2020-06-01 14:15:50

زيارة الرئيس شكري القوتلي لألمانيا من مذكرات محمد حسن بوكا رحمه الله

زيارة الرئيس شكري القوتلي لألمانيا من مذكرات محمد حسن بوكا رحمه الله

زيارة الرئيس شكري القوتلي لألمانيا من مذكرات محمد حسن بوكا رحمه الله

باقلامهم – مجلة الشراع 1 حزيران 2020

 

أثناء تدريبنا بالشركة الالمانية في شهر 7-1957 علمنا من مدربنا الألماني بأن الرئيس السورى/ شكري القوتلي آتى للعلاج في منتجعات طبية بمدينة باد شافن حول بحيرة البودن سي حسب ما قرأ بالصحف الألمانية وهي قريبة جداً من مدينة كونستانز.

طلبنا من المدرس رقم هاتف المصح لنتمكن من زيارة الرئيس والإطمئنان عليه.

فاتصلنا بفخامة الرئيس على الهاتف فأجابنا ممثل سوريا الدائم بالأمم المتحدة السفير/ زهير القباني حيث كان برفقته، واعلمناه بأننا في بعثة لدى شركة / بينتش الكترون، ونحن سبعة من مؤسسة الهاتف وثلاثة من سلاح الاشارة.

وماهى إلا دقائق حتى وافق على زيارتنا لليوم التالي بتمام الساعة التاسعة صباحاً.

في الصباح ذهبت أنا وصديقي / نبيل كسراوى والعقيد / علاء الدين مهنا والمدرب الألماني بالسيارة الى المنتجع الصحي في باد شافن، وما أن وصلنا الفندق حتى طل علينا الرئيس بهيبته ووقاره..

 قائلاً: أهلاً أهلاً... وهو نازل من على الدرج، وبعد السلام عليه والاطمئنان على صحته سـألنا عن بقية الزملاء الموفدين وسـبب عدم وجودهم معنا فاجبناه بأننا لانريد ازعاجه. فقال هذا لايصح ويجب حضوركم جميعاً مع المدرب الألماني غداً لتناول طعام الغداء، اطمأنيّنا على سيادته وتمتعنا بالحديث معه ورجعنا تملؤنا الغبطة والاعتزاز.

في اليوم التالي ذهبنا جميعاً لتلبية دعوة فخامته على الغداء، ووجدناه في الصالون ينتظرنا وبرفقته ابنته / هدى القوتلي ومندوب سوريا الدائم بالأمم المتحدة / زهيرالقباني، والدكتور/ حسني سـبح وضيف الماني صديق الرئيس لا أعلم من هو.

وبعد جلسة قصيرة تكلم سيادته عن الأحداث السياسية الراهنه وطمأننا على عدم الخوف من الحشود التركية على الحدود السورية وأن الوضع جيد، وطلب منا الإهتمام في الدراسة والجد والنشاط، ثم دعانا على طاولة الطعام.

جلسنا جميعاً حول المائدة وفخامته يتوسطها وعلى يمينه الدكتور/ حسنى سـبح وابنته هدى وعلى يساره السفير/ زهير القباني وصديقه الألماني ونحن جميعنا نجلس مقابل الرئيس. وجلس بجانبي شخص أجنبي لم أعرف عنه شيئاً.

كانت المائدة غنية بأشهى الأطعمة الشامية التى تليق برئيس الجمهورية ولكن الملفت للنظر هو وقوف فخامته على خدمتنا، يسكب لنا من الحساء في أطباقنا وهو يرش الطاولة ذهابا وإيابا نظراً لارتعاش يديه لكبر سنه، ويغرف لنا من الأطعمة الفاخرة مع وجود الخدم حولنا لخدمتنا وذلك ايمعاناً في اكرامنا.

 سألنى الشخص الأجنبي الذى كان يجلس بجانبي بالانكليزية: من يكون مضيفكم هذا؟!

فقلت له ألا تعرفه؟ قال: لا.

قلت له: أنه رئيس جمهورية سوريا ونحن موظفين بالحكومة وقد علمنا بوجوده في الفندق فاردنا الإطمئنان عليه فدعانا الى الغداء.

قال ومن هذه الفتاة؟  قلت: ابنته هدى.

 فسألته من أنت؟ قال أنا طبيب أمريكي أتيت الى هنا لاجراء مقابلات في المصح ولجمع معلومات طبية، وبالصدفة اجتمعت بالحديقة مع هذه الفتاة ودعتني الى تناول الغداء، ولم تذكرلي بأن والدها رئيس الجمهورية. ولكن كيف يدعوكم الى الغداء وأنتم موظفين عاديين؟.

فقلت: هذا شرف لنا وهو يحب أبناء وطنه فلو فرضنا أن رئيسكم كان خارج البلاد وكنت موفدا كحالنا الم يكن ليدعوك الى ضيافته!...  فأجاب طبعا لا، ولا حتى السـلام عليه.

بعد الغداء أجرى السيد الرئيـس مؤتمراً صحفياً مع من جاؤوا لزيارته، وعدنا تصحبنا نشـوة العزة والكرامة من اهتمام رئيـس الجمهورية بنا.

أخبر مدربنا الألماني الذى كان برفقتنا مديرالشركة والادارة على مدى الديموقراطية والتواضع والسماحة للرئيس السوري وحبه لشعبه فاعجبوا بذلك، وطلبوا منا الاتصال به ودعوته لزيارة الشركة وهي شرف لها.

وفعلا اتصلنا بالسفير/ زهير القباني وعرضنا عليه الدعوة ووعدنا خيراً.

وبعد فترة وجيزة اتصل بنا السفير يعلمنا بموافقة السيد الرئيس للزيارة.

في اليوم التالي جهزت الشركة مكاناً يليق باستقبال فخامة الرئيس ومعه السـيد السفير وابنته هدى ونحن حوله نحفه بالحب والاجلال ونشرح له عن الأجهزة التى تدربنا عليها وأقسام المصنع وكان تارة يتكىء على كتفي وتارة على كتف أحد الاصدقاء.

وكانت زيارة وديه اعجب بها الجميع وقدمت الشركة للحكومة السورية أجهزة قياس هدية لانشاء مخبر في سورية لتطوير العمل لدينا. وودع فخامته كما استقبل بمزيد من الاعجاب والتقدير.

وفي اليوم التالى نشرت الصحف المحلية الألمانية على صفحتها الأولى أحداث الزيارة يسطرها تواضع وديموقراطية فخامة الرئيس. ونقلا عن أحدى الصحف الالمانية بالخط العريض:

السيد شكرى القوتلى رئيس الجمهورية السورية يزور شركة بينش الكترون بلا مرافقة أو حراسة تحرسه هيبته ووقاره.

ثم نشرت هذه الزيارة جريدة الفيحاء بدمشق نقلا عن هذه الصحيفة بترجمتها ووصفت أحداث الزيارة مع بعض الصور التذكارية.

تعلموا يا حكام العرب، من القوتلي ورئيس تونس الحالي..