2018-07-20 14:59:46

أم على قلوب أقفالها..؟! ترامب في هلسنكي كالسادات في القدس!/ بقلم: محمد خليفة

أم على قلوب أقفالها..؟! ترامب في هلسنكي كالسادات في القدس!/ بقلم: محمد خليفة

أم على قلوب أقفالها..؟! ترامب في هلسنكي كالسادات في القدس!/ بقلم: محمد خليفة

أم على قلوب أقفالها..؟! ترامب في هلسنكي كالسادات في القدس!/ بقلم: محمد خليفة

 

اذا أردنا تقريب صورة الخطوة التي أقدم عليها الرئيس الاميركي دونالد ترامب في قمة هلسنكي للقارىء العربي والأثر السياسي الذي تركته في الداخل الأميركي وفي العالم، لجاز لنا تشبيهها بخطوة الرئيس المصري انور السادات في زيارته الى القدس عام1977 .

فالخطوتان مثال على القفزات السياسية الفردية أو الانفرادية التي لا ترتقي الى مستوى المبادرات المحسوبة والمخططة للدول. إنها في الغالب قفزات في الهواء، قد تحدث ضجيجاً عالياً ولكنها لا تحدث أثراً مفيداً. بل قد تترك نتائج ضارة وسلبية على الداخل القومي. وربما نرى في المستقبل غير البعيد انعكاسات هذه القفزة الترامبية على الساحة الداخلية في واشنطن، في ضوء ردود الأفعال الرافضة لها جملة وتفصيلاً، من كلا الحزبين، فضلاً عن مؤسسات الدولة الراسخة. فقد هاجمها السيناتور جون ماكين بقسوة وعبارات مباشرة، ورأى أن تصريحات الرئيس ترامب في المؤتمر الصحافي مع بوتين تمثل ((أحد أكثر العروض المشينة لأي رئيس أميركي)).  ووصف أداء الرئيس ترامب بأنه ((الأسوأ)) في تاريخ الادارات الاميركية. ولكي لا ننسى فالسيناتور ماكين جمهوري من حزب الرئيس الذي يفترض أن يدعمه في مبادراته السياسية، ولا سيما على الصعيدين الخارجي والقومي، ولولا ذلك لربما قال أكثر وأقوى من هذه الاتهامات النارية.

أما رئيس مجلس النواب بول رايان فأصدر بياناً شديد اللهجة أيضاً يندد بالخطوة وذكّر الرئيس بما يفترض أنه يعلمه جيداً ((على ترامب أن يدرك بأن روسيا ليست حليفتنا))  وأضاف أنه ((لا يوجد أخلاقياً أوجه شبه بين الولايات المتحدة وروسيا، التي تبقى معادية لمثلنا وقيمنا الأساسية)).

وعلق زعيم الديموقراطيين في الكونغرس تشاك شومر ((إن تصرفات ترامب تقوي خصومنا وتضعف دفاعنا ودفاعات حلفائنا)).

لقد انتهك الرئيس ((العقيدة الاميركية القومية)) التي يجتمع على تصنيف روسيا كعدو ثابت للولايات المتحدة، وهذا الانتهاك أشد وأخطر من انتهاك القانون، وهي أول مرة منذ العصر السوفياتي والحرب الباردة يعبر فيها أي رئيس أو حتى مسؤول عن موقف كهذا تجاه روسيا، لأن العقيدة القومية لم تتغير بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، بل تجددت بقوة مع وصول بوتين الى الكرملين. والعداء هنا لا يشمل جانباً محدداً من المبادىء والسياسات، بل يتسع لكل المجالات على الصعيد الدولي والعالمي، بدليل السياسات الهجومية والتوسعية والتدخلات الروسية في أدق الجوانب حساسية وخطورة بالنسبة لأميركا ولحلفائها، وعلى رأسها التدخل في الانتخابات الرئاسية والتي أثبتت التحقيقات المهنية التي أجرتها الاستخبارات الاميركية بأنه حصل فعلاً، وتوصلت الى تسمية اثني عشر ضابطاً في الاستخبارات الروسية أشرفوا على العملية التي نفذت بأوامر من المستوى السياسي الأعلى. ولم يكتف الرئيس ترامب بتبرئة روسيا، بل كذب مؤسسة أميركية ذات كفاءة مشهودة، وضرب عرض الحائط بنتائج تحقيقاتها الرسمية. كما رفض الرئيس اعتبار روسيا عدواً، ومضى أبعد من ذلك بإلقاء مسؤولية العداء بين الدولتين على عاتق أسلافه من الرؤساء، وهو أمر غير معقول ولا يتسق ابداً مع الواقع والتاريخ والروح الوطنية.

