2018-07-20 15:11:49

قراءة في كتاب ((شوقي أبي شقرا يتذكر)) كتابة صادقة موضوعية وعفوية / بقلم نجيب البعيني

قراءة في كتاب ((شوقي أبي شقرا يتذكر)) كتابة صادقة موضوعية وعفوية / بقلم نجيب البعيني

قراءة في كتاب ((شوقي أبي شقرا يتذكر)) كتابة صادقة موضوعية وعفوية / بقلم نجيب البعيني

قراءة في كتاب ((شوقي أبي شقرا يتذكر)) كتابة صادقة موضوعية وعفوية / بقلم نجيب البعيني

ولد هذا الشاعر والكاتب والمربي والصحافي في بلدة مزرعة الشوف، من أعمال جبال لبنان، بلدتي وبلدته، في سنة 1935، أي انه أكبر مني بسنة واحدة فقط لا غير. تلقى علومه، كما أعرف، في عدة مدارس محلية، ثم في مدرسة ((الحكمة)) في بيروت، من الصفوف الابتدائية الى الثانوية، الى صف البكالوريا بقسميه لينال بعدها الشهادة فيها. وظل في هذه المدرسة الراقية من سنة 1943 الى سنة 1952. كان طالباً مواظباً، مجتهداً، مثابراً الى أقصى ما يمكن، منتبهاً الى شروحات الأساتذة وأهل الرأي، وكان حنوناً باراً بوالديه أحبهما حباً كبيراً. هذا الفتى فتحت الحياة له أبوابها وفتح هو قلبه للناس من رفقاء وأصحاب، ووزع عاطفته على الذين يعملون ويخططون ويسيرون في الحياة شرفاء لا يأكلون مالاً حراماً، همهم الرزق الحلال والعيشة الهنية الهادئة التي لا ضوضاء فيها، بل سكون وهدوء وسلام، يعمل حسب الأصول والأعراف السائدة.

قضى معظم أوقاته في بيروت، في الأشرفية ببيروت، وفي الصيفية كان يذهب الى الضيعة ويبقى فيها أشهراً حيث الأقارب والأصدقاء والمحبون والمعجبون. وكان يذهب الى بلدة ((رشميا)) ثم الى ((عاريا)) في بعض الأحيان، حيث كان والده ((شاويشاً)) في الدرك اللبناني. والده مجيد تعود الاقامة في الضيعة، حيث كان والده ينبطح أرضاً، يشرب ((العرق)) ورجلاه حافيتان، وهو في البيجاما، كان يروي أيضاً القصص والحكايات. وعندما توفي والده حزن عليه حزناً شديداً، وبكاه بكاء مراً، وكذلك حزن على والدته عندما توفيت حزناً عميقاً بائساً متألماً لفراقها.

حُمل والده يوم وفاته على الراحات، والألم والتأملات والاخيلة تلفه، في باحة مار جرجس، الكنيسة، يوم وفاته، في مزرعة الشوف، والرجال وحدهم كانوا يتلقون التعزية من الأهل والأقارب خصوصاً، ومن أهالي دروز مزرعة الشوف بصورة عامة.

توارت والدته من بعد ما توارى والده، فكان حزنه شديداً على والدته التي عطفت عليه في صغره وحضنته وأرشدته الى معالم الخير والعطاء والسماح والنجاح في الحياة، وكذلك غمرته والدته بالأمومة.

عندما غابت والدته عن هذا الوجود، احتار في أمره، لا يعرف متى يحزن ومتى يبكي ومتى ينهض ومتى يجلس ومتى يرثي.

كانوا في المنزل خمسة أشخاص، تضاف الى عائلة أخرى، جدته وعمه سليمان وولديه فارس والياس وعمته بديعة، وعمه أديب.

 

في معترك الحياة

خرج الشاعر شوقي ابي شقرا الى معترك الحياة، فاختار مهنة التعليم في بعض المدارس، حتى سنة 1960، ثم عاد وامتهن حرفة الصحافة، والتحق بلجنة هيئة التحرير في مجلة ((شعر)) ثم اشتغل في الصحافة في جريدة ((الزمان)) من سنة 1957 الى سنة 1960، ثم عمل محرراً في جريدة ((البيرق)) مع المرحوم النقيب ملحم كرم، الى ان عُيّن محرراً في جريدة ((النهار)) اليومية ابتداء من سنة 1964.

