2020-04-25 17:34:12

شهر رمضان مميز هذا العام / بقلم السيد صادق الموسوي

شهر رمضان مميز هذا العام / بقلم السيد صادق الموسوي

شهر رمضان مميز هذا العام / بقلم السيد صادق الموسوي

شهر رمضان مميز هذا العام

بقلم السيد صادق الموسوي

مجلة الشراع 25 نيسان 2020

 

كان حلول شهر رمضان في الماضي فرصة للمسلمين في أنحاء العالم ليقوموا بترتيب حياتهم بما يتوافق مع الصيام، فلا تناول للطعام ولا شرب للماء من طلوع الفجر حتى حلول الليل امتثالاً لأمر الله سبحانه:

 ( وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتمّوا الصيام إلى الليل )

 وكانت حفلات الإفطار فرصة لتجمع العائلة والأقارب والجيران والأصدقاء والمؤمنين الصائمين فيتهيأون لحلول لحظة الإفطار فلا يتناول أحد منهم الطعام لحظة قبل رفع الأذان ويسارعون إلى الأكل بعد حلول الوقت، وما أجمل هذا المنظر الذي لا يتكرر في غير شهر رمضان المبارك؛ ولجمالية هذا المشهد الرائع يبادر الذين لا يتقيدون بالصيام أو هم من غير المسلمين في بلاد مختلفة إلى إقامة حفلات الإفطار في أيام هذا الشهر الفضيل لتكون مناسبة لتجمع أكبر قدر ممكن من الأحباب والأصدقاء الذين لا يمكن جمعهم في وقت واحد بمناسبة أخرى.

إن ترتيب الحياة اليومية للمؤمنين في شهر رمضان المبارك لا يقتصر على الإمتناع عن تناول الطعام والشراب لفترة معينة بل إن التزامات أخرى ومهمة هي أيضاً شروط لصحة الصيام، فالتوقف عن العلاقة الجنسية بين الزوجين طوال ساعات الصيام والامتناع عن استغابة المؤمنين وتوجيه الاتهام للناس والكذب على الله ورسوله، وهكذا يتحكم الإنسان بغريزته الجنسية إضافة إلى ميله إلى الأكل والشرب، لكن هذا الأمر يختص بالفرد وأسرته، أما موضوع الإستغابة للآخرين وتوجيه التهم جزافاً لهذا وذاك ونسبة الكلام كذباً إلى الله ورسوله وأئمة أهل البيت عليهم السلام فله علاقة بالنظام الإجتماعي، فكما يسيطر المسلم على نفسه فلا يأكل رغم جوعه ولا يشرب مع عطشه الشديد، ولا يلامس زوجه مع الأجواء المهيأة، كذلك يجب عليه السيطرة على لسانه فلا يغتاب أخاه ولا يوجه إليه أي اتهام، ولا ينسب كلاماً غير مؤكد إلى الله ورسوله وأهل بيت العصمة عليه وعليهم السلام، وهذا السلوك الذي يجب على الصائم الإلتزام به طوال شهر كامل كشرط لصحة صومه يجعل الإنسان مستعداً للإستمرار في هذا المسلك الإسلامي والإنساني وإدامة الإلتزام بهذا الخلق الجميل بعد انقضاء الشهر المبارك، فتصوروا كيف يكون حال المجتمع الإسلامي إذا غابت عنه الغيبة وتوقف ذكر المساوئ في غياب الأشخاص وإذا امتنع الناس عن كيل التهم لبعضهم البعض وتحاشى المتكلمون نسبة كلام غير موثق إلى الله ورسوله وأئمة أهل البيت، والأهم من ذلك استعمال آية قرآنية أو حديث نبوي أو رواية عن أهل البيت في غير محلها كما حدث في استعمال قول الله تعالى:

( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها )

لتبرير الإرتماء في أحضان العدو الصهيوني الغاصب، أو التمسك بالآية القرآنية:

 ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم )

 لفرض السلطة الجائرة على العباد وخنق الأصوات المطالبة بالعدل والحرية، أو الإستناد بحديث نبوي لتبرير الإستقواء بالقوات الأجنبية وتسليم مفاتيح البلاد الإسلامية لقوى الإستكبار، فصحيح أن الآيات نزلت من السماء على الرسول الأمين محمد صلى الله عليه وآله لكن تناسب مورد الإستفادة منها أمر ضروري، إذ كيف يمكن مثلاً تلاوة آيات قرآنية تتحدث عن حيض المرأة ونفاسها في ساحات الجهاد، ومن يؤيد تلاوة آيات الجهاد في سبيل الله في حفل الزفاف؟ّ!