ولا أحد يملك تفسيراً مقنعاً لهذه المواقف التي كافأت بوتين وروسيا على جرائمهما في اوكرانيا وسورية ومناطق أخرى، وسمحت لهما بجني مكاسب مجانية لا مثيل لها في تاريخ العلاقات بين الدول، وتعتبر استثنائية الا من بعض الأمثلة النادرة في تاريخ العالم كقفزة الرئيس السادات الى أحضان اسرائيل، العدو القومي لمصر والعرب بدون أي مبررات مقنعة، وبدون أي ضمانات مسبقة.

والغريب أن قمة هلسنكي جاءت بعد أيام قليلة من قمة حلف الناتو، وبعد شهر فقط من انعقاد قمة السبع الكبار، حيث تعمد ترامب افتعال مواقف متغطرسة وعدائية تجاه اقرب حلفاء وشركاء اميركا الاقتصاديين والاستراتيجيين حتى وصلت به الغطرسة حد التهديد بالانسحاب من حلف الناتو، في حين اتسم لقاؤه مع بوتين باللطف والتسامح والود وتبادل عبارات الاعجاب، أكثر مما كان بوتين نفسه ينتظره ويحلم به من أي رئيس اميركي.

هذا النوع من المبادرات الفردية أو الانفرادية لا قيمة لها في الواقع، وهي تحدث ضجيجاً وصخباً في وسائل الاعلام لعدة أيام، ولكن نتائجها محدودة، لأن في اميركا مؤسسات وتشريعات وضوابط مؤسسية تمنع الرئيس من الاقدام على قرارات أو خطوات تتعارض مع مصالح الدولة العليا وعقيدتها القومية وتهدد علاقاتها وتحالفاتها الخارجية. والارجح أن الكونغرس لن يسمح لترامب بتجاوزه وعقد صفقات ذات قيمة مع بوتين لأي سبب. ولكن الأثر الذي احدثته قمة هلسنكي سيترك مفاعيله على علاقات أميركا بحلفائها في اوروبا والعالم، وسيضعف هيبتها ومصداقيتها الادبية والسياسية وكفاءة قادتها.

السبب الوحيد لمثل هذه المبادرات غير المدروسة يكمن في التركيب النفسي للرئيس الذي يتميز بشخصية نرجسية ومتعالية، فهو معجب بقدراته و((عبقريته)) الى الدرجة التي تدفعه لعدم الانضباط وعدم الثقة بأي رأي يخالف قناعاته وأهواءه، ويسعى لبناء مجده الشخصي على أنقاض وأشلاء الآخرين. لقد أصبح العالم معتاداً على تصريحاته ومواقفه المتناقضة والمضطربة، والاشكالية. ويبدو أن الاجهزة المؤسسية للولايات المتحدة عاجزة حتى الآن عن كبح جموحه ومزاجه، ولكنها تحاول عقلنتها بدون المس بهيبته وهيبة الرئاسة وصلاحياتها، ولكنها على الارجح لن تتساهل مع مبادرات تمس الأمن القومي الاميركي تجاه العدو القومي التقليدي، وستكون غالبية النواب ورجال السياسة في مواجهته أيضاً.

