2020-04-22 14:52:11

الإيمان والإسلام / بقلم الشيخ أسامة السيد

الإيمان والإسلام / بقلم الشيخ أسامة السيد

الإيمان والإسلام / بقلم الشيخ أسامة السيد

الإيمان والإسلام

بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 22 نيسان 2020

 

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم إخبارا عن الملائكة الذين أهلكوا قومَ سيدنا لوط: {فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيتٍ من المسلمين} سورة الذَّاريات.

يسأل بعض الناس ما الفرق بين الإيمان والإسلام ويدخل بعضهم في ذلك بكلامٍ طويل لا يخلو من حمل بعض النصوص على خلاف المراد فيظن العاميّ أن المسلم هو غير المؤمن وأن الشخص قد يكون مسلمًا ولا يكون مؤمنًا أو العكس، والحقيقة أن الصواب على خلاف ذلك، فكل مسلم مؤمن وكل مؤمنٍ مسلم بالنظر إلى حكم الشرع. قال علم الهدى الماتريدي في "تأويلات أهل السنة": "دلَّ تسميةُ الملائكة إيَّاهم مؤمنين ومسلمين على أن الإسلام والإيمان واحد" وقال في موضع آخر من الكتاب نفسه: "وقوله عزَّ وجل: "وقال موسى يا قوم إن كنتم ءامنتم بالله فعليه توكَّلوا إن كنتم مسلمين" (سورة يونس) فيه دلالة أن الإيمان والإسلام واحدٌ في الحقيقة لأنه بدأ بالإيمان بقوله "إن كنتم ءامنتم" وختم بالإسلام بقوله "إن كنتم مسلمين". فتأمل هذا المعنى المستفاد من كلام الله وقِفْ عند ما دلَّ عليه القرآن الكريم فإنه لا حاجة إلى التكلُّف في تأويلاتٍ لإخراج النصوص عمَّا دلَّت عليه.

قال الإمام أبو حنيفة في "الفقه الأكبر" "لا يكون إيمان بلا إسلام ولا إسلام بلا إيمان فهما كالظهر مع البطن".

تفسيرٌ وبيان

وأما من الناحية اللغوية فإن المعنى متغايرٌ ويُناسب بيان المعنى اللغوي والشرعي للفظتين فنقول: الإيمان لغةً: هو التصديق، وشرعًا: تصديق مخصوص وهو التصديق بما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وأما الإسلام فهو في اللغة: الانقياد، وشرعًا: انقيادٌ مخصوص وهو الانقياد لما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وسلم أي مع التسليم باطنًا، وبهذا يظهر أنه لا فرق من حيث الشرع بين الإيمان والإسلام ولكن الفرق بينهما هو من طريق اللغة فقط.

فإن سأل سائل ما معنى قول الله تعالى: {قالت الأعراب ءامنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولمّا يدخل الإيمان في قلوبكم} سورة الحجرات، فالجواب أن هذه الآية نزلت في أعراب مخصوصين لا في جميعهم، وهم ناس من أعراب بني أسد أتوا بالشهادتين بألسنتهم ولم تصدق قلوبهم فقيل لهم: قولوا أسلمنا أي استسلمنا وانقدنا ظاهرًا ولم يكونوا في باطنهم مؤمنين كما قال القرطبي في "تفسيره" وغيره، فيكون المراد بأسلمنا المعنى اللغوي، فالآية محمولة على المنافقين من الأعراب الذين خضعوا خوفًا وطمعًا فيما عند المسلمين من العطاء، فليس المراد بالإسلام في الآية الإيمان الذي هو التصديق الجازم بالقلب بحقِّية ما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال الإمام الماتريدي في "تأويلاته": "ولا يصح الاستدلال بالآية على أن الإسلام والإيمان غيران" أي ليسا شيئين مختلفين، على أن من الأعراب صنفا هم مؤمنون حقيقةً ولهم فضلٌ معروفٌ، بل قد مدحهم الله تعالى في سورة التوبة بقوله:{ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الاخر ويتخذ ما يُنفق قُرباتٍ عند الله وصلوات الرسول ألآ إنها قُربةٌ لهم سيُدخلُهم في رحمته إن الله غفورٌ رحيم} فدلَّت الآية على أن بعض الأعراب يؤمنون بالله ويقرون بوحدانيته ويصدقون بالبعث بعد الموت ويبتغون بما يُنفقون مرضاةَ الله وطلبَ صلواتِ الرسول أي دعائه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة ويستغفر لهم وهذا الذي يرجونه هو قُربةٌ نافعةٌ لهم وقد أخبر الله تعالى أنه سيدخلهم في رحمته أي جنته وفي "تفسير الطبري" عن مجاهدٍ قال: "هم بنو مُقَرِّن من مُزينة" ومزينة قبيلة عربية مشهورة. فليُعلم هذا حتى لا يتسرَّع أحدٌ بالحكم على كل الأعراب بحكمٍ واحدٍ مستدلًا بآيةٍ وردت في بعضهم ولم يفقه معناها الحقيقي.

