2020-05-16 11:24:45

ليلة القدر خير من ألف شهر / بقلم السيد صادق الموسوي

ليلة القدر خير من ألف شهر / بقلم السيد صادق الموسوي

ليلة القدر خير من ألف شهر / بقلم السيد صادق الموسوي

مجلة الشراع 16 ايار 2020

حل علينا شهر رمضان الذي هو أفضل الشهور عند الله هذا العام كما كل عام، والذي بفريضة الصيام فيه أراد الله تعالى أن يميز الإنسان الذي نفخ الله فيه من روحه وأمر الملائكة كلهم أجمعين بالسجود له عن باقي المخلوقات التي خلقها، حيث هي لا تصبر على الجوع ولا تقوى على تحمل العطش بأي حال، بل رأينا الأسد مراراً لم يتردد لحظة في افتراس مدربه إدا جاع وعلى مرأى من المشاهدين، فيما الإنسان الصائم يرى لذيذ الطعام أمامه وهو يتضور جوعاً فلا يقترب منه بل لا يشتهيه، ويجد الماء المعين بجنبه وهو يتلظى عطشاً فلا يذوقه بل لا يبتغيه، ويجد الفرصة مؤاتية لقضاء حاجاته الأخرى المنهي عنها اثناء فترة الصيام فيتورع عنها؛ وفي هذه الحال لا بد أن الصائم الغني الذي يتضور جوعاً يحسّ بألم من لا يجدون طعاماً يُشبعهم من الفقراء والمساكين، ويشعر الذي يملك المال ليشتري المياه المعدنية الغالية الثمن بعطشه وهو صائم بحال أولئك الذين لا يقدرون الحصول على مياه عادية غير ملوثة يروون بها ظمأهم وما أكثرهم، والذي يملك المال الكثير ليحصل على بغيته من لذات الدنيا بألوانها لمّا يحرم نفسه بالصيام من بعض حاجاته ويمسك عن إشباع شهواته يعرف ما يعانيه الفقراء الذين يلزمهم قليل من المال ليجدوا من يسكنون إليهم ويذوقون عبر الإفتران بهم طعم السعادة، هذا في أبسط معاني الصيام، وإذا أراد أحدنا أن يبلغ عمق معنى الفريضة الإلهية هذه فلا أظن أن السطور هذه تتسع لبيان ذلك.

إن تلازم ميزة فضيلة شهر رمضان بمناسبة نزول القرآن، وبيان أن قيمة القرآن هي في أنه ( هدى ) ليس لقوم من دون قوم ولا يختص بزمان من دون زمان ولا يقتصر على عصر من دون عصر بل هو ( للناس ) في طول الزمان وعرضه وبعبارة أخرى هو ( للعالمين )، وأن هذا الهدى ليس ملتبساً يقتصر فهمه على فئة من دون أخرى ولا يمكن احتكار فهمه على نخبة رهبانية كما في الملل السابقة، بل فيه ( بيّنات من الهدى ) حيث يستطيع كل مطّلع على اللغة العربية وقواعد النحو أن يغترف من بحر كتاب الله بقدر ادراكه واستيعابه، ولمعرفة مزيد من المعاني والتوغل في بطون وحي الله والإطلاع على الكنوز الموجودة في الأعماق تجب الإستعانة بالرسول الذي هو وحده العالم بكنه المعنى والعارف حقيقة مقصود مُنزّل تلك الآيات، والذي هو مستودع علم الله ومخزن أسراره، ومن بعده يأتي دور الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً والذين هم وحدهم يمكنهم كشف مكنونات الكتاب وما أكثر ما ضمّن الله قرآنه منها وذلك بصريح كلام الله ( في كتاب مكنون، لا يمسّه إلاّ المطهرون ) فهو مع وضوح نصّه إلاّ أنه ( تنزيل من رب العالمين ) يجب أن يروي غليل البشرية كلها عبر الأعصار ويلبّي حاجة الأمم في مختلف الأزمان، ولا يفقد نضارة المعنى مع مرور الوقت وتعاقب الأجيال وتكرار التلاوة، ولذلك يجب أن يكون لمدينة العلم الإلهي المستودع والمخزون لدى نبيّه باب يمكن للعموم الدخول عبره والولوج من خلاله والإستفادة من ذلك المخزون والإغتراف من المعين الإلهي الذي لا ينضب أبداً، ومن غير هذا الطريق تنحرم البشرية من العلم الذي اختُصّ به منذ أن علّم الله آدم الأسماء كلها في بداية الخليقة وهو ميزته على باقي المخلوقات، وإذا حاول ارتقاء السور والحيطان ليدخل المدينة طلباً للعلم وتحاشى الباب المعيّن والمخصوص فهو لن ينال مبتغاه بطريقة مشروعة لأن الله أمره بـ ( فأتوا البيوت من أبوابها ).

