2020-04-06 14:02:41

بعد اكتســـــاح كورونا العالم العذاب بين العقاب والبلاء / بقلم السيد صادق الموسوي

بعد اكتســـــاح كورونا العالم العذاب بين العقاب والبلاء / بقلم السيد صادق الموسوي

بعد اكتســـــاح كورونا العالم العذاب بين العقاب والبلاء / بقلم السيد صادق الموسوي

بعد اكتســـــاح كورونا العالم

العذاب بين العقاب والبلاء

بقلم السيد صادق الموسوي

مجلة الشراع 7 نيسان 2020

 

العذاب في اللغة يعني كل شيء شقّ على النفس احتماله، لكن في المتعارف عليه وبالمصطلح القرآني هو ما ينزله الله سبحانه جراء معصية العباد له وارتكاب الفواحش من عامة الناس والظلم والجور والإستكبار من قبل الحكام والأمراء والولاة على الخصوص، بل إن تسلط الذين لا يأتمرون بأوامر الله في العدل بين العباد والإحسان إلى الضعفاء وبسط القسط في الناس يتسبب في تعجيل نزول العذاب أكثر من معاصي عامة الناس، فقد جاء في رواية عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: " إن الله لا يستحي أن يعذّب أمة دانت بإمام ليس من الله وإن كانت في أعمالها برة تقية، وإن الله ليستحيي أن يعذّب أمة دانت بإمام من الله وإن كانت في أعمالها ظالمة مسيئة "، ثم قال عليه السلام بكل صراحة: " لا دين لمن دان بولاية إمام جائر ليس من الله، ولا عتب على من دان بولاية إمام عادل من الله "؛ كل هذا تصريح بأن جور الحكام هو السبب الأول لغضب الله على العباد والداعي الأسرع لنزول عذاب الله على الأمة، وإعلان بأن القبول بولاية السلطان الجائر هو المصداق الأجلى للخروج عن دين الله وارتكاب الذنب الذي يؤدي إلى غضب ذي العرش والتعجيل في إنزال النقم على العباد كما جاء في فقرة من دعاء كميل المشهور: " اللهم اغفر لي الذنوب التي تُنزل النقم ".

وتجب الإشارة إلى أن القبول بشيوع المنكر بين الناس والرضا باستشراء الفساد في المجتمع والسكوت على ظلم الحاكمين واستكبار الجائرين يحبس الدعاء عن الوصول إلى السماء، فلا تنفع عندئذٍ التضرعات من المؤمنين ولا انهمار الدموع من عيون الخاشعين، وذلك لأنهم تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويؤكد هذا الأمر رسول الله صلى الله عليه وآله حيث يقول: " يا أيُّها الناس: إن الله يقول لكم: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا أجيب لكم وتسألوني فلا أعطيكم وتستنصروني فلا أنصركم "، ولأهمية مقارعة الباطل والنهي عن المنكر يضمّن أمير المؤمنين عليه السلام الأمر وصيته في لحظاته الأخيره لولديه الحسن والحسين عليهما السلام ولعموم أولاده حيث يقول: " لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولّى عليكم شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم "، وجاء أيضاً في فقرة من الدعاء الذي أملاه عليه السلام على كميل بن زياد: " اللهم اغفر لي الذنوب التي تحبس الدعاء ".

ولا يقولن أحد أن شمول العذاب الذي تواجهه البشرية اليوم يصيب الدول التي يسود فيها العدل بين الناس ولا يجور فيها الحكام ويُعطى فيها لكل ذي حق حقه، لأن الله سبحانه لا ينظر بمقياس تقسيمات حدود الدول التي رُسمت في عصرنا الحاضر والذي هو من صنع أيدينا، كأن يستثني من العذاب مثلاً سويسرا إذا استحقته فرنسا في حال أن بيوتاً يقع نصفها في هذه الدولة والنصف الثاني في الأخرى، ثم إن العدل ليس فقط في تأمين رغد العيش للمواطنين وتأمين احتياجات السكان بل يشمل أيضاً رفض التواطؤ على ظلم الآخرين؛ فإذا كانت حاجات الناس مؤمّنة في ظل حكم والحاكم يوافق على الظلم خارج حدوده أو يساند كياناً جائراً بحق شعبه فإن عذاب الله يشمل من هم تحت سلطة هذا الحاكم لا محالة، كأن تؤمّن دولة الصين الغذاء والرفاهية لعامة شعبه وينمو اقتصاده حتى يتفوق على الدول الأخرى لكنها تمارس البطش الشديد بحق الأقلية المسلمة المظلومة من " الإيغور " وغيرها، ولا تعبأ بالآخرين من عبّاد الأصنام والمسيحيين، أو أن المواطن في غالب الدول الغربية ينعم بالرفاهية وينال مبتغاه في الحياة الدنيا في حين يساند الحكام في تلك الدول الإحتلال الصهيوني البغيض لفلسطين ويسكتون على ما تمارسه " إسرائيل " من جرائم وحشية كل يوم بحق الأطفال الأبرياء في الأراضي المحتلة ويتجاهلون انتهاك العصابات للقدس الشريف واقتحام باحات المسجد الأقصى، بل يتواطؤون مع المجرمين ويعطون الشرعية لاغتصاب الأرض من أصحابها الحقيقيين، أو أن دولاً إسلامية تغدق على مواطنيها الأموال وتقضي كافة حاجاتهم المعيشية لكن الحاكم فيها يسكت على الظلم والعسف الذي يواجهه إخوانه مسلمو " روهينجيا "، أو يتوانى في الوقوف إلى جانب المسلمين المظلومين في " ميانمار " الذين يُحرقون وهم أحياء وذلك أمام أعين العالمين، أو أنه يوجّه نظامًٌ طائراته الحربية كل حين على بلد مسلم في الجوار لتصبّ قنابلها الفتاكة على رؤس الآمنين من إخوانه في الدين.