كل مؤمنٍ مسلم

هذا ولا يخفى أن اسم الإيمان والإسلام لا ينتفي عن الشخص إلا بالردة أي بمفارقة ملَّة المؤمنين وترك هدى الله، لا بمجرد اقتراف الذنوب وإن كثُرت جدًا مع استقرار أصل الإيمان في القلب، ولكن الإيمان يزيد وينقصُ بحسب العمل، فمن أدى الواجبات واجتنب المحرمات فهو مؤمن كامل الإيمان، ومن قصَّر بأن ترك بعض الواجبات أو أتى بعض المحرَّمات فهو مؤمنٌ ناقص الإيمان، وقال بعض أهل العلم: "الإيمان لا يزيد ولا ينقص والمؤمنون مستوون في الإيمان والتوحيد متفاضلون في الأعمال"، وهذا اختلافٌ لفظيٌ فقط، لأن القائلين بزيادة ونقصان الإيمان أرادوا ثمرة الإيمان من زيادة الإحسان وقلة العصيان وعكسه مع بقاء أصله في النفس، وأما القائلون بأنه لا يزيد ولا ينقص فمرادهم أصل الإيمان في النفس أي التصديق الجازم بلا تردد فإنه لا يُتصوَّر فيه الزيادة والنقصان ولا يتحقق الإيمان بدونه، وإنما التفاوت في ثمرته حيث يقع التفاضل بين أفراد المؤمنين بحسب أعمالهم، وكلا الرأيين لا حرج فيه. ولا ننسب المؤمنَ إلى الكفر مهما بلغت ذنوبه ما لم يستحل شيئا من ذلك عنادا للدين فقد روى البخاري عن أنسٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرَّةٍ من إيمان" ومعناه وقال "محمدٌ رسول الله"، وإنما اقتصر على الشهادة الأولى لأنه صار ملحوظًا في عُرف الشرع ذكر الشهادة الثانية فاكتفى بالأولى لوُضوح الدِلالة على الثانية، ويسمى هذا في البلاغة اكتفاء.

وقال الإمام أبو حنيفة في "الفقه الأكبر": "ولا نُكفِّر مسلمًا بذنبٍ من الذنوب التي هي دون الكفر ما لم يستحلَّها ولا نُزيل عنه اسم الإيمان ونسميه مؤمنًا حقيقةً" ومعنى ذلك أنه لا يجوز تكفير رجال الدولة المسلمون لأنهم يحكمون بالقانون الوضعي كما صرَّح بذلك سيد قطب في كتابه المسمى "في ظلال القرآن" حيث قال والعياذ بالله ما نصه: "قد ارتدت البشرية إلى عبادة العباد وإلى جور الأديان ونكصت عن لا إله إلا الله وإن ظل فريق يردد على المآذن لا إله إلا الله دون أن يدرك مدلولها" ثم قال في نفس الكتاب أيضا: " وأن الإسلام متوقف اليوم عن الوجود مجرد الوجود" وهذا زعم باطل.

قلت: من لم يفقه الإسلام والإيمان فليس له أن يحكم على المؤمنين برأيه السقيم.

والحمد لله أولًا وآخرا.