2020-04-27 18:55:08

عندما ينقلب الواقع المرير / بقلم السيد صادق الموسوي

عندما ينقلب الواقع المرير / بقلم السيد صادق الموسوي

عندما ينقلب الواقع المرير / بقلم السيد صادق الموسوي

عندما ينقلب الواقع المرير

بقلم السيد صادق الموسوي

مجلة الشراع 27 نيسان 2020

 

بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران ذي الهوية المعادية للإستكبار العالمي والأمريكي على وجه الخصوص بدأت الولايات المتحدة بالخطوات التصعيدية فألغت كافة الإتفاقيات مع إيران وحجزت الطائرات العسكرية من طراز فانتوم التي كانت جاهزة للتسليم، وفرضت الحجز على الأموال الإيرانية المودعة لدى المصارف الأمريكية،  ومنذ ذلك اليوم ولائحة العقوبات الأمريكية تطول بين الرئيس الأمريكي الديمقراطي والجمهوري على حد سواء، لكن دائرة فرض العقوبات كانت تضيق حيناً وتتسع في أغلب الأوقات، وعلى الرغم من كل هذه الضغوط والعقوبات لم يتأثر القرار الإيراني الثابت بالوقوف بوجه الإمبريالية الأمريكية والدفاع عن حركات وقوى المقاومة في أنحاء العالم وبالأخص في فلسطين العزيزة.

 وإذا علمنا أن معيار العلاقة مع الولايات المتحدة بفعل قوة اللوبي الصهيوني فيها هو مدى القرب لـ" إسرائيل " فإن الموقف الإيراني تجاه القضية الفلسطينية ثابت منذ الأيام الأولى للإنتصار إذ تمّ تسليم مفاتيح مبنى السّفارة الإسرائيلية في طهران لرئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات وإعلان أول " سفارة فلسطينية "..

 ثم جاء إعلان الإمام الخميني الراحل يوم الجمعة الأخير من شهر رمضان المبارك في كل عام يوماً عالمياً للقدس الشريف، وتكرس التلاحم الشديد  بين الجمهورية الإسلامية الوليدة والمقاومة الفلسطينية بكافة فصائلها وهو مستمر حتى اليوم، حيث رفدت المقاومين الذين كانوا قبل ذلك لا يملكون سوى الحجارة في مواجهة أحدث أنواع الأسلحة الصهيونية حتى بلغت قوة المقاومة اليوم أن اضطر رئيس وزراء العدو إلى الإختباء في الملجأ بعد استهداف مكان حضوره بالصواريخ الفلسطينية الذكية، وتمكنت الصواريخ الفلسطينية المتطورة أن تصل إلى أبعد مدى في كيان الإحتلال وتطال مقر رئاسة حكومة الكيان الغاصب حتى اضطرت الحكومة أن تعقد بعض جلساتها في الملجأ، وتعجز القبة الحديدية المتطورة عن صد تلك الصواريخ من الوصول إلى أهدافها المحددة، وأقرّ هذا الكيان المتغطرس والذي يباهي بأنه هزم جيوش الدول العربية مجتمعة في حروبها بعجزه عن كسر شوكة ثلة من المقاومين المحاصرين منذ عقود على مساحة ضيقه من الأرض في غزة المظلومة وذلك على الرغم من ثلاثة حروب متتالية استمر بعضها أكثر من شهر واستعمال مختلف الأسلحة الفتاكة والمحرمة دولياً فيها، بل كان جيش الإجتلال في كل مرة يضطر لوقف عدوانه بعد اعترافه بالهزيمة وعدم قدرته على التقدم شبراً واحداً في المنطقة بل ترك أسرى من جنوده في أيدي المقاومين يتوسل بهذا وذاك للتوسط من أجل إطلاقهم، ولم ينفع الجدار الفاصل الذي بناه الكيان المحتل بمليارات الدولارات الأمريكية ليعطي الأمان للمستوطنين في مجمعاتهم وإذا بالثوار يصلون إلى مخادع أولئك من خلال حفر الأنفاق وتجاوز العوائق فصار كل صوت يسمعونه من تحت الأرض يُرعب المستوطنين ظنّاً منهم أنه صوت حفر نفق أو توغل ثوار...

