2020-05-27 20:27:04

بقرة بني إسرائيل / بقلم الشيخ أسامة السيد

بقرة بني إسرائيل / بقلم الشيخ أسامة السيد

بقرة بني إسرائيل / بقلم الشيخ أسامة السيد

بقرة بني إسرائيل / بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 28 ايار 2020

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم:{وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرةً قالوا أتتخذُنا هُزوًا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين} سورة البقرة.

لقد كلَّفنا اللهُ تعالى بأشياء فلا بد من مُراعاة ما كلَّفنا اللهُ به فعلى العبد أن يكون مسرعًا في طاعة مولاه سواءٌ عرف الحكمةَ مما يقوم به أم لا فإن الله لم يأمر بشىءٍ إلا لحكمة ولم ينه عن شىءٍ إلا لحكمةٍ، وقد جعل الله الدين يسرًا فمن انتهج الغلو والتشدد فإنما يُشدِّد على نفسه بما لم يأمرنا الله به فقد روى أحمد عن أبي هريرة قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أيها الناس إن الله عزَّ وجلَّ قد فرضَ عليكم الحج فحُجُّوا. فقال رجل: أكل عامٍ يا رسول الله. فسكتَ حتى قالها ثلاثًا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو قلتُ نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال: ذَرُوني ما تركتُكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشىء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شىءٍ فدعوه".

قال الحافظ ابن دقيقٍ العيد في "شرح الأربعين النووية": "أراد لا تكثروا السؤال (أي فيما لا يعنيكم ولا تحتاجونه) فربما يكثُر الجواب عليه فُيضاهي ذلك قصة بقرة بني إسرائيل لما قيل لهم: اذبحوا بقرة. فإنهم لو اقتصروا على ما يصدُق عليه اللفظ وبادروا إلى ذبح أي بقرةٍ كانت أجزأت عنهم لكن لما أكثروا السؤال وشدَّدوا شُدِّد عليهم وذُمُّوا على ذلك فخاف النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك على أمته".

خبر البقرة

وأما خبر بقرة بني إسرائيل فقد جاء ذكره في القرآن الكريم في سورة البقرة بل قد سُمِّيت سورة البقرة أصلًا بهذا الاسم لأجل ذكر قصة البقرة فيها، وعجيب الحكمة المستفادة منها كما قال ذلك السيوطي في "الإتقان"،

والقصة مبسوطة في كتب التفسير كما في "جامع البيان" لابن جرير وفي "لباب التأويل" للخازن وكتاب "زاد المسير" لابن الجوزي وغيرهم، وحاصل الخبر أنه كان في بني إسرائيل رجلٌ عقيمٌ لا يولد له، وله مالٌ كثيرٌ وقد امتدَّ به العُمر فطَمع ابنُ أخيه بالمال فقتله وحمله ليلًا فأتى به بعضَ أحياء بني إسرائيل فوضعه على باب رجلٍ منهم ثم أصبح يطلبه ويتَّهم بقتله ذاك الحي، فأتوا نبيَّ الله موسى عليه السلام فطلبوا منه أن يدعُو الله يبيِّن لهم القاتل وقيل: إن الذي سأل موسى عليه السلام البيانَ هو القاتلُ نفسه، فأمرهم موسى عليه السلام بوحيٍ من الله أن يذبحوا بقرة فقالوا: أتتخذونا هُزوًا. قال: أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين أي لا يليق بي أن أهزأ بالناس، بل ولا يجوز اتهام نبيٍ كريم بمثل ما قالوا، وقد كان قولهم هذا في غاية الضلال ثم استيقنوا أنهم أُمروا بذلك من طريق الوحي فلم يلتزموا الأمر ولو كانوا ذبحوا أي بقرةٍ لأجزأهم، وراجعوا موسى عليه السلام، قال تعالى:{قالوا ادع لنا ربَّك يبيِّن لنا ما هي قال إنه يقول إنَّها بقرةٌ لا فَارضٌ ولا بِكرٌ عَوانٌ بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون} سورة البقرة. "والفَارض" المسنَّة "والبِكر" الصغيرة التي لم تلد "والعَوانُ "دون المسنَّة وفوق الصغيرة، ولم يلتزموا الأمر أيضًا ولو فعلوا لأجزأهم ولما شقَّ عليهم طلب بقرة بهذه الصفة فراجعوا موسى عليه السلام، قال تعالى:{قالوا ادع لنا ربَّك يُبيِّن لنا ما لونُها قال إنه يقول إنها بقرةٌ صفراء فاقعٌ لونُها تَسُرُّ الناظرين} سورة البقرة. "وفاقعٌ"صفةٌ للَّون الأصفر ومعناه الشديد الصُفرة "وتُسرُّ الناظرين" أي تُعجبُهم.