إذن فاستغلال الآيات والأحاديث والروايات في غير محلها هو كالكذب على الله ورسوله والأئمة الطاهرين، وهذا الأمر لا يلتفت إليه كثيرون،  فكما أن التواضع الجميل في غير الموقع المناسب يصبح ضَعَة قبيحة و التكبر على غير المتكبرين يصبح اختيالاً ومعصية، كذلك الأمر في استعمال النصوص الدينية فإذا تلى أحد آيات من القرآن الكريم لافتتاح حفلات الظلمة والجبابرة فهذا يكون اشترى بآيات الله ثمناً قليلاً ويصدق فيه الحديث النبوي: ( ربّ تالي القرآن والقرآن يلعنه ) وإذا قرأ أحد حديثاً أو رواية لتطييب خاطر سلطان جائر فإن الرسول صلى الله عليه وآله وأئمة أهل البيت عليهم السلام يتبرأون منه في الدنيا ويشكون أمره إلى الله يوم المعاد.

إن الصوم في شهر رمضان الذي أراد الله من خلاله أن يشعر الأغنياء بجوعهم وعطشهم جوع وعطش الفقراء في الدنيا وأن يتذكر الصائمون جوع وعطش يوم القيامة، قد فقد كثيراً من معانيه السامية وتأثيراته الجليلة في النفوس والعقول نتيجة الغفلة المتراكمة والمتوارثة لدى الأمة الإسلامية، لكن تزامن حلول شهر رمضان هذا العام مع ابتلاء العالم كله بفيروس كورونا يجعل له معنى خاصاً ومميزاً، إذ يعيش كل الناس ومن كل الأعمار ومن كافة الطبقات الإجتماعية وهم يشعرون بأنهم معرضرن في أية لحظة للإصابة بالجانحة ومن حيث لا يمكن التنبؤ به، ولا يضمن أحد مهما كان موقعه وبلغت إمكاناته ضمان النجاة من الإصابة بالوباء، وأمامنا نماذج من أشخاص يعيشون في أماكن معقمة جيداً ومحاطين بالحرس الخاص والفرق الطبية المتخصصة وملتزمين بالشروط الصحية بشكل كامل لكن الفيروس أصابهم وأودى بحياة بعضهم فيما آخرون يعيشون فقراء نجوا من مخالب هذا الفيروس الخبيث، وإن التزام غالبية الناس منازلهم وتجنب الحضور في التجمعات هما أمران ضروريان من باب الوقاية باتفاق الآراء، لكن كثيرين لم يكونوا خالطوا أبداً مصابين قد شملهم الوباء، بل إن الآلاف من الجنود الأمريكيين والفرنسيين المتواجدين على ظهر حاملات الطائرات في المحيطات والمنقطعين لشهور عن اليابسة أصابتهم الجانحةعلى الرغم من إمكانات الرفاهية والرعاية الصحية المؤمّنة لهم، وهذا يجعلنا نؤمن بأن الفيروس لا يعرف أحد له حتى اليوم على الأقل جنساً ولا طبيعة ولا طريقة تفشٍّ ولا وسيلة للسيطرة عليه ولا علاجاً ناجحاً، وهو يكتسح الساحات غير آبهٍ بالإحتياطات وغير مبالٍ بالإجراءات، وكافة عمليات التعقيم والعزل لم تؤدِ إلاّ إلى إبطاء حركته قليلاً من دون الغلبة عليه، وكلما فرحت دولة بالإنتهاء من الوباء في منطقة فاجأتهم الجانحة بالتفشي في منطقة أخرى في الدولة نفسها، وما ان تتباهى دولة بخلوها من الإصابة بالفيروس حتى تكشف آلاف الإصابات بين جنباتها.

إن استمرار تفشي البلاء المستجد وتزامنه مع حلول شهر رمضان المبارك هذا العام يفرض على الصائمين البقاء في منازلهم وتناول الإفطار مع عائلاتهم بناء على التعليمات المشددة، ولا وجود لحفلات الإفطار الجماعية المعتادة سابقاً ولا للخيم الرمضانية التي كانت تقام في المناسبة، وهذا الأمر يعطي دفئاً كثيراً للعلاقات الأسرية ويفسح المجال أيضاً للتوجه إلى تلاوة كتاب الله بتمعن والدعاء إلى رب العالمين بقلوب خاشعة وعيون دامعة، وفي الوقت نفسه يفوّت على الذين كانوا يراءون فرصة إقامة حفلات الإفطار الباذخة، وهذا الواقع المستجد والإنزواء في المنازل يعيدنا قليلاً إلى الحالة الروحية المقصودة من فرض الصيام والإستجابة لدعوة الله سبحانه:

