2020-04-09 12:46:09

الـــشــــــــــــــراع : الإبـــحــــــار عـــكــــس الــــريـــــــاح طـــــوال 40 عـــامـــــا ! بقلم : محمد خليفة

الـــشــــــــــــــراع : الإبـــحــــــار عـــكــــس الــــريـــــــاح طـــــوال 40 عـــامـــــا ! بقلم : محمد خليفة

الـــشــــــــــــــراع : الإبـــحــــــار عـــكــــس الــــريـــــــاح طـــــوال 40 عـــامـــــا ! بقلم : محمد خليفة

"الـــشــــــــــــــراع" : الإبـــحــــــار عـــكــــس الــــريـــــــاح طـــــوال 40 عـــامـــــا !

بقلم : محمد خليفة

مجلة الشراع 9 نيسان 2020

 

مجلة الشراع تخوض اليوم تجربة صمود ومقاومة وعناد جديدة مزدوجة ومضاعفة ، تضاف الى تاريخها المهني الحافل ، وتجاربها المماثلة ، طوال 38 عاما .

في الأعوام الأخيرة ، أقفلت صحف بيروت ومجلاتها التاريخية الكبرى تحت ضغط الأزمات المالية التي سببت اغلاق مئات الصحف العريقة في العالم . توقفت صحف السفير ، الحياة ، المستقبل ، والنهار مهددة حاليا . وتوقفت مجلات دار الصياد . أما "الشراع" فصمدت ببسالة ، رغم أنها أضعف قدرة من تلك الصحف القوية المستندة ماليا الى دول غنية !

ومع جائحة الكورونا توقف ما بقي من صحف ومجلات ورقية ، ولو مؤقتا ، من لبنان الى تونس ، الجزائر ، المغرب ، ودول كثيرة . ففي لبنان منذ شهرين : لا محررون في مكاتبهم ، ولا مطابع تدور ، ولا قراء يسيرون في الشوارع ، ولا أكشاك تبيع الصحف , ولا مقاهي تستقبل المثقفين لقراءة صحفهم , أو الثرثرة في شؤون السياسة اليومية .

كل شيء مغلق ومعلق ومقفل ، والإفلاس الاقتصادي يزداد يوما بعد يوم في لبنان الذي كان يوما ما (سويسرا الشرق) ومركز جذب رؤوس المال من الدول العربية بمصارفه الحرة ، وعالمه السياسي الحيوي الحر ، وصحافته المزدهرة .

(الشراع) ، ورغم كل هذه الأزمات والكوارث الكبرى ، مجتمعة ومتفرقة ، قاومت وواصلت صمودها الاسطوري وصدورها ، ووصولها الى القارىء عبر الأنترنت ويوميا ، لا اسبوعيا !! ولذلك فهي تبحر عكس الزمن وعكس الرياح وتغالب القوى الكونية العاتية ، ما يجعلها تستحق الإكبار والتقدير والفخار . وتؤكد استحقاقها لوسام الشجاعة والصمود , وهو العنوان الذي يختزل برأيي تجربة مجلة الشراع وتاريخها خلال 38 سنة .

تاريخ (الشراع) هو تاريخ متواصل من الصمود السياسي , المهني ، والشخصي ، في وجه التحديات الكبرى , والأنواء التي عصفت بلبنان والوطن العربي ، والشرق الأوسط ، حتى غدت سجلا وأرشيفا يوثق كل ما مرَّ بالعرب من أحداث ، وحروب ، وتحولات فكرية وسياسية .

منذ أوائل عام 1981 ، كنت ضمن الحلقة المصغرة التي خططت على مدى عام كامل لإصدار الشراع ، والإبحار في فضاء الاعلام العربي والسياسي . مجلة اسبوعية عصرية رصينة ، تحمل لواء الدفاع عن القضايا العربية ، ومواجهة الاتجاهات الانعزالية , والموجات الشعوبية الهوجاء في المنطقة .

