2020-04-14 17:00:08

عاقبة الغفلة / بقلم الشيخ أسامة السيد

عاقبة الغفلة / بقلم الشيخ أسامة السيد

عاقبة الغفلة / بقلم الشيخ أسامة السيد

عاقبة الغفلة

بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 14 نيسان 2020

 

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى: {واضرب لهم مثلًا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعنابٍ وحففناهما بنخلٍ وجعلنا بينهما زرعا} سورة الكهف.

لقد ضرب الله تعالى في القرآن الكريم العديد من الأمثال ليظهر للناس بعضَ الحكم في أحوالهم وأعمالهم وتصرفاتهم ليتنبَّه الغافل فيتيقَّظ ويتدارك نفسه قبل الخُسران المبين، ويتَّعظ العاقل فيزداد إقبالًا على ما ينفعه في دنياه وأخراه، فإن للأمثال وقعا عظيما في النفس عادةً وفيها تقريب لفهم المراد في قلوب العوام والعلماء، وقد ضرب ربنا عزَّ وجل في سورة الكهف مثلًا رجلين جرى عليهما ما فيه عبرةٌ لمن يعتبر بأحوال الدنيا وتقلُّبها بأهلها وأنها متاعٌ قليلٌ وظلٌ زائل فلا ينبغي أن ينخدع أحدٌ بها ولا أن يركن إليها، وقد ذكر قصة هذين الرجلين أهلُ التفسير في كُتبهم كأبي حيَّان في "البحر المحيط" والخازن في "لباب التأويل" والنسفي في "مدارك التنزيل" وغيرهم. ومُجمل القصة أن أخوين من بني إسرائيل مات أبوهما وترك مالًا كثيرًا وقيل كانا شريكين لهما ثمانية آلاف دينارٍ (الدينار عملةٌ قديمةٌ تُضرب من الذهب) فاقتسماها، وكان أحدهما مؤمنًا صالحًا يحب الخير ويُكثر من عمل الطاعات والآخر مشركًا عابدًا للأصنام شحيحًا فاسد الأخلاق، فأنفق كل واحدٍ منهما المال فيما يلائم طبعه، فأما المؤمن فأنفق ماله في وجوه البِرِّ راجيًا الأجر من رب العالمين، وكان إذا اشترى أخوه شيئًا من نحو أرضٍ أو متاعٍ تصدَّق هو بمثل ذلك في سبيل الله، فكان أخوه يطلب سعادة الدنيا وهو يطلب سعادة الآخرة حتى نفد ماله كله.

عاقبة الضلال

 واشتغل الكافر بالتجارة فربح أموالًا كثيرةً واتخذ القصور والبساتين وانغمس في ملذَّات الحياة حتى فاق أقرانه في الثراء، ثم حرم الفقيرَ والسائل وأغلق أذنيه عن سماع أصوات المحتاجين واتخذ لنفسه بساتين من أعناب محفوفتين على أطرافهما بنخلٍ وفي وسطهما زرعٌ فكانتا جامعتين للأقوات والفواكه مع المنظر الحسن والترتيب الأنيق. وأدركت الأخَ المؤمن الحاجةُ فرأى أن يقصد أخاه فيعمل عنده لتحصيل ما يحتاجه من نفقةٍ فجاءه ولم يصل إليه إلا بعد جهدٍ وما كان من أخيه المشرك إلا أن ردَّه ردًا قاسيًا واستخف به وافتخر عليه بكثرة المال والولد، ولم يكتف بذلك بل أنكر البعث وزعم أنه إن كان بعثٌ فسيكون له في الآخرة أحسن مما أوتي في الدنيا لأنه يزعم أن التوسعة في الرزق دليل محبة الله له، وهكذا الكافر يظن أن علامة الرضا والسَّخط بكثرة المال وقلَّته. قال تعالى في سورة الكهف:{ودخل جنته وهو ظالمٌ لنفسه قال مآ أظن أن تبيد هذه أبدا ومآ أظن الساعة قآئمةً ولئن رُددت إلى ربي لأجدنَّ خيرًا منها مُنقلبا}. فاغتم الأخ المؤمن لما رأى من سوء حال أخيه وأشفق عليه ونصحه وأنكر عليه شِركَه، قال تعالى: {قال له صاحبه وهو يُحاوره أكفرتَ بالذي خلقك من ترابٍ ثم من نطفةٍ ثم سوَّاك رجلا لكنَّا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا} سورة الكهف.