ولا بد لنا أن ننتظر قبل التقييم النهائي حتى تظهر المعلومات عما دار في اللقاء الثنائي بين ترامب وبوتين وما جرى بينهما في اللقاء الثنائي أو في جلسة العمل المشتركة، ولكن الامر الذي أقلق الجميع في واشنطن وأوروبا هو الانفتاح والاقبال غير المشروط وغير المبرر على الرئيس الروسي وإبداء الاستعداد للتعاون معه وفتح صفحة جديدة من العلاقات بين الدولتين بدون تخطيط مسبق من المؤسسات الدستورية الاميركية، وبدون تفاهم وتوافق مع حزبه ومع نواب الشعب في قضايا تمس المصالح العاليا. وهذه الخطوة جاءت بعد سلسلة طويلة من المواقف المشابهة بدأت مع وصوله الى البيت الابيض، ما يعني وجود تصميم لدى الرئيس للسير على هذه الطريق. وتأتي مؤيدة لخصومه الذين اتهموه بالتواطؤ المسبق مع الروس في التلاعب والتدخل لصالحه في انتخابات 2016 ضد المرشحة الديمقراطية السيدة كلينتون.

ولكن المؤكد ان الرئيس ترامب قدم تنازلات كبيرة لبوتين في هلسنكي، إذ سمح له بالعودة للعب دور القوة الاولى الموازية لأميركا في ادارة شؤون العالم بعد عقدين من خسارة الروس لهذا الموقع، وبعد الجرائم التي اقترفها بوتين في الدول المجاورة وأوروبا والشرق الاوسط وفي داخل أميركا. وتحول بوتين فجأة الى صانع سلام وقائد يستحق الثناء والاطراء.. والتقليد أيضاً..! وتجاهل ترامب اتهامات مؤسسات بلاده كما تجاهل تحذيرات وشكاوى حلفائه الغربيين لروسيا وبوتين، مما سيضعف دور اميركا القيادي وثقة الدول الحليفة به، وسيسمح لبوتين بالمضي قدماً في سلوكه ليزيد من تدخلاته في اوروبا والشرق الاوسط.

ولعل أكبر هدية قدمها ترامب لصديقه اللدود هو سورية، وذلك بإقراره بتبعيتها لروسيا ومباركته لسيطرة هذه عليها، دون اعتبار لارادة الشعب السوري الذي يقاتل منذ سبع سنوات في سبيل الحد الادنى من حريته وكرامته وحقوقه. لقد اختصر ترامب القضية السورية في مسألة التهديد الايراني لامن اسرائيل، وداس على حقوق الشعب السوري وجراحاته النازفة، ووافق نزولاً عند رغبة صديق بوتين ببقاء السفاح السوري على رأس السلطة، وهو الذي سبق له أن وصفه عدة مرات بالحيوان والمتوحش، وتوعده بعقاب صارم، وأنكر على سلفه أوباما السلبية في التعامل مع جرائمه ضد شعبه، وتنكر ترامب للوعود التي قدمتها الولايات المتحدة رسميا لممثلي الشعب السوري طوال ثماني سنوات بدعم مطالبهم المشروعة، واصطف مع بوتين في محاولاته المستمرة للالتفاف على وثيقة جنيف1، وقرارات الجمعية العامة، ومجلس الامن التي تنص على حتمية إجراء عملية انتقال سياسي جوهرية وذات معنى في سورية، لاخراج الاسد من السلطة واقامة نظام جديد تعددي وديموقراطي.

وهذا المثل الفاقع على تقلبات ترامب السياسية وصفقاته غير المنطقية وغير الاخلاقية يجب أن يكون درساً ومنبهاً لكل العرب، يدفعهم لمراجعة علاقاتهم بهم، والتنبه الى إمكان أو احتمال أن يتراجع عن وعوده التي قطعها لهم بشكل شفوي وسري مقابل مكاسب بمئات المليارات، فالرجل لا تحركه سوى مصالحه المادية، ونزعاته الشخصية المزاجية والمضطربة التي يجمع العالم على عدم امكان التنبؤ بها أو توقعها. لقد تنازل ترامب عن سورية لروسيا،  وتنازل عن القدس وعن حقوق الشعب الفلسطيني لنتنياهو ويسعى ارضاء لبوتين الى تجاهل شبه جزيرة القرم رغم القرارات والتفاهمات بشأنها مع الاوروبيين، وقدم للصبي الكوري تنازلات بلا مقابل سوى عقد القمة معه ومشاركته في عرض اعلامي دولي مثير بدون أي التزامات مسبقة.

ومن يقدم على صفقات خطيرة كهذه لا يمنعه مانع من عقد صفقات أخرى على حساب العرب في الخليج إذا حصل على الثمن الذي يطلبه.