2018-07-20 14:47:02

الزواج في الإسلام / بقلم: الشيخ أسامة السيد

الزواج في الإسلام /  بقلم: الشيخ أسامة السيد

الزواج في الإسلام / بقلم: الشيخ أسامة السيد

الزواج في الإسلام /  بقلم: الشيخ أسامة السيد

 

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في كتابه الكريم: ((ومن ءاياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودةً ورحمة إن في ذلك لآياتٍ لقوم يتفكرون)) سورة الروم.

لقد جعل الله تعالى الزواج سنةً فيما بين الناس تتعلق بها فوائد جليلة وترتبط بها حكمٌ عظيمة، وقبل أن نبدأ الكلام في خصوص الزواج وما يتبع ذلك من ذكر بعض الحكم فيه ينبغي أن يُعلم علم اليقين بأن الله تعالى لم يُبح شيئًا إلا لحكمةٍ ولم يُحرِّم شيئًا إلا لحكمةٍ، وليس في الشريعة شيء من العبث والسفه ولكن كثيراً من الناس يجهلون الحقائق ولا ينصاعون للحق جهلاً أو كِبرًا من عند أنفسهم كما قال ربنا تعالى في سورة يوسف: ((وما أكثر الناس ولو حَرَصَت بمؤمنين)).

وبالتالي يجب الرضا بما شرعه الله لعباده والتسليم له سبحانه وعدم الاعتراض عليه أو مجاوزة الحد الذي لم يرخّص الشرع بمجاوزته، روى الدارقطني عن أبي ثعلبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله تعالى فرض فرائض فلا تُضيّعوها وحدَّ حدودًا فلا تعتدوها وحرَّم أشياء فلا تنتهكوها)) الحديث.

وسواء علمنا الحكمة من الحكم الشرعي أم لم نعلم يجب علينا التسليم لله فيه، فما لم نعلم الحكمة فيه فلا يعني أنه عبثٌ بل إن الله يُطلع من شاء من عباده على ما شاء من الحِكم في أحكامه التي بعث بها نبيه الكريم محمدًا صلى الله عليه وسلم، وحيث إن الكلام عن الزواج في الإسلام فيُناسب أن نتكلم عن بعض الحكم في هذا الشأن فنقول وبالله التوفيق:

 

الحكمة في الزواج

من أبرز ما يشتمل عليه الزواج من الحكم والمنافع أن فيه حفظ وصيانة كلٍ من الزوجين بكف النفس عن الحرام وإشباع الغريزة عند الرجل والمرأة بطريق الحلال عن طريق الاتصال الطبيعي المشروع فتُحفظ به الصحة وتتحصَّل المقاصد التي وضع لأجلها، ومنها حفظ النسل ودوام النوع الإنساني في الحياة الدنيا إلى ما شاء الله، ولذلك كان الزواج واجبًا في بعض الأحوال كمن خشي على نفسه الزنى إن لم يتزوج وكان قادرًا على تحمُّل الكُلف وما يقتضيه الدخول في أمر النكاح فقد روى مسلم عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يا معشر الشباب من استطاع الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجاء)) والباءة هي القدرة على الوطء ومُؤن النكاح، أما من لم يكن هذا حاله فلا نقول بوجوب الزواج في حقه إنما يكون سنةً في حالٍ ومباحًا في حالٍ على تفصيلٍ يذكره علماء الفقه. أما ((الوجاء)) فأصل معناه رضُّ الخصيتين، قال الخطابي في ((أعلام الحديث)): ((والوجاء أن تُدق خصية التيس أو الثور بين حجرين فهو موجوء، يريد أن الصوم يقطع الشهوة فيصير بمنزلة الوجاء للفحولة من البهائم)).

