2020-05-07 12:50:14

مسائل مهمَّة في الزكاة / بقلم الشيخ أسامة السيد

مسائل مهمَّة في الزكاة / بقلم الشيخ أسامة السيد

مسائل مهمَّة في الزكاة / بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 7 أيار 2020

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى: {وأقيموا الصَّلاة وءاتوا الزَّكاة وما تُقدِّموا لأنفسكم من خيرٍ تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير} سورة البقرة.

وعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وتُقيم الصلاة وتؤتيَ الزكاة" رواه مسلم.

لا شك أن الزكاة فريضة عظيمة ينبغي الاعتناء بشأنها وعدم التهاون والتقصير في أدائها فإن إخراجها حقٌ أوجبه الله فليس لأحدٍ أن يمتنع عن إعطائها للمستحقين بدعوى أنه أحق بماله، فإن المال الذي أنعم الله به عليك هو ملكٌ له تعالى ولو شاء الله لجعلك فقيرًا تستعطي الناس، فإن كنتَ ممن وجبت عليهم الزكاة فبادر إلى دفعها على الوجه الموافق للشرع، وإن كنتَ تجهل أحكامها فاسأل أهل العلم، فإن كثيرا من الناس يدفعون المال بقصد الزكاة ولا يصح منهم ذلك بسبب جهلهم بأحكامها فيُخلُّون إخلال الجاهل الذي لا يعرف تصحيح العبادة، ولا يكفي هذا المقال لبسط الكلام في أحكام الزكاة وما يتعلق بها ولذلك نُحيل القارىء الكريم إلى طلب العلم من أهله لإخراج الزكاة على وجهها ولكن ينبغي أن نُنبِّه إلى مسائل مهمة يجهلها كثيرٌ من الناس الناس ليكون المرء على بصيرةٍ من أمره.

المسألة الأولى

تجب الزكاة بحَوَلان الحَولِ أي بمرور عام قمري كامل في المال الحولي كالذهب والفضة وأموال التجارة وغيرها، ولا يشترط حَوَلانُ الحول في بعض الأموال كالثمار والزروع التي أوجب الشرعُ الزكاةَ فيها لقوله تعالى: {وءاتوا حقه يوم حصاده} سورة الأنعام. فليست الزكاة فريضة خاصة برمضان كما يعتقد بعض الناس إنما تجب الزكاة بشروطٍ ذكرها الفقهاء، فعلى من ملك شيئًا من الأموال التي تجب فيها الزكاة أن يُراعي الشروط التي لا بد منها لوجوبها ولا يتأتى ذلك إلا بالعلم. ويجهل كثيرٌ من الناس أن المراد بالحولِ العامُ القمري فينتظرون من غير عذر حتى يحول على أموالهم العام الشمسي لإخراج الزكاة وهذا حرام لأنه يحصل بسببه تأخير الزكاة عن وقتها بغير عذر، حيث إن العام القمري أقل من العام الشمسي بنحو عشرة أيام وتأخير الزكاة عن وقت وجوبها لغير عذر معصية كتأخير الصلاة عن وقتها لغير عذر.

المسألة الثانية

ليعلم أنه يجب إيصال عين مال الزكاة لمستحق الزكاة فإما أن يُخرجها من وجبت عليه الزكاة بنفسه إن كان عارفًا بمصارفها ويتحرَّى المستحقين وإلا وكَّل بها شخصا تقيَّا يصرفها في وجهها، فإن توكَّل بها أحدٌ فصرف هذا المالَ في حاجة نفسه مثلًا ثم دفع بدله من ماله  للمستحق لم يصحَّ، ويستفاد من هذا أن وضع أموال الزكوات في البنوك وتشغيلها بحيث لا يُعرف بعد ذلك عين مال الزكاة ويُعطى  المستحق شيئًا من الربويات حرام، وبالتالي فلينظر مريد إخراج الزكاة أين يدفع ماله وليُحسن اختيار من يوكِّل إن أراد توكيلَ أحد بإخراجها عنه فإن كثيرًا من الناس لا يعرفون لمن ينبغي أن تُعطى الزكاة.