وهنا، يروي الشاعر الاستاذ شوقي ابي شقرا ذكرياته عن الذين لقيهم في جريدة ((النهار)) من الأشخاص والصحافيين والأدباء الذين اختلط بهم، وكانت له معهم صولات وجولات في الشعر والندوات الفكرية والأدبية وفي شؤون الصحافة وشجونها، وهو بالنتيجة شاعر ملهم، له مغامرات في هذا الميدان، وله نظرات واسعة شمولية في هذا المجال، فاختلط مع الكثيرين من الشعراء والأدباء في جريدة ((النهار)) التي كانت تعج بالصحافيين في ردهاتها. وكان مصيره المحتم العمل في ((الملحق)) وفي ((الملاحق))  الأخرى التي كانت تصدرها الجريدة بين الحين والحين، وما أكثرها آنذاك. وكان مركز ((النهار)) في الحمراء في البناية المقابلة لوزارة السياحة ووزارة الاعلام.

في تلك السنة، اي 1964 بدأ يكتب ويكتب ويصحح ويعمل ((العناوين)) المختلفة، ويسهر الليالي مع أنسي الحاج وجمع من الكتبة والمحررين. ويتابع العمل المتواصل الحثيث. لأن الادارة وهيئة التحرير في الجريدة، كانت ترغب وتلح ان يكون ((الملحق)) عصرياً مواكباً التطورات والأحداث يماشي جميع الأذواق. وكان الرسام الموهوب الراحل بيار صادق يخط العناوين ويرسم صوراً مختلفة بـ ((الكاريكاتور))، بريشته الطويلة الطرية، التي تكون مناسبة وملائمة لكل مادة من مواد الجريدة.

قساوة الحياة:

قست الحياة فعلاً على شوقي أبي شقرا، منذ طفولته، حيث مات والده وهو لم يزل في الثامنة من عمره، فحرم دفء البيت وحنانه. كان في مدرسة ((الحكمة)) في بيروت، تلميذاً داخلياً. بمنحة من الدولة اللبنانية. لكن نفسه كانت جبارة وعنيدة على قساوتها وغلظتها، فلا تبتئس ولا تتراجع في عنادها وتصميمها ولا تيأس. بل تعلو النفوس الى الأعلى والأرقى.

كان هذا العصامي الشجاع، يشق طريقه برأس شامخ وقور، ويعمل بعقل راجح، وعزيمة لا تنتهي أبداً في وجه الأعاصير. كان هذا الفتى يكدح ليلاً ونهاراً للحصول على مبتغاه وأمانيه وتحقيق آماله وطموحاته في عيش كريم دون معونة احد من الناس.

استطاع ان يشق طريقه بقوة في هذه الحياة، عزيزاً مكرماً محترماً لا يحتاج الى أحد ولا مساعدة أحد. ان هذا الرجل بنى نفسه بنفسه ووصل الى أهداف مثلى في غاية الأهمية، بعيداً عن الكذب والتدجيل والفساد والرشوة.

 

كتبه ومؤلفاته:

أحب الكتابة والقراءة منذ صغره. وشبّ على طلب العلم والأدب شق طريقه فكان شاعراً وأديباً وكاتباً وناقداً وصحافياً. وكان أدبه أدباً رفيعاً راقياً لا غُبار عليه. استطاع ان يطل على الشعراء بعدة مؤلفات، وبشعر فيه غرابة في بعض الأحيان، وفيه غموض وإبهام.

استطاع في فترة قصيرة ان تكون له مؤلفات نفيسة أطل بها على قراء العربية، بدون اذن او استئذان، استطاع بكده وجده واجتهاده ومواظبته على حب العمل. ان يكون أدبه أدباً رفيعاً مميزاً. ألف عدداً من الكتب والدواوين الشعرية. وهنا، نختار أهمها:

1-           أكياس الفقراء، منشورات حلقة الثريا، بيروت، سنة 1959.