 وهذا الأمر هو السبب الرئيس للغضب الأمريكي والعداء الشديد للجمهورية الإسلامية في إيران منذ انتصارها عام ١٩٧٩ حتى يومنا هذا لأنها ترى كل ذلك بفعل دعم الجمهورية الإسلامية للمقاومة مالياً وبالعتاد والتسليح والتدريب.

وكانت الحرب التي فُرضت على إيران بُعيد الإنتصار واستمرت ٨ سنوات تهدف إلى تحييدها عن الثابتة الفلسطينية، وكل العراقيل التي تضعها الولايات المتحدة في كافة المجالات ولدى مختلف المحافل الدولية والإقليمية منذ تلك الأيام هي بسبب وقوف إيران في مواجهة الكيان الصهيوني الغاصب، وآخرها معارضة واشنطن تقديم قرض من صندوق النقد الدولي للجمهورية الإسلامية في إيران من أجل شراء المعدات والعقاقير الضرورية لمواجهة فيروس كورونا، ولتأييد ادعائنا نلفت الأنظار إلى حادثة اللقاء بين رئيس " مجلس السيادة " في السودان عبد الفتاح البرهان مع رئيس وزراء العدو الصهيوني في أوغندا قبل فترة وجيزة وفتح المجال الجوي السوداني لعبور الطائرات الصهيونية ما جعل الولايات المتحدة ترفع إسم السودان فوراً عن لائحة الإرهاب وتقوم بفتح السفارة الأمريكية في العاصمة الخرطوم، والتقارب الحاصل بصورة متسارعة بين الدول العربية والكيان المحتل والإستقبال الرسمي لنتنياهو في إحدى دول الخليج وإشراك الوفود الصهيونية في مناسبات عديدة في تلك الدول ورفع الحظر عن إغلاق المجال الجوي أمام الرحلات الجوية الصهيونية فوق أجواء الأراضي المقدسة وحتى رفع العلم الإسرائيلي وعزف النشيد الوطني الصهيوني على الهواء مباشرة في إحدى تلك الدول، كل ذلك هو لكسب الرضى الأمريكي الذي أعلن رؤساؤه دائماً ويؤكد دونالد ترامب يومياً أن القرب من الكيان الصهيوني والبُعد عنه هو المعيار الوحيد لرضى الولايات المتحدة عن هذه الدولة وتلك أو غضبها عليها.