المسألة الثالثة

تجب النية القلبية في جميع أنواع الزَّكاة كأن يقول بقلبه مثلًا: هذه زكاة مالي أو هذه زكاة بَدَني (زكاة البَدَن هي زكاة الفِطر) أو يقول بقلبه: هذه صدقة المال المفروضة أو الواجبة، ولا يجب أن يُعيِّن عمَّن يُخرج فلا يُشترط أن يقول هذه زكاة مال فلانٍ أو عن فلان، وتكون النيَّة عند الإفراز أي عند عزل القَدر الذي يريد إخراجه زكاةً عن بقية ماله أو بعد عزل هذا القَدر من المال وقبل تفريقه على المستحقِّين أو عند تفريقه عليهم. ويُستفاد من ذلك أنه لو أعطى صاحبُ الزَّكاة مالًا لشخصٍ بقصد التَّبرع أو المساعدة ثم بدا له بعد ما أعطاه أن يجعله زكاةً لم يصحَّ لخُلوِّه عن النية المجزئة، وكذلك لو كان لشخصٍ على آخر دينٌ فقال له جعلت هذا المال الذي لي في ذمَّتك زكاةً لك فإنه لا يصحُّ أيضًا لخُلوِّه كذلك عن النية المجزئة.  

المسألة الأخيرة

ولا يجوز إعطاء الزكاة لغير الأصناف الثمانية الذين ذكرهم الله تعالى في سورة التوبة ويجمعهم قوله عزَّ وجل: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قُلُوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضةً من الله والله عليمٌ حكيم}. ولولا خشية الإطالة لذكرنا تعريف كل صنفٍ لأن كثيرًا من الناس لا يعرفون معيار الفقر الشرعي ولا المسكنة ولا يُدركون المعنى المرادَ من ذكر هذه الأصناف، ولذلك ينبغي لمريد الزكاة أن يرجع إلى أهل العلم للسؤال عمَّا يحتاجه، ولكنني أُبيِّن أمرًا مهمًا وهو أن قوله تعالى {وفي سبيل الله} لا يعني كلَّ عملٍ خيري كما ظنَّ بعض الناس فإن العطف بالواو كما هو معروف في علم العربية يفيد المغايرة، والله يقول {للفقراء والمساكين والعاملين عليها} الآية، فدل العطف بالواو على أن هذا الصنف غير الذي قبله وهذا الصنف غير الآخر وهكذا، والقول بأن {وفي سبيل الله} شامل لكل عملٍ خيري خلاف ما يقتضيه العطف بالواو فلا يصح، إذ لو كان المراد هكذا فلماذا ذُكرت بقية الأصناف ولم يُكتف بقوله "في سبيل الله" وكلُّ ذلك في سبيل الله.

ومعلوم في نصوص القرآن والحديث أن "في سبيل الله" عند الإطلاق تنصرف إلى الجهاد فيكون المراد بذلك الغزاة المتطوعين للجهاد في سبيل الله لإعلاء دينه تعالى، ولا تُصرف لفظة "في سبيل الله" لمعنى آخر بغير قرينة، والنصوص في ذلك كثيرة، فمن حملها على كل عملٍ خيري فقد صرفها عمَّا تقتضيه اللغة العربية لغير دليل. وقد نقل القاضي أبو بكر بن العربي في "أحكام القرآن" عن الإمام مالك الإجماع على أن المراد بسبيل الله في الآية الغزو، وما فتوى القرضاوي بدفع أموال الزكاة لما يسمى بالمراكز الإسلامية التي خَرَّجت التكفيريين الذين استباحوا دماء وأعراض وأموال الناس بالباطل إلا بدعة مخالفة لصريح كتاب الله فالحذر الحذر فإن دين الله ليس ثوبًا يُحاك بمقاس فلانٍ أو فلان.

وإذا ما عُلم هذا فإننا ننصح مريد الزكاة أن يتحرَّى الصواب بطلب العلم لتقع صدقته موقع القبول. والحمد لله أولا وآخرا.