 (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم)

والتوجه إلى الإبتهال والدعاء بقلوب خاشعة ونبات صادقة ليرفع البلاء عن البشرية التي رضيت بتسلط الظالمين عليها، وسكتت على تحكم المستكبرين بمصائر الشعوب، واختفت من قاموس الأمم القيم والأخلاق النبيلة وصار همّ كل واحد نفسه من دون إخوته في الدين ونظرائه في الإنسانية، فأدّى ظلم البشرية لنفسها، وبغي الناس على بعضهم البعض، وخروج الأمم عن تعاليم السماء، والتخلي عن صفة التراحم بين العباد، وامتلاء العالم من الظلم والجور والفساد بفعل الإبتعاد عن الصراط المستقيم، إلى أن يَكِل الله أمر الناس إلى أنفسهم فيقعون في المهاوي وتهاجمهم الفتن وتسارع إليهم أنواع البلاء وهم لا يجدون عنها محيصاً، ولا يمكنهم منها خلاصاً، وكلما كادوا أن يخرجوا من بلية وقعوا في أشد منها، وكلما تصوروا السعادة فوجئوا بالشقاء يُظلّلهم وما أن يتخلصوا من أزمة حتى تحيط بهم أخرى أقسى من أختها.

إن الكائنات كلها من أصغر ذرة حتى أكبر مجرة هي طيّعة للذي خلقها حيث قال للسماوات والأرض حين إيجادها: ( إئتيا طوعاً أو كرهاً ) فأجابت: ( أتينا طائعين )،، فهي إذن تسير وفق أمره ولا تحيد عن إرادته، فإذا أوقف الله سبحانه طرفة عين اللطف عن عباده وحرمهم الشمول برحمته أحاطت بهم فوراً أنواع البلاء وأصابتهم صنوف المحن؛ وكلما ظن الجاهلون أنهم وجدوا دواءً لوباء قاتل جاءهم جنس آخر أكثر يطشاً وأوسع مدىً وأخطر أثراً؛ فلا يبقى أمام البشرية كلها في نهاية المطاف ملجأ إلاّ الإنصياع والتسليم إلى الذي " لا مفرّ منه إلاّ إليه " لأن ( بيده ملكوت كل شيء ) و ( ما تسقط من ورقة إلاّ يعلمها ) ( وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها )، وهذا ما بانت طلائعه في بعض البلدان من خلال الصلوات والتضرع بلغات مختلفة وصيغ متفاوتة.

إن حلول شهر ضيافة الله هذا العام على المسلمين والبشرية تتخبط في الأزمة ولا تجد سبيلاً للنجاة من البلاء ولا تقدر على السيطرة على الفيروس، لهي خير فرصة للجوء المؤمنين بخلوص النية وصفاء السريرة والتوسل بكل من لهم منزلة وجاه عند الله وحتى تقديم الأطفال شفعاء كونهم لم يعصوا ربهم لصغرهم والذين لهم شأن عند الله ليشملنا من جديد بلطفه ويحيطنا برحمته ويمنّ علينا برفع البلاء عن عباده، فإنه قد رفع من قبل العذاب عن قوم يونس لما آمنوا وخشعوا في دعائهم بعد أن كاد يُهلكهم، وقال للنار الحارقة:

 ( كوني برداً وسلاماً على إبراهيم )

 فأطاعت ربها وتخلت عن طبيعتها؛ وحلول الشهر الذي هو أفضل الشهور عند الله وأيامه أفضل الأيام ولياليه أفضل الليالي وساعاته أفضل الساعات، والصائمون الذين دعاهم الله إلى ضيافته وجعلهم من أهل كرامته، وحق على المضيف أن يُكرم ضيفه ويقضي حاجته، والذين أكرمهم الله بأن جعل أنفاسهم في هذا الشهر تسبيحاً ودعاءهم فيه مستجاباً، أمامهم فرصة سانحة ليعودوا إلى ربهم ويلوذوا ببارئهم الذي قال:

(الصوم لي وأنا أجزي به)

 ويسألوه النجاة من العقاب الذي حلّ إثر تمرد الطغاة على طاعته والخلاص من البلاء الذي نزل بسبب غفلة العباد عن عبادته، فإنه قال:

(وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعِ إذا دعانِ فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون)

صدق الله العلي العظيم.

السيد صادق الموسوي