2020-05-02 11:50:06

لا تيأسوا من رحمة الله / بقلم الشيخ أسامة السيد

لا تيأسوا من رحمة الله / بقلم الشيخ أسامة السيد

لا تيأسوا من رحمة الله / بقلم الشيخ أسامة السيد

لا تيأسوا من رحمة الله

بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 2 أيار 2020

 

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم:{قل يا عبادي الذين أسرفُوا على أنفسهم لا تقنطُوا من رحمة الله إن الله يغفرُ الذُنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم} سورة الزمر.

أمر الله تعالى في هذه الآية بعدم القُنوط أي اليأس من رحمة الله فإن الله يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب منها التوبة الصحيحة وهذا من عظيم لطف الله وكرمه ورحمته بعباده المؤمنين، فكم وكم نخطئ ونعصي ولكن لا ينبغي أن يغفل المؤمن عن التوبة ولا أن يملَّ من تكرار طلب العفو من رب العالمين ليسلم من تبعة الإثم، فإن المؤمن الذي يُصرُّ على الذنوب فيموت على الفسق فهو تحت مشيئة الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، ولو عُذِّب لا يخلّد في النار لأنه مؤمن، إذ الذنب الوحيد الذي لا يغفره الله لمن مات عليه هو الكفر. ثم إن النصوص الدَّالة على الترغيب في التوبة وسعة رحمة الله كثيرة جدًا يطول المقال بذكرها لو أردنا سردها، ولكننا نسوق فيما يلي حديثًا عظيمًا اقتداءً بالنبي صلى الله صلى وسلم حيث قَصَّه لأصحابه الكرام وقصَّه الصحابةُ لمن بعدهم ترغيبًا بالتوبة إلى الله وإشارةً إلى صغر الذنب وإن عظُم في جنب عفو الله تعالى. فجديرٌ بنا أن نقرأه ونبينه للناس كي لا يقنط المؤمن من رحمة الله ويسارع إلى التوبة الصادقة مهما بلغت الأوزار فإن التوبة من ذلك فرضٌ على الفور سواءٌ كبر الذنب أم صغُر وكم يغفُل عن ذلك كثيرٌ من المؤمنين فيتمادون في الذنب.

لا تقنط من رحمة الله

فعن أبي سعيد الخدري أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: " كان فيمن كان قبلكم (أي من الأمم السابقة) رجل قتل تسعةً وتسعين نفسًا (أي ظلمًا وعدوانًا ولكن هبّت عليه نفحات الرحمة فأراد الله به خيرًا) فسأل عن أعلم أهل الأرض (أي في ذلك الوقت) فدُلّ على راهبٍ (أي عابدٍ من عُبَّاد بني إسرائيل) فأتاه فقال: إنه قتل تسعةً وتسعين نفسًا (أي ظلمًا) فهل له من توبة؟ فقال: لا (أي أفتاه فتوىً باطلة فأوقعه في ميدان اليأس) فقتله فكمَّل به مائةً (أي من القتلى) ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدُلَّ على رجلٍ عالم (أي عالم بحق) فقال: إنه قتل مائة نفسٍ فهل له من توبة (أي صحيحة مقبولة) فقال: نعم ومن يحول بينه وبين التوبة؟ (أي لا مانع بينه وبين التوبة) انطلق إلى أرض كذا وكذا (ليفارق دار الفساد وأصحابه الذين كانوا يعينونه على الشر) فإن بها ناسًا يعبدون الله (أي حقَّ عبادته) فاعبد اللهَ معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء فانْطَلَق حتى إذا نَصَفَ الطريق (أي بلغ نصفها) أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكةُ الرحمة وملائكةُ العذاب فقالت ملائكةُ الرحمة: جاء تائبًا مُقبلًا بقلبه إلى الله تعالى. وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط (فقد أطلع اللهُ ملائكةَ الرحمة على ما في قلبه من صحة قصده إلى التوبة وخفي ذلك على ملائكة العذاب وإلا لما صحَّ أن يقولوا ذلك) فأتاهم ملَكٌ في صورة آدميٍ (لأن الله أعطى الملائكة القدرة على التشكل بأشكال الذكور المؤمنين من غير أداة الذكورة ولا يتشكلون بأشكال الإناث ولا بأشكالٍ قبيحة) فجعلوه بينهم (أي حَكمًا) فقال: قيسوا ما بين الأرضين (أي التي خرج منها والتي ذهب إليها) فإلى أيتهما كان أدنى (أقرب) فهو له (أي هو لذلك الأقرب، لأرض السوء المستحق أهلها للعذاب أو لأرض الصالحين الذين لهم الجنة) فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته (أخذته) ملائكة الرحمة (أي لكونه أقرب إلى أرض الصلاح والمعنى أن الله قبل توبته وغفر له)" متفقٌ عليه.

لطف الله العظيم

 وفي روايةٍ عند البخاري "فأوحى الله إلى هذه (أرض الفساد) أن تَبَاعدي وإلى هذه (أرض الصلاح) أن تَقَرَّبي وقال (أي الملك) قيسوا ما بينهما. فوُجد إلى هذه (أرض الصلاح) أقرب بشبرٍ فغُفر له".

فقد دلَّ هذا الحديث الشريف دلالةً واضحة على عظيم لُطف الله وكرمه، فمن تاب إلى الله التوبة الصحيحة بشروطها وهي: الإقلاعُ عن الذنب والندمُ أي الحزن بالقلب لأنه عصى الله والعزمُ على أن لا يعود لمثله، فإن كان الذنب يتعلق بحقٍ من حقوق الناس، كأن أكل مال إنسانٍ بغير حقٍ مثلًا أو ضربه أو سبَّه، ردَّ الحق لصاحبه إلا أن يسامحه صاحبُ الحق أو استرضى صاحبَ الحق كأن اغتابه أو سبَّه فبلغه ذلك فيطلب منه المسامحة، وإن كان الذنبُ تركَ فرضٍ من فرائض الله كأن تكاسل فترك الصلاة المفروضة أو الزكاة الواجبة أو الصوم الواجب قضى ذلك، وإن كان الذنب كفرًا تبرأ منه بالشهادتين فإن الله تعالى يقبل منه.

وقد روى البيهقي عن أبي عُتبة الخولاني قال: "سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" ويُستفاد من ذلك الجزم بالمغفرة لمن تاب توبةً صحيحةً ولذلك ينبغي أن لا نوقع في اليأس من أراد سلوكَ سبيل التقوى وتركَ سُبل الفسوق، فلربما تاب أحدهم وترقَّى في مراتب الصلاح فصار من أولياء الله الصالحين، ومثل هذا في التاريخ كثيرٌ جدًا، فإن كنتَ على سوءٍ فاحرص أن تنقلب إلى الحسن وإن كنت في ظلام المعصية فاهجره إلى نور التوبة.

 واعلم أن العاقل لا يملَّ من تكرار التوبة كلما أذنب ولو تكرَّرت مرَّاتٍ عديدةً كما لا يمل من تطهير ثوبه كلما اتسخ. ولله درُّ أبي نواس إذ يقول:

يا ربُّ إن عظمت ذنوبي كثرةً                          فلقد علمتُ بأن عفوك أعظمُ

إن كان لا يرجوك إلا محسنٌ                            فبمن يلوذ ويستجير المجرمُ

أدعوك ربي كما أمرتَ تضرُّعًا                          فإذا رددتَ يدي فمن ذا يرحمُ

ما لي إليك وسيلةٌ إلا الرجا                            وجميل عفوك ثم إني مسلمُ

والحمد لله أولاً وآخرا.