ومن الحكم المستفادة من النكاح أيضًا حفظ المجتمع من الشرور والانحلال فإن كثيراً من الناس يلجأون إلى النكاح خشية الوقوع في الحرام عند اضطرام نار الشهوة فقد جعل الله تعالى الزوجات من جنس البشر ولم يجعلهن غير ذلك، وقال تعالى: ((لتسكنوا إليها)) أي لتأووا إلى الأزواج وجعل المودة والرحمة فيتوادَّان ويتراحمان من غير رحمٍ بينهما، وفي ذلك آيةٌ لمن يعتبر ويتفكَّر. ثم بالإضافة إلى ذلك فإن الزواج يساهم في إِحكام الصلة بين الأُسر والقبائل والأمم، فبالزواج يتقارب الأباعد وتشتد أواصر المودة والمحبة والقرابة بين أبناء أمتنا على اختلاف أعراقهم وأجناسهم وألوانهم فيجتمع بالمصاهرة ما كان شتاتًا ويتصل بذلك ما كان منفصلاً، وقد قال ربنا تعالى في سورة الفُرقان: ((وهو الذي خلق من الماء بشرًا فجعله نسبًا وصهرًا وكان ربك قديرا))

قال النسفي في ((تفسيره)): ((وهو الذي خلق من الماء)) أي النطفة ((بشرًا)) إنسانًا ((فجعله نسبًا وصهرًا)) أراد تقسيم البشر قسمين ذوي نسب أي ذكورًا يُنسب إليهم، فيقال فلان بن فلان وفلانة بنت فلان، وذوات صهر أي إناثًا يُصاهر بهن كقوله تعالى: ((فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى)). وقال ابن جُزي في ((التسهيل)): ((فجعله نسبًا وصهرًا)) والنسب والصهر يعمان كل قربى أي قرابة والنسب أن يجتمع إنسانٌ مع آخر في أبٍ أو أم قرب ذلك أم بعُد والصهر هو الاختلاط بالنكاح.

وبذلك تظهر أهمية النكاح وفوائده في حياة المؤمنين، وقد خلق الله المرأة الأولى وهي السيدة حواء عليها السلام من ضلع زوجها سيدنا آدم عليه السلام كما دلَّ على ذلك قوله تعالى في سورة النساء: ((يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدةٍ وخلق منها زوجها وبثَّ منهما رجالاً كثيرًا ونسآء)) الآية. وروى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((واستوصوا بالنساء خيرًا فإنهن خُلقن من ضِلَع)).

وجعل سبحانه المودة والرحمة بين الأزواج المؤمنين فيهنأ المؤمن في ظل زوجته الصالحة وكذلك تسعد الزوجة في كنف الزوج الذي يُكرمها ويحفظ لها حقها كما أرشد وعلَّم نبي الهدى سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم حيث جاء بأحكامٍ راقية تتعلق بهذا الشأن، ولكن للأسف قد أعرض عنها اليوم كثيرٌ من الناس وهنا تكمُن المشكلة وهي أن بعض الناس جهلوا أحكام الشرع الناصعة ولم يعرفوا الأحكام ولا الحِكم من الأحكام المهمة التي تختص بالزوجات خاصةً وبالنساء عامةً، وقد ساوى الله تعالى بين الرجل والمرأة في الأعمال الصالحة فالمرأة إنسانٌ مكلفٌ كالرجل تمامًا ولها تصرفٌ في نفسها ومالها، وكم من نساءٍ فاقت كثيرًا من الرجال في عدة أمورٍ وبرعت في قضايا مهمة على مستوى المجتمع والوطن والأمة فمَنِ الجاهل الذي يدّعي أن الإسلام ظلم المرأة أو أنه فَرَض على النساء السجن في قفص الزوج بحيث لا يكون لهن رأيٌ ولا دورٌ ولا أي مشاركة فاعلة في صروف الحياة، وهنا نقول:

 