وإن في شهر رمضان وقت محدد يمتاز عن باقي الأيام فيه وهو " ليلة القدر "، والسبب للفضيلة الخاصة هذه أن في تلك الليلة أنزل الله كتابه وحياً مُجملاً ومُحكماً على رسوله محمد صلى الله عليه وآله فكانت ( ليلة مباركة )، ثم فُصّل ذلك المُجمل طوال ٢٣ عام هو كل فترة الرسالة وذلك في قالب آيات تُقرأ على الناس على مُكث حيث يبين الله ذلك ( كتاب أُحكمت آياته ثم فُصّلت من لدن حكيم خبير )، وقال: ( وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مُكث ونزّلناه تنزيلاً ).

ولقد بلغت " مباركية " الليلة التي فيها نزل وحي الهداية من الله رب العالمين على الرسول إلى البشر أجمعين أن جعل الله تلك الليلة حتى مطلع فجرها ليلة القدر والتي لبيان عظم منزلتها يخاطب الله رسوله بقوله: ( وما أدراك ما ليلة القدر )، ثم يُفصح الله بنفسه عن خصوصيتها بالقول: ( ليلة القدر خير من ألف شهر )، وإذا عرفنا أن ١٠٠٠ شهر يساوي أكثر من ٨٣ سنة عند ذلك نكتشف أن الليلة التي نزل فيها وحي الله على قلب رسوله محمد صلى الله عليه وآله هي خير من معدل عمر الإنسان كله منذ ولادته إلى حين مماته، ولم تقتصر فضيلة تلك الليلة الوحيدة على مدة حياة صاحب الرسالة بل هي مستمرة عبر الزمان إلى يوم يُبعثون حيث ( تنزّلُ الملائكة والروح فيها من كل أمر ) تتطلبه سعادة الإنسان وهناءه وتدفع عنه السوء والشقاء، بل أضاف الله سبحانه على تلك الخصوصية أن فرض على نفسه أن يجعل العاصين من عباده الذين يستحقون عقابه في البرزخ في سلام حتى مطلع فجر تلك الليلة المباركة.

إن الدروس التي تستخلصها من تلك المقدمات هي أن كل إنسان يجب أن يمحص نفسه في كل فترة ليجسد ميزته الإنسانية من خلال التدرب لفترة على السيطرة على أهوائه والتحكم برغباته والاتّقاء من تلبية شهواته، وهذه الفترة أراد الله أن تكون متزامنة مع شهر نزل فيه الدليل للوصول إلى مرحلة العبودية الخالصة لله رب العالمين، والوقت الذي أوحى فيه المنهاج الذي يؤدي إلى الفوز الكبير في الأولى والآخرة، والسراج الذي ينير الطريق أمام البشرية جمعاء لتحصل على السعادة في الدارين إن التزمت بكامل التعاليم وليس بالإنتقائية وبحسب المزاج.

