2020-05-29 13:41:14

الديمقراطية العجيبة في إيران / بقلم السيد صادق الموسوي

الديمقراطية العجيبة في إيران / بقلم السيد صادق الموسوي

الديمقراطية العجيبة في إيران / بقلم السيد صادق الموسوي

مجلة الشراع 29 أيار 2020

إعتادت الدول التي تدّعي الديمقراطية على التناوب في مواقع السلطة، فإذا ربح أحد الأطراف الإنتخابات جاء بمن على هواه ويوافق توجهاته وسلمهم شؤون الإدارة وهمّش الأطراف المناوئة له، أما تلك الدول التي تمسك بمقاليد الحكم في بلادنا فلا تعطي لمعارضيها حق الحياة، فبمجرد أن يصل أحد إلى السلطة فإنه يبادر إلى اعتقال خصمه ومحاكمته وإعدامه وملاحقة كل من كان على وفاق معه أو كان يتعاطف معه ولو قليلاً؛ هذه هي الحال في مختلف بلاد العالم فإما تهميش للمنافسين في النُظُم الديمقراطية أو إعدام للحاكم السابق في النظم السائدة عندنا مهما اختلفت التسميات، لكن ما حصل في الجمهورية الإسلامية اليوم في ٢٨ / ٥ / ٢٠٢٠ هو نموذج جديد لم يعهده أي بلد في منطقتنا على الأقل على ما أعلم، حيث صار المتنافسون على رئاسة الجمهورية في العام ٢٠١٧ يتقاسمون المناصب الرئيسية في البلاد، فالشيخ حسن روحاني هو اليوم رئيس الجمهورية الإسلامية ومنافسه السيد إبراهيم رئيسي هو رئيس السلطة القضائية، ومنافسه الآخر الدكتور محمد باقر قاليباف انتُخب رئيساً لمجلس الشورى الإسلامي ( البرلمان )،وعلى الرغم من تبادل الإتهامات القاسية في حملاتهم الإنتخابية سابقاً فإنهم سيتعاونون لتسيير دفّة الحكم وإدارة شؤون العباد والبلاد خصوصاً في الظروف الصعبة جداً من حيث تشديد العقوبات الأمريكية يوماً بعد يوم، وأيضاً بسبب الأزمة الكبيرة الناجمة عن تفشي الوباء في أرجاء إيران، وإن المرحلة تستوجب التكاتف ونسيان الإختلافات في تفاصيل الأمور بين الشخصيات الثلاث لأن الفيروس الأمريكي يعمل بجد للقضاء على النظام الإسلامي سياسياً واقتصادياً فيما فيروس كورونا يفتك كل يوم بمئات المواطنين الإيرانيين، والرجال الثلاثة الذين يمسكون من الآن حتى انتهاء مدة الرئيس روحاني هم من أوتاد النظام وقد قضوا حياتهم مناضلين قبل انتصار الثورة الإسلامية وبعد الإنتصار توزعوا على مؤسسات مختلفة في الجمهورية الإسلامية وقاموا بالمسؤوليات الملقاة على عاتقهم خير قيام، وجمعتهم سرّاء المراحل المختلفة وضرّاؤها، وخالط الإيمان بمبادئ الثورة  وحب مسيرة الإمام الخميني الراحل لحومهم ودماءهم، واستمروا جميعاً أوفياء لسماحة آية الله خامنئي بعد ذلك، وبقوا موضع ثقته حتى اليوم وعلى الرغم من وجود بعض التفاصيل الصغيرة من اختلاف في النظر إلى الأمور الإجرائية بين هذا وذاك من الرؤساء الثلاث لكن الأمور تُحسم بسرعة مع تدخل القائد ويسلّم الجميع لرأيه السديد في نهاية المطاف.

إن هذا النموذج من التعاون بعد التنافس وكما قال الرئيس روحاني بالفارسية " رفاقت بعد از رقابت " هو ميزة نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، وإن سفينة النظام تتسع لجميع الذين ناضلوا ضد النظام البائد وآمنوا بمبادئ الثورة الإسلامية وبقوا أوفياء لتلك المبادئ،  ويتحمل النظام حتى أولئك الذين يتهمهم بالإنحراف عن الخط ويحافظ على حياتهم وسلامتهم على الرغم من فرض الحظر على نشاطهم المعتاد ومنعهم من التحرك السياسي، لكن الزيارات للسيد محمد خاتمي قبل أزمة كورونا متاحة وهو كان يستقبل مختلف الشخصيات السياسية والدينية والنخب العلمية في مقره الخاص الذي أمّنته له رئاسة الجمهورية، والشيخ مهدي كروبي ومير حسين موسوي يتواصلان مع أقاربهما واصدقائهما في بعض الأوقات على الرغم من أن الأفضل باعتقاد عدد من المخلصين هو فكّ الحصار عنهم بالكامل بعد هذه الأعوام علماً بأنهم  على الرغم من التضييق عليهم وكيل مختلف الإتهامات ضدهم من قبل خصومهم ظلوا متمسكين بمبادئ الثورة وأصول النظام وهم يؤكدون في مختلف المناسبات تأييدهم لسماحة آية الله خامنئي وقبولهم لتوجيهاته.