كان للعدد الأول الذي صدر في الأسبوع الاول من عام 1982 وقع القنبلة الكبيرة , وتلقينا تهديدات بنسف البناية على رؤوسنا وصمدنا ، على الرغم من جدية التهديدات التي وصلتنا من دول وأنظمة ذات أذرع طويلة . وحاولت أنظمة كثيرة شراء ذمتنا , ورفضنا العروض ، وصمدنا بكبرياء .

بعد خمسة شهور فقط بدأ الغزو الاسرائيلي للبنان ، وعشنا تجربة حصار بيروت الاسطورية والقصف الجوي والبحري والبري على مدى اربعة شهور ، وواظبنا على الصدور رغم انقطاع الكهرباء وتعطل المطابع !

في عام 1986 حاول عملاء  قتل ناشر ورئيس تحرير الشراع الزميل حسن صبرا ولكن يد الله كانت فوق ايديهم فأنجاه من الموت بمعجزة الهية . ذلك لأن (الشراع) كشفت فضيحة ايران - غيت وتهريب السلاح   بطلب من الادارة الاميركية لإطالة حرب الخليج الأولى. وعندما اضطرت ادارة ريغان لوقف تزويد ايران بالسلاح توقفت الحرب بين بلد عربي كبير وبلد اسلامي قريب كما نجت سورية من عدوان اميركي كان يخطط له ريغان بعد كشف محاولة الاستخبارات السورية نسف طائرة مدنية اسرائيلية في مطار هيثرو في لندن ! وصمدت الشراع .

ويسجل للزميل صبرا أنه أدار المجلة في بيروت من منفاه القسري في القاهرة عبر الهاتف والفاكس والأنترنت رافضا ايقافها , ومتعاليا على كاتم الصوت والتهديد والاخطار .

ورغم سطوة الاستخبارات السورية في لبنان حتى انسحابها منه عام 2005 كانت الشراع أول مجلة في بيروت ترفع راية التحدي ، وتهاجم النظام الأسدي ، وتطالبه باحترام استقلال لبنان وارادته .

ومع اشتعال ثورات الربيع العربي انحازت الشراع فورا ومن دون  تردد الى تيار الثورة في المنطقة ، وخصوصاً  الثورة السورية, ووقفت بشجاعة وقوة مع الشعب السوري , بل إن الزميل حسن صبرا عاد في ذروة هذه الثورة من منفاه في مصر الى قلعته الصغيرة في بيروت، وواصل الاصدار ، وبنفس الزخم والتحدي.  بل إنه اصدر كتبه واحدا بعد آخر ضد نظام العصابة في دمشق، حتى أصبح واصبحت مجلته منبر الثورة السورية وصوتها المجلجل في قلب بيروت.

ويشرفني أنني كنت مع الشراع في هذه الرحلة الطويلة منذ أن كانت جنينا عام 1981 حتى اليوم ، وما زلت أكتب فيها بملء حريتي ، وبدون أي وصاية أو رقابة دفاعا عن الشعب السوري البطل وثورته , ودفاعا عن كل قضايانا العربية العادلة ، وضد الموجات  الانعزالية والصهيونية والامبريالية الروسية والاميركية .

"الشراع" التي تحدت كل القوى المعادية للعروبة طوال 40 سنة , تتحدى اليوم كورونا الذي قهر الدول العظمى ، وتستمر في الصدور يوميا ، وتصل الى قارئها المعتزل في منزله لتنقل له أخبار الدنيا من الكورونا الى الصراعات الإقليمية والدولية بمهنية عالية .

"الشراع" ملحمة ابحار عكس الرياح ، وعكس الأمواج ، وعكس الزمن الرديء ، وعكس الدول والأنظمة ، وعكس التوقعات والحسابات البليدة , وضد المراهنات العابرة والخاسرة .

هكذا كانت .. وهكذا استمرت .. وهكذا ستبقى . فما اصعب أن تكون كاتبا فيها ؟!