ولقد خصّ الله سبحانه ليلة ظلماء من شهر رمضان المبارك لهذا الأمر الجليل والمنّة العظمى وذلك حين ذهب كل الناس في بيوت مكة في سبات عميق وناموا في مضاجعهم غافلين بالكامل عن فاطرهم وفاطر السماوات والأرض فيما محمد بن عبد الله احتجب عنهم وحيداً في فجوة ضيقة في غار " حراء " لا تكاد تتسع لأكثر من شخص واحد ليعبد الله وحده بخشوع في القلب وخضوع في الجوارح وانقطاع عن تعلقات الهوى، لا يرى في الأصنام التي يعبدها قومه لربه ندّاً، ولا يرضى لنفسه العزيزة أن تتخذ الحجارة إلهاً، فيخصّ الله بالعبادة لأنه يراه وحده لها أهلاً، فلا يُشرك به في عبادته أحداً، ولا يرى عداه جديراً بالطاعة من الخلائق شيئاً ، والطامعون في بلوغ الدرجات العليا والراغبون في نيل المنزلة القصوى والطامحون للوصول إلى مرحلة الزلفى يقضون تلك الليلة في مناجاة ذلك الذي ( لا تأخذه سِنَة ولا نوم ) حين تُغمض الجفون وتغفل العيون، ويسألون الذي ( لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ) والذي ( ما من غائبة في السماء والأرض إلاّ في كتاب مبين ) عنده، وهم ( تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ) ليكسبوا منزلة  "رضوان الله" و "المقام المحمود" لديه وبلوغ أعلى علّين عنده.

وعندما يشمل الله سبحانه خير خلقه بفضله يرفعه إلى ( سدرة المنتهى ) فيبلغ ( الأفق المبين ) الذي يطلع من هناك على مساحة الكون الفسيح كله فلا تغرّه بعد ذلك كافة مظاهر الحياة الدنيا على الأرض التي لا تكاد تُرى بين المنظومات الفلكية من بين مجرات السماء الدنيا التي تحيط بها سماوات أخرى لا نعلم مدى سعتها، وقد بلغ بقربه من رب العالمين أن اصطفاه من بين خلقه واختصه برحمته وشرّفه بحمّل رسالته الخاتِمة إلى خلقه والشريعة النهائية إلى كافة أمم الأرض بعد نسخ ما أنزل قبلها من شرعة وكتاب، وهي أصلاً مهّدت لهذه الخاتمة وبشرت بهذه الرسالة وذكرت بالإسم محمداً قروناً قبل أن يولد من بطن أمه وبعبارات صريحة لا تزال موجودة على الرغم من كل التحريف الذي أصاب تلك الكتب عبر العصور.

إن ليلة القدر التي لها هذه الفضيلة لا بد أن يُستفاد منها بالكامل، وتُستغل لحظاتها جميعاً، وتخشع قلوبنا فيها لرب العالمين، ونترك لساعات مُلهيات الحياة وزخرفات الدنيا، لعل صحيفة أعمالنا تنتهي صفحاتها الأخيرة بالطاعة قبل أن ينتصف الليل ويبدأ تسجيل أعمالنا في صحيفة أخرى بعد ذلك ولعام جديد مزيّنة بطاعة الله وذكره والخشوع له والتوسل إليه والإستغفار من الذنوب التي لا بد أننا ارتكبناها، ولعل الله الرحمان الرحيم بفضله ولطفه يغضً الطرف عما تم تدوينه في وسط الكتاب من الهفوات بل المعصيات لأوامر الله، فنكون قد وُفّقنا بإذنه تعالى لتنقية النفس من الأدران وصقل الروح الإنسانية من الشوائب والإرتقاء إلى منزلة لا يرقى إليها الملائكة المقربون، فحينئذٍ يباهي بنا الله ملائكته الذين قال لهم عند خلق آدم: (إني أعلم ما لا تعلمون )