إن هذا النموذج الفريد للحكم في المنطقة يُظهر قدرة الدين الإسلامي الحنيف على المواءمة بين أصول الشريعة وأصوات الشعب في نظام يستند على مبدأ شرعي هو ولاية الفقيه العادل الذي يصون نفسه من المغريات ويخالف هواه ويطيع أمر ربه ومولاه، لكن تفاصيل شؤون إدارة البلاد وسنّ القوانين الضرورية لتنظيم أمور المواطنين يكون في يد المنتخبين من قبل الشعب سواء لموقع رئاسة الجمهورية أو لعضوية مجلس النواب أو لعضوية مجالس البلديات، وحتى انتخاب القائد نفسه يتم عبر انتخاب أعضاء فقهاء عدول له ينتخبهم الشعب لأداء المهمة وبتضمن مهمة أعضاء مجلس خبراء القيادة أيضا السهر على حسن أداء القائد لدوره وإعطاء النصح والمشورة له، والقيام بعزله من منصبه في حال التثبت من عدم قدرته لا سمح الله على القيام بواجباته حسب ما يفرضه الشرع ووفق صلاحياته المنصوص عليها في دستور الجمهورية الإسلامية والذي صوت أكثر من ٩٨٪ من أبناء الشعب الإيراني لصالحه.

إن أنظمة الحكم في منطقتنا بالخصوص هي إما ملكية لا دور بتاتاً لإرادة الشعوب في إدارة البلاد بل تصدر القوانين بالإرادة الملكية والملك يصبغ الدولة باللون الذي يشتهيه ويحدد التوجهات في كافة المجالات وفق هواه، وإذا وُجد مجلس النواب في ممكلة أو إمارة أو سلطنة فإنه خاضع أيضاً لمزاج الملك والأمير والسلطان الذي يمكنه " بشحطة قلم " أن يُصدر مرسوماً بحلّ المجلس وتغيير القوانين المنظمة لانتخاب النواب الجدد بما يتوافق مع رغباته وأهوائه، وأنظمة الحكم في الجمهوريات في منطقتنا يأتي الرئيس فيها بالإنقلاب العسكري أو ما يشابهه ثم يتمّ تنظيم الدساتير والقوانين على مقاسه، ويجدد الرئيس ولايته ويبقى في الحكم سنوات بل عقوداً حتى يأتيه ملك الموت أو أن يحدث انقلاب عليه من داخل المؤسسات العسكرية أو الأمنية في البلاد فتتمّ الإطاحة به وإعدامه في غالب الأوقات أو أنه ينجو بنفسه فارّاً ومعه مئات ملايين الدولارات من أموال الشعب ويلجأ إلى دولة تقبل إيواءه ليعيش باقي أيام حياته تحت حماية تلك الدولة، أو أن يحتل جيش عازٍ أو مجموعة غزاة من أنحاء المعمورة البلد ويقضوا على الحكم ويُنهوا حياة الحاكم؛ لكن النظام في الجمهورية الإسلامية كما أسلفنا تأسس بفعل ثورة شعبية عارمة، وهو يستند إلى أصول الشريعة الإسلامية التي على الولي الفقيه العادل أن يكون الأمين عليها وأن يصونها بكل ما أوتي من قوة، لكن اختيار الشعب هو الأساس في اكتساب جميع السلطات وكافة المسؤولين الشرعية الضرورية، وإن الولي الفقيه مع ما له من صلاحيات واسعة في الدستور إلاّ أنه لا يمكنه حلّ مجلس الشورى الإسلامي ( مجلس النواب ) بأي حال، وإن مجلس الشورى يملك صلاحية مساءلة رئيس الجمهورية واتخاذ إجراءات تؤدي إلى عزله.

إن نموذج الديمقراطية الفريدة هذه تجعل مختلف المؤسسات في الدولة على الدوام تحت نظر الشعب وكل مسؤول مهما علا شأنه يحتاج دوماً لرضى الشعب، وهذا التواصل بين الشعب والنظام هو الذي أفشل كافة المؤامرات منذ اليوم الأول لانتصار الثورة الإسلامية العام ١٩٧٩ حتى يومنا هذا، ومن أجل المحافظة على هذا النظام قدم مئات الألوف من الغيارى أرواحهم وبذلوا دماءهم في مختلف الساحات لتبقى الجمهورية الإسلامية على الرغم من كيد الكائدين ومكر الماكرين وتآمر المتآمرين بل ويتوسع نفوذه يوماً بعد يوم في الدول ويزيد تأثيره على الشعوب حتى يتحقق وعد الله سبحانه في كتابه: ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ) صدق الله العلي العظيم.

السيد صادق الموسوي