ليهيجوا النفوس هنا ويثيروا الغرائز هناك فتشبّ نار الفتنة المفتعلة فيتلهى الناس بأمور هم أثاروها ومنشورات هم صاغوا نصوصها ومقاطع مصوّرة هم رتّبوا مشاهدها، فينهب الناهبون ثروات البلاد ويسرق السارقون قوت الفقراء وعامة الشعب عنهم غافلون.

إن الأمة الإسلامية عموماً والمسلمين في لبنان  خصوصاً  مدعوون اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى التنبّه واليقظة لما تخططه أجهزة  الاستخبارات الأمريكية والصهيونية ليضيفوا على الأزمات السياسية والإقتصادية والصحية والإجتماعية في لبنان أزمة جديدة وفتنة طائفية ومذهبية لتطغى على غيرها وينشغل الناس بما تبثّه وسائل الإعلام المأجورة والمشبوهة التي يعرف الجميع توجهاتها ومصادر تمويلها وسوء نيتها في تسليط الأضواء على مواضع الضعف وتجاهل نقاط القوة، والله سبحانه قد حذّر المسلمين في القرآن الكريم من الأخذ بأقوال الفاسقين والوقوع في أفخاخ المنافقين بقوله: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) صدق الله العلي العظيم.

السيد صادق الموسوي