وإذا تمكن أحد من الناس أن يبلغ عبر طاعة الله المرتبة العليا حتى صار عنده (علم من الكتاب) أي ذرة من علم الله المكنون عن عامة البشر، فإنه يحتوي على طاقة هائلة لا يملكها غيره من الجن والإنس حيث يقدر بكل سهولة وفي أقل من طرفة العين أن يأتي بعرشٍ ملك مع ملكته ويجلب بلقيس من مدينة سبأ باليمن إلى حضرة سليمان في فلسطين سالمَين وذلك لما قال لجلسائه: (يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين… قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتدّ إليك طرفك)، بل إن الإنسان إذا اصطفاه الله سبحانه يمكنه بلحظة رؤية ملكوت السماوات والأرض كما حدث مع النبي إبراهيم الخليل ( وكذلك نُري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض)، وإذا اختصّ الله عبداً بأن أطلعه على علم الكتاب كله كما جاء في نصّ القرآن الكريم ( ويقول الذين كفروا لست مُرسلاً قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ) فعندئذٍ تزول من أمام هذا الإنسان  العوائق الزمنية ويخضع لعلمه وأرادته جميع القوانين الكونية،  ويمكنه التحكم بمسار الخلق والطبيعة فيتجاوز حدود علمه الكرة الأرضية وما في السماء الدنيا ليصل إلى ما فوق سبع سماوات فيقول: "سلوني عن ما دون العرش، فإني أعلم بطُرق السماء من طُرّق الأرض، وقد تجسدت فعلاً هذه القدرة الخارقة في رجل أخلص بالكامل لربه، ونال هذه المرتبة العالية إنسان شرى نفسه ابتغاء مرضاة الله، واختص الله بهذه المنزلة الرفيعة شخصاً لم يحني رأسه أمام أي صنم وما عبد غير الله قط، ألا وهو علي بن أبي طالب الذي وقع شهيداً وهو ساجد في محراب عبادته وفي مسجد من أفضل المساجد وفي ساعة الفجر التي هي أفضل الساعات وفي ليلة القدر التي هي أفضل الليالي وهو في حال الصيام قربة إلى الله تعالى.

 إن الإنسان الذي أراد الله تعالى أن يجعله أفضل من ملائكته المقربين، وأن يكون خليفته في الأرض، وسخّر له ما في السماوات والأرض وكذلك الشمس والقمر بالنص القرآني الصريح، والذي بخروجه عن التعاليم الإلهية وارتكابه المعصية فقد منزلته وخرج من جنته، يمكنه استعادة تلك المنزلة واسترداد الخلافة الإلهية التي فقدها والعودة إلى الجنة التي خرج منها وذلك بعد العودة إلى طاعة الله والإلتزام بهداه واتّباع شريعة رسله، وحينئذٍ لا يحتاج لبذل هذه الثروات الطائلة والجهود المضنية طوال العقود المتتالية بل القرون المتعاقبة ليتغلب على بعض قوانين الطبيعة وينال بعض بغيته ويحقق قليلاً من طموحاته.

فانظروا كيف تُصرف مئات المليارات كي يصعد الإنسان إلى الفضاء خارج حدود الأرض بقليل، وكم تخصص من الميزانيات الهائلة لإرسال مسبار غير مأهول ليجول بين الكواكب فيرسل لنا صوراً فنطّلع من خلالها على ما بعض ما حولنا داخل المنظومة الشمسية فقط، ويفتخر إنسان هذا العصر أنه بأجهزته المتطورة قادر على التقاط تصاوير من أعماق الكون الفسيح الذي ليس في الحقيقة إلاّ بعض ما في السماء الدنيا والتي تحيط بها ست سماوات غيرها يستحيل أن يصل إليها البشر بأدواته وتقنياته مهما تطورت، لكنه يقدر عبر طاعة الله والوصول إلى منزلة القرب لديه وبإرادته أن يرقى إلى أعلى عليين ويبلغ الأفق المبين ويرى ما في السماوات والأرض، ويصعد إلى حيث يعجز جبريل الأمين ويصل إلى مرحلة قاب قوسين من الزلفى أو أدنى من ذي العرش ويتلقى الوحي من دون واسطة من رب العالمين، وهذا ما اختص الله به خير خلقه وخاتم رسله محمد صلى الله عليه وآله من دون سائر أنبياء الله أجمعين.

نسأل الله سبحانه أن يوفقنا لبلوغ حقيقة صيام شهر رمضان، وأن يجعلنا من الذين شملتهم بركات ليلة القدر، وأن يمنّ علينا بالعفو عن زلاّتنا، والغفران لذنوبنا، والتفضل علينا برضاه، حتى نخرج من هذا الشهر وقد تطهرت قلوبنا مما علق بها من الأدران، وتخلصت أنفسنا مما تحكم فيها من الأهواء، وتحررت ارواحنا من أسر زخارف الدنيا الفانية، فعرفت لذة القرب من المعبود، وشعرت بحلاوة الزلفى من المحبوب، وغرقت في بحار العشق الإلهي، فبلغت الغاية القصوى من السعادة، ونالت البغية الفضلى من المأمول، وما ذلك على الله بعزيز، آمين يا رب العالمين.

السيد صادق الموسوي