أمام هذا الواقع فإن حصول أية تطورات أساسية في البنية العسكرية الإيرانية تزيد من المخاوف الأمريكية ـ الصهيونية، حيث تفاجأ الذين كانوا يرون بالأمس السماء الإيرانية مباحة أمام الطائرات العراقية تصول وتجول وتقصف دون رادع طوال سنوات الحرب الظالمة وإذا بالصورة تنقلب كلياً وتتمكن الدفاعات الإيرانية اليوم من إسقاط أحدث طائرة مسيرة أمريكية خارج الحدود الإيرانية في الخليج والسيطرة الكترونياً على أخرى في سماء أفغانستان وإنزالها سالمة على الأراضي الإيرانية، والذين كانوا يتصورون ضعف الجمهورية الإسلامية بفعل الحصار والعقوبات اكتشفوا قدرة إيران على تخصيب اليورانيوم بنسب عالية حتى تقترب من الـ ٩٠٪ ولولا المانع الشّرعي لتمكنت من صنع القنبلة النووية، وإيران التي كانت منصاتها النفطية في مياه الخليج تُقصف من قبل البوارج الحربية الأمريكية وهي لا تملك حتى وسائل إطفاء الحريق تحاصر اليوم زوارقها العسكرية تلك البوارج الأمريكية وتستفزها فلا تجرؤ على القيام بأية خطوة خوفاً من التصعيد مع طهران، ولما يُقدم الرئيس الأمريكي على ارتكاب جريمة اغتيال الفريق قاسم سليماني عبر طائرة مسيرة على الأراضي العراقية يأتي الرد الإيراني فوراً بقصف أهم القواعد العسكرية الأمريكية وأكثرها تحصيناً على أرض العراق بالصواريخ من دون أن تتمكن الدفاعات الجوية المتطورة في القاعدة من التصدي حتى لواحدة منها وأن تخلف الغارة أضراراً جسيمة وضحايا بالمئات فيها، ولم يعرف ترامب كيف يبرر سكوته عن الضربة القاسية أمام الرأي العام الأمريكي والعالمي وبان التخبط في إعلان عدد الضحايا والمصابين فيها، وأخيراً لما هدد الرئيس الأمريكي بنسف الزوارق التابعة للحرس الثوري إذا تحرشت بالأسطول الأمريكي جاءها فوراً الردّ الإيراني من قائد الحرس الثوري بإصدار الأوامر للبحرية الإيرانية بتدمير أية قطعة من الأسطول الأمريكي وحتى حاملة الطائرات نفسها إذا اعتدت على أية قطعة حربية إيرانية على مساحة الخليج كله ما دفع البنتاغون إلى تخفيف اللهجة والقول إن تصريح ترامب هو مجرد تحذير، والدليل على عدم جدية التهديد الأمريكي هو اقتراب زوارق إيرانية من القطع البحرية الأمريكية بعد ذلك من دون صدور أي رد فعل من البوارج الحربية الأمريكية...

 وأخيراً جاءت الصدمة حين استيقظ العالم ليرى القمر الصناعي العسكري الإيراني قد انطلق نحو الفضاء بنجاح وبصاروخ إيراني الصنع بالكامل فبدأ بالدوران حول الكرة الأرضية ومرّ فوق الولايات المتحدة والكيان الصهيوني والتقط الصور المطلوبة للمناطق المختلفة فيهما والمواقع الحساسة لديهما...

 وهنا،

 كان النداء بالويل والثبور من العدوين اللدودين للجمهورية الإسلامية والسائرين في فلكيهما، حيث وجدوا أن إيران صارت شريكاً للدول العظمى في الفضاء بعد أن تجهزت بالصواريخ البالستية الذكية طويلة المدى للدفاع عن حدودها ووسائل الدفاع الجوي المتطورة القادرة على التصدي لأي إختراق للمجال الجوي الإيراني.

إن رد الفعل الأمريكي الغاضب على التطورات في مختلف المجالات العلمية والصناعة وفي مواجهة فيروس كورونا مؤخراً وفشلها في الإطباق على إيران عبر عقوباتها الصارمة هو أمر طبيعي، لأن ترامب تصوّر أنه يستطيع أن يقول للمسئولين فيها كما قال لحكام آخرين:

"لولا حمايتنا لأنظمتكم لما استمرت سلطتكم أكثر من أسبوع واحد وما تمكن الحكام من الوصول إلى مطارات دولهم للفرار"

 لكن الإدارة الأمريكية بعد أن بلغت أقصى مدى في سياستها ضد الشعب الإيراني ها هي تعلن ذليلة عن لسان وزير خارجيتها أنها تودّ العودة إلى إتفاق ١+٥ والذي وصفه ترامب مراراً بأنه أخطر وأسوأ إتفاق في تاريخ الولايات المتحدة وطالما فاخر بانسحابه منه.

إن الهزيمة الأمريكية المكشوفة وضعفها الواضح أمام الجمهورية الإسلامية  لهما حجة على الذين كانوا يتذرعون دوماً بالقوة الأمريكية القاهرة لتبرير خضوعهم أمامها والتسليم لأوامرها وتسليم مفاتيح خزائنهم إليها..