2-           خطوات الملك، دار مجلة شعر، بيروت، سنة 1960.

3-           ماء الى حصان العائلة، دار مجلة شعر، بيروت، سنة 1962.

4-           سنجاب يقع من البرج، دار النهار، بيروت سنة 1971.

5-           ماء الى حصان العائلة، والى حديقة القديسة منمن، مؤسسة بدران، بيروت، سنة 1974.

6-           حيرتي جالسة تفاحة على الطاولة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، سنة 1983.

7-           يتبع الساحر ويكسر السنابل راكضاً، دار النهار، بيروت، سنة 1979.

8-           لا تأخذ تاج من الهيكل، دار الجديد، بيروت، سنة 1992.

9-           صلاة الاشتياق على سرير الوحدة، دار رياض نجيب الريس، بيروت، سنة 1995.

10-    ثياب سهرة الواحة والعشية، دار نلسن، بيروت، سنة 1998م.

11-    فوقي مزدهر القوام، دار نلسن، بيروت، سنة 2003م.

12-    سائق الأمس ينزل من العربة، دار نلسن، بيروت، سنة 2000.

13-    تتساقط الثمار والطيور، وليس الورقة، دار نلسن، بيروت، سنة 2005.

14-    وكان آخر كتاب نشره: ((شوقي أبي شقرا يتذكر)) عن دار نلسن، بيروت، الطبعة الأولى سنة 2017.

قسم هذا الكتاب الذي بين أيادينا الى سبعة فصول، اندرجت تحتها هذه العناوين:

1-           الفصل الأول: كرنفال الاقامة والراقصة والهجرة.

2-           الفصل الثاني: فصل ورحلات الى جذور الأزمنة.

3-           الفصل الثالث: عرزالي، ويأتي الضيوف الى رغيف المشاركة.

4-           الفصل الرابع: الكلمة هي الداء تنقذني وتحرسني.

5-           الفصل الخامس: نسطع لو زارنا الليل.

6-           الفصل السادس: نحن والثمار.

7-           ما كان من بعض الصدى. ويشتمل على كلمات بعض الكتاب الذين امتدحوه وكتبوا عنه وعن مؤلفاته بالنقد، او في مناسبات مختلفة، ونذكر بعض الذين حرروا من كلام منهم:

امين البرت ريحاني تحت عنوان: ((منمنمات حول شوقي ابي شقرا)). وقد ألقاها في الجامعة اللبنانية - الأميركية في بيروت بتاريخ 27 نيسان- ابريل سنة 2016.

سمير الحاج شاهين، دراسة نقدية انسانية تحت عنوان: ((سنجاب يقع من البرج)).

أنسي الحاج في حديقة ((الاخبار)) بتاريخ 24 /4/2010 تحت عنوان: ((حرقة شوقي ابي شقرا)).

ليلى عسيران رسالة كتبتها بخط اليد، مؤرخة في 22/12/1994.

وفيها نقرأ بعض النقد، وبعض الوجدانيات التي لا بد منها، وأفكاراً كثيرة:

((انت قدمت صليبك على صفحات الجريدة، الثقافة، هناك وجدنا النهر، النهر، النهر، الذي لم تنضب كلماته، كنت أقرأ أرضي، وطني، لم يعد وطني مجرد جغرافية سياسية.. صفحتك أعطت دفئاً، كما لو انها قلبك الكبير، افردته لنا جيلاً نتمسك به لئلا نغرمه، ولئلا نزول نهائياً. شوقي انت مرساة تدخل الى وجودي ثباتاً، ولو بقلب واجف يرتجف. لك ولزوجتك الوديعة النفيسة. كل حبي وتمنياتي في ليلة الميلاد ورأس السنة الجديدة)).

الهام كلاّب البساط تحت عنوان: ((شهادة لا تهرب)). وقد تسلم شوقي ابي شقرا جائزة في منزل جورج طربيه في 13 آب/اغسطس سنة 1994.

جورج الحاج موسى تحت عنوان: ((شهادة ولا تفنى)). الذي أرفقها بكلمة جميلة تحت عنوان: ((سنجاب يقع في البرج بين الخيال والذكرى)). بتاريخ 24/12/1971.