الرُّقي بطاعة الله

ليست المدنية ولا التحضر ولا التطور في تعاطي الزنا ولا في إقامة العلاقات المحرمة بين الرجال والنساء ولا في الدعوة إلى إقرار ما يُسمى بالزواج المثلي الذي يسمح باقتران رجلٍ برجلٍ أو امرأة بامرأة، وليست أن تجمع المرأة بين أكثر من رجل أو اشتراك رجالٍ ونساءٍ في علاقةٍ فاحشةٍ مجتمعين بحيث تُكشف العورات وتُنتهك الأعراض وتعمُّ الرذيلة ويتفشى المنكر ويستشري الفساد ولا في الدعوة إلى ما يعرف بالمساكنة فتقيم المرأة مع الرجل مدة ولربما جاءت منهما ذرية بالزنى ثم يقررا الزواج أو ترك الزواج بعد ذلك، وقد قامت بعض الدول بقوننة هذه الجرائم بدعوى الحرية، فليُعلم أن الحرية إن لم تكن مُحصنة بحصن الشرع  كانت فلتانًا وانحلالاً، وقد ذمّ  الله تعالى قوم لوطٍ عليه السلام بكفرهم وما كانوا عليه من قبائح حيث كان من عادتهم إتيان الذكور للذكور فكان اللواط دأبهم، قال الله تعالى: ((ولوطًا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تُبصرون أئِنكم لتأتون الرجال شهوةً من دون النساء بل أنتم قومٌ تجهلون)) سورة النمل. وذمَّ النبي صلى الله عليه وسلم السحاق الذي يكون بين النساء وهو أن تأتي المرأةُ المرأةَ ففي مجمع الزوائد للهيثمي عن واثلة بن الأسقع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((السِّحاق بين النساء زِنا بينهن)).

ولا شك أن كل ذلك من الطامَّات والمنكرات الشنيعة التي وللأسف راح يروج لها بعض أدعياء التحضر اليوم، وهذا كله منافٍ لتعاليم كل الشرائع التي جاء بها كل الأنبياء فإن الأمر بحفظ النسب وتحريم تضييعه بالزنى هو مما اتفقت عليه الشرائع السماوية كافة، ولا يخفى ما ينشأ عن هذه الدعوات المشبوهة من فتنٍ وتضييعٍ للأنساب فتتفكك بذلك الأسر وتتلاشى المجتمعات وتغرق الشعوب في مستنقعات الشر وهذا ما يريده أعداء الأنبياء وأعداء المؤمنين، وغرضهم بذلك أن يُعرض الناس عن الزواج الذي شرَعه الله إلى الرذيلة، ويأبى ذلك الشرف والطبع السليم والمروءة.

ونصيحتنا لكل مفتونٍ بأدعياء الحضارة المزعومة أن الرُّقي يكون بطاعة الله والتزام أوامره وبذلك ينال المرء سعادة الدارين، وما تركُ الالتزام بما أمرنا ربنا به والنفخُ في أبواق المهرولين إلى طرح أفكارٍ مناقضة للدين والقيم إلا شبكة يصيد بها إبليس الرعاع من الناس فإياك أن تقع في شباكه فإن الله تعالى يقول: ((واستفزز من استطعت منهم وأَجلب عليهم بخيلك وَرَجِلِكَ وشاركهم في الأموال والأولاد وعِدهم وما يعدُهمُ الشيطان إلا غُرورا)) سورة الإسراء.

 

إستطراد

لقد ذكرنا أن الله ذمَّ قوم لوطٍ الكافرين أصحاب تلك الفعلة الشنيعة فليعلم أن فعل اللواط ليس مشتقًا من اسم نبي الله لوطٍ عليه السلام، فلوطٌ اسم أعجمي لا يُشتق منه وقد حفظ الله الأنبياء عليهم السلام أن يُشتق من أسمائهم قبيحٌ أو تُشتق أسماؤهم من قبيح، ومن زعم بأن اللواط مشتقٌ من اسم لوطٍ عليه السلام فقد ضلَّ ولزم من قوله الفاسد أن آدم عليه السلام ما علّم أولاده من اللغة العربية ما يُحتاج لمعرفة حكم اللواط، ولزم من قوله الفاسد أن شرع الأنبياء العرب الذين كانوا قبل لوطٍ كهُودٍ وصالح عليهم السلام كان خاليًا من بيان حكم اللواط والتنفير منه، وفساد هذا ظاهر فالحذر الحذر.

والحمد لله أولاً وآخراً.