إحياء القتيل

 ثم إنهم لم يكتفوا بذلك أيضًا فكانوا كلما أُجيبوا بحثوا عن سؤال آخر قال تعالى:{قالوا ادع لنا ربَّك يُبيِّن لنا ما هيَ إن البقر تشَابه علينا وإنَّا إن شاء الله لمهتدون قال إنه يقول إنها بقرةٌ لا ذلولٌ تُثيرُ الأرض ولا تسقي الحَرثَ مسلَّمةٌ لا شِيَة فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون} سورة البقرة. والمعنى أنها بقرة ليست ذلولًا أي لم تُذلَّل لإثارة الأرض فليست من الأبقار التي تُقلب بها الأرض للزراعة، ولا تسقي الحرث فليست من النواضح التي يُحمل عليها الماء لسقي الحرث، وهي مسلَّمةٌ من العيوب التي تكون في البقر وآثار العمل المضني، وقوله "لا شية فيها" أي ليس فيها لونٌ آخر سوى أنها صفراء كلها، وقوله "فذبحوها وما كادوا يفعلون" أي لخوف الفضيحة في معرفة القاتل وقيل: "من شدة اضطرابهم واختلافهم" وقيل: "لغلاء ثمنها" حيث لم يجدوا تلك البقرة سوى عند شاب كان ورثها عن أبيه وكان بارًا بأمه فساوموه فأبى بيعها فلم يزالوا به حتى جعلوا له أن يسلخُوا له جلدها فيملؤوه ذهبًا فرضي وكان غلاء سعرها من جملة ما ابتلاهم الله به، وذلك أنهم لم يتبادروا تنفيذ الأمر أول مرة إذ لو ذبحوا حينها ما يقع عليه لفظ بقرة لكفاهم بل شدَّدوا على أنفسهم بكثرة السؤال فشدَّد الله عليهم، وحين ذبحوها أمرهم موسى عليه السلام بوحيٍ من الله أن يضربوا القتيل ببعض أجزائها ففعلوا فأحياه الله فسمَّى لهم قاتلَه ثم عاد ميتًا، قال تعالى:{وإذ قتلتم نفسًا فادَّارأتم فيها والله مخرجٌ ما كنتم تكتمون فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يُحي الله الموتى ويُريكم ءاياته لعلكم تعقلون} سورة البقرة. ومعنى "فادَّارأتم" اختلفتم، ومعنى "والله مخرجٌ ما كنتم تكتمون" أي مُظهر ما أخفيتم من أمر القتل.

 قال ابن الجوزي في "زاد المسير": "هذه الآية مؤخرة في التلاوة مقدمةٌ في المعنى لأن السبب في الأمر بذبح البقرة قتل النفس" وذلك أن ترتيب هذه الآية في كتاب الله بعد ذكر ما كان من بني إسرائيل في مراجعة موسى عليه السلام في صفة البقرة.

وحيث علمتَ خبر هؤلاء القوم فخذ من قصتهم عبرةً ودع التعمُّق فيما لا ينبغي فإن الله يقول:{يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} سورة البقرة. ومعنى "يريد" في الآية يحب، فاترك هوى النَّفس وانظر ما أمر ربك فأدّه وما نهاك عنه فانته فالله أرحم بالمؤمنين من أنفسهم ولا تُشدد فيُشدد عليك.

والحمد لله أولًا وآخرا.