الدكتور مروان فارس كلمة تحت عنوان: ((التساقط نمط جديد، تتساقط الثمار والطيور وليس الورقة)).

ادغار دافيديان بتاريخ 5/3/2014: ((رسالة الى الشاعر شوقي ابي شقرا)).

بسام براك تحت عنوان: ((أكياس الذهب)). نشرها في مجلة ((المسيرة)) بيروت، بتاريخ 16/11/2009.

وأخيراً كتب الزميل الكريم سليمان بختي مقالة مستفيضة ((عن الشاعر شوقي ابي شقرا، الذي حمل في تجربته الشعرية ذروة الخيال في القصيدة.

وحمل ايضاً كل الاسئلة التي واجهته في الحياة، وأحالها الى القصيدة، لتجيب عنه ومعه المأزق الذي أوصله اليه الوجود)).

ويضيف سليمان بختي في نهاية كلمته قائلاً:

((نحتاج الى من ينتقم من الحياة دون ان يجرحها، الانتقام النبيل الذي يرتقي في دروب الجمال محتفظاً ببراءته ونقاوته وثقافته وأصالته)).

وأخيراً، في الصفحة 753 في هذا الكتاب الشيق. تحت عنوان: ((بيتي تأملات)).

في آخر الكتاب الصور والوثائق التي بقيت بحوزة الشاعر شوقي أبي شقرا ومنها: صور الطفولة، تلميذاً، خطيباً، في جريدة ((النهار))، في العرس، بين أفراد العائلة، العمادة، في المكتب في الحمراء، اجتماعيات الجريدة، ومناسبات اجتماعية شتى.

هذا هو أديبنا وكاتبنا وشاعرنا وصحافينا، الذي نعتز به ونفتخر، ونعده بين طبقة الشعراء الأوائل، اتحفنا بهذا الكتاب الضخم. وكانت كتابته صادقة موضوعية وعفوية، فيها احساس وشوق وعاطفة وذكرى عطرة للذين كانوا له عوناً في السراء والضراء، وخيراً وبركة وعطاء. وأكثر ما أعجبنا هذه القافلة من الزملاء والأصدقاء والمحبين الذين ذكرهم تحت عنوان بارز ((شعب النهار)).

وهو يرمز الى الصحافيين والشعراء والأدباء والكتاب الذين لازموه وجالسوه وصادقوه وعرفهم شخصياً من خلال كتاباتهم ومقالاتهم وندواتهم وأمسياتهم في مختلف المواضيع الثقافية والتربوية والأدبية والاجتماعية والتاريخية.

نرى في هذا الكتاب ((بوحاً)) يكاد يقترب من البوح الاعترافي، ومن الظنون، التي هي في حجم الحبة، اي القمحة، اي الحمص، اي حبة الحنطة)). كما يقول الشاعر المميز شوقي في: ((بيتي تأملاتي)). كتاب فريد في بابه. لأنه اشتمل على اعترافات صادقة، وذكريات معبرة، ولأن معظم المذكرات فيه تأتي على طابع أدبي لا سياسي وفيها معاناة مريرة وقاسية.

لقد كتب الشاعر شوقي عن زملائه فكان من أخلص الخلان. قضى زهرة عمره في البحث والتنقيب والمراجعة والتصحيح والأدب والصحافة والنقد.

وفي العمل الجاد الرصين والالتزام بالمبادىء والقيم والاخلاق. وكان من اوائل الكتاب اذ أتيح له في هذه المذكرات ان يجتمع مع روح والده الطيب ووالدته الحنون وتربيته الخلاقة.

انها رحلة العمر التي مضت سالكة دروب هذا المجتمع الشديدة الحلكة.

نجيب البعيني

 

هامش:

صدر الكتاب عن دار نلسن للطباعة والنشر والتوزيع في بيروت، بالتعاون مع مجلة الحركة الشعرية في المكسيك بدعم من رئيس تحريرها الشاعر قيصر عفيف، في 818 صفحة، جلد تجليداً فخماً وطباعة أنيقة..