وحذَّره من عاقبة طغيانه والتمادي في الضلال مذكرًا إيَّاه أن الله الذي أعطاه هذا الرزق في الدنيا قادرٌ أن يُذهب عنه كل هذه النعم، ولم يزدد المشرك إلا غُرورًا، قال تعالى إخبارًا عن الأخ المؤمن: {فعسى ربي أن يؤتين خيرًا من جنَّتك ويُرسل عليها حُسبانًا من السمآء فتُصبح صعيدًا زلَقا أو يُصبح مآؤها غَورًا فلن تستطيع له طلبا} سورة الكهف. و"الحُسبان" العذاب والهلاك، و"زَلَقا" ملساء لا شىء فيها، و"الصعيد" الأرض التي ليس فيها نباتٌ ولا شجر، و"ماء غور" غار أي ذهب في الأرض.

ولكنَّ نُصحَ المؤمن لم يحرك في نفس أخيه الظلوم قلبًا غدا كالحجارة أو أشد قسوة، ثم حدث في أثناء الليل ما نبَّه عليه الأخ الطيب فأرسل الله مطرًا غزيرًا وعواصف شديدةً، وقيل: أرسل الله نارًا فأحرقت البستانين وأتلفت ثمرهما وذهبت خُضرتُهما وابتلعت الأرض الماء، وقام المتكبر في صباح اليوم التالي فذهب كعادته إلى البستانين فأبصر ما حلَّ بهما فجزع وراح يضرب بإحدى كفَّيه على الأخرى تحسُّرًا وأسفًا.

اعتبر واتَّعظ

 قال تعالى: {وأُحيط بثمره فأصبح يُقلِّبُ كفَّيه على مآ أنفق فيها وهي خاويةٌ على عُروشها ويقول يا ليتني لم أُشرك بربي أحدا} سورة الكهف. قال النسفي في "تفسيره": "وأحيط بثمره هو عبارةٌ عن إهلاكه". ثم قال: "تذكَّرَ موعظةَ أخيه فعلم أنه أُتي من جهة كفره وطغيانه (أي أصابه هذا البلاء بسبب كفره وضلاله) فتمنَّى لو لم يكن مشركًا حتى لا يُهلك الله بُستانه حين لم ينفعه التمنِّي، ويجوز أن يكون توبةً من الشرك وندمًا على ما كان منه ودخولًا في الإيمان" أي بشهادة أن لا إله إلا الله والشهادة بالرِّسالة للنبي المرسل إليهم.  

وكانت نهايةُ متاع الدنيا الذي آتاه الله إيَّاه ولم يُحسن شكر الله عليه التلفَ والزوال، وهكذا سيكون مصير الدنيا بأسرها آخر الأمر فهي كذلك البستان البهي يُعجب الرائين فيأتيه إعصارٌ فيمحقه فيصبح خرابًا تعاف النفوس المقام فيه.

وقد جاء في كتاب الله بعد ذكر مثل الأخوين: {واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماءٍ أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيمًا تذروه الرِّياح وكان الله على كل شىءٍ مقتدرا} سورة الكهف. أي كمطرٍ أنزله الله فاختلط بالماء نبات الأرض فأصبح بعد حينٍ هشيمًا أي يابسًا مُتفتتًا تذروه أي تُطيِّره الرياح وتُفرِّقه، قاله الطبري في "تفسيره"، وهكذا مثل الدنيا تُعجب بمنظرها المغرورين ثم تزول بهجتها فيندم الغافل حين لا ينفع الندم. فكم من أناس أمضوا أعمارهم في جمع حُطام الدنيا ونسوا الآخرة، ماتوا وذهب ما جمعوا لمن يكرهون، وكم من صالحين استعانوا بما أنعم الله به عليهم في دنياهم للفوز في أخراهم فتحقق فيهم قول الله تعالى: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون عُلُوًّا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين} سورة القَصَص.

ومعنى "علُوًّا" ظلمًا وقوله "والعاقبة" أي العاقبة المحمودة، والتقي هو من أدى الواجبات واجتنب المحرمات والحمد لله أولًا وآخرا.