 ولو كانت لدى قادة الدول الإسلامية والعربية الإرادة للعيش بكرامة والتحرر من العبودية والإستسلام للإرادة الأمريكية ـ الصهيونية فإن الفرصة سانحة جداً اليوم!

 حيث ان الرئيس الأمريكي ترامب هو موضع سخرية الداخل والخارج، وتصريحاته صارت مدعاة لضحك أصدقائه قبل أعدائه، ويتخبط في إعلان المواقف كل يوم بل خلال ساعات النهار ويهدد الصحافيين بالطّرد من البيت الأبيض إذا لم يتوقفوا عن توجيه الأسلحة المحرجة، ويُصدر قراراته المهمة عبر تغريدات تويترية وهو ملقى على سرير نومه في الليل، ويواجهه أكثرية ديمقراطية في مجلس النواب ولا يتبنّاه أكثرية جمهورية في الكونغرس إلاّ في حال الإضطرار، وبان عجزه عن التعاطي مع أزمة الكورونا المستجدة حيث وقف أمام الأطباء المتخصصين ليصف طُرقاً وأدوية للعلاج من الوباء معارضاً رأي رئيس فريقه أطبائه الواقف إلى جانبه، والذين صدقوه واتبعوا ارشاداته من المواطنين الأمريكيين واستعملوا الدواء الذي وصف لهم انتقلوا إلى عالم الآخرة واحداً تلو الآخر أو هم يرقدون في المستشفى بحال الخطر الشديد، وتصدعت القوة الإقتصادية الأمريكية المهيمنة حتى الأمس حيث ارتفع الدين العام الأمريكي أربعة أضعاف بعد تفشي الفيروس، وبلغت نسبة البطالة ١٦٪ حسب تأكيد مستشار دونالد ترامب ومن على منبر البيت الأبيض، وبات ٢٦،٥ مليون أمريكي بحاجة إلى إعانة بطالة حكومية، واضطرت مئات الشركات والمصارف إلى إعلان إفلاسها ومئات أخرى هي على الطريق، وتهاوى سوق النفط الأمريكية حتى صار المنتجون يتوسلون بمن يأخذ منهم برميلاً من النفط مجاناً بل ويعطون في بعض الأحيان ٣٧ دولاراً لمن يأخذ عنهم برميلاً واحداً، والبورصات الأمريكية تتفاقم خسائرها كل يوم، وبدأ التمرد الصريح على أوامر الرئيس وقراراته من جانب حكام الولايات لمختلفة، وارتفعت الأصوات في بعض الولايات والتي كانت خافتة حتى الأمس للمطالبة بالإستقلال عن الولايات المتحدة بكل صراحة ووضوح، وانتهى أمر الدولة الأمريكية العظمى أن قامت بالسطو على حمولات الكمامات الخاصة بحلفائها، وتوسلت كوريا الجنوبية لتقدم لها بعض الكمامات، ومدّت يدها وتلقت المساعدات القليلة من دولة في العالم الثالث كانت من قبل مرتهنة بالمساعدات الأمريكية.

أمام هذا الواقع ماذا ينتظر الحكام في بلادنا ليعودوا إلى فطرتهم ويتحرروا من عقدة الضعف المزمنة لديهم ويروا الحقائق الواضحة أمام أعينهم فيعودوا إلى أجواء الأخوة الإسلامية ويتوقفوا عن الخصام ويوقفوا إراقة دماء إخوانهم، فيأخذوا من فريضة الصيام إن كانوا يصومون دروس مخالفة النفس، والغلبة على الأهواء، والتزود بتقوى الله رب العالمين، والتخلص من همزات الشياطين، والتحرر من أغلال الطغاة المستكبرين، إلاّ أن يكون صدق فيهم قول الله سبحانه:

 ( ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ) ( وطُبع على قلوبهم فهم لا يفقهون ) صدق الله العلي العظيم.

السيد صادق الموسوي