إن تجزئة العدل غير مقبولة عند الله سبحانه، فإما أن يعمّ منطق القسط في جميع نواحي حياة الإنسان في كل حين وأوان، أو أن الإمام يُعدّ جائراً عند الله ويستحق العذاب، والراضون بذلك الحكم يشملهم نقمة الله إذا نزلت في الدنيا ويطالهما معاً عذاب الله أيضاً يوم المعاد، أنظروا إلى رؤية أمير المؤمنين علي عليه السلام إلى موقع العدل في الإسلام وأهمية إقامة القسط بين العباد حيث يقول" والله لئن أبيتَ على حسك السعدان مُسَهَّداً، أو أُجَرَّ في الأغلال مُصفَّداً، أحبُّ إليَّ من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالماً لبعض العباد، وغاصباً لشيء من الحطام، وكيف أظلمُ أحداً لنفس يُسرع إلى البِلى قفولُها، ويطول في الثرى حلولُها  " بل إنه عليه السلام يوسع دائرة اهتمامه لتشمل الحيوانات أيضاً حيث يقول: والله لو أُعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت "، وهو عليه السلام يؤكد لمالك الأشتر واليه على مصر في العهد الذي كتبه له على التزام العدل بين الرعية ويبين له عواقب ظلم العباد بالقول: " … وأنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك ومن لك فيه هوى من رعيتك، فإنك إن لا تفعل تظلم، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده، ومن خاصمه الله أدحض حجته وكان لله حرباً حتى ينزع ويتوب "، ثم يبين الإمام للعالم أجمع سبب تعجيل نقمة الله في كل عصر ونزول عذابه على أية أمة بالقول: " وليس شئ أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم، فإن الله سميع دعوة المضطهدين وهو للظالمين بالمرصاد ".

من هنا يمكن النظر إلى سبب نزول هذا العذاب المستجد الذي قهر صنوف البشرية وساوى في إصابته كل الطبقات وتجاوز في حركته كافة الحواجز واقتحم في تفشّيه الأسوار المنيعة، وأصاب أصحّ الناس جسماً وأغناهم ثراءً وأكثرهم قوة وأشدّهم احتراساً، ولم يتوقف في قارة ولم يمنعه إجراء احتراز، ولم يجد له الأطباء الحاذقون دواءً ولم يكتشف أحدث المختبرات له علاجاً، بل إنه أطاح في غضون أيام بأقوى إقتصادات العالم وشلّ حركة التواصل بين البشر جوّاً وبرّاً وبحراً، وفرض على الشعوب الإنزواء عن بعضها والعائلات عن أعضائها والأحباء عن أفرادها، وأجبرهم على الاحتباس في البيوت والحجر في المنازل والحذر من لمس أي شيء والامتناع حتى عن التصافح بين الأصدقاء والأحبة ولم يجرؤ ترامب أمريكا ولا بوتين روسيا ولا جين بينغ الصين مع ما يملكون من ترسانات نووية وقدرات علمية على الوقوف في وجهه، بل صار هم كلٍّ منهم أن يدفعه عن نفسه و " يخلّص بريشه ".

وبالنظرة من جانب آخر يمكن أن نرى العذاب الذي حلّ بالعالمين في عصرنا والذي لم يسبق في شموله كل الأقطار أي زمان، بلاءً يُؤدي إلى صدمة للبشرية جمعاء والتي غرّها ما يحيطها من وسائل الرفاه وتقدم التكنولوجيا والغنى الفاحش لتعلم أن غرورها يتكسر أمام مخلوق لا تراه الأعين ولا تكشفه إلاّ وسائل التكبير المتطورة ولا تسيطر عليه كل التقنيات المتقدمة ولا تحد من حركته مختلف وسائل الإحتراز الحديثة، لعل الحجب الكثيفة تزول عن فطرة الله التي فطر الإنسان عليها، وتُنفض طبقات الغبار المتكدس على النفوس الغافلة عن حقائق الحياة، وتصحو الضمائر بعد طول سباتها، ويعود الصفاء إلى القلوب بعد تضاغنها، وتسود المودة بين عموم بني آدم بعد فقدها؛ ويبين من جهة أخرى للعالمين ضعف المستكبرين جهاراً، ويرى الناس بناظريهم اضطراب المتكبرين خوفاً وانتفاء دور أحدث الطائرات والأساطيل وأقوى الجيوش تسلحاً، بل صارت حاملات الطائرات الضخمة التي تجوب المحيطات لإخافة الشعوب وتهديد الدول تستغيث هي بقيادتها وتطلب النجدة لنجاة لطاقمها بسبب تفشي الفيروس بين أكثر أفرادها، وعند ذاك يُدرك جميع البشر بمختلف توجهاتهم الفكرية أن لا مناص من الإلتجاء إلاّ إلى من بيده الخلق والأمر ومن لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء والذي إذا أراد شيئاً قال له كن فيكون.

ثم إن البشرية بطرت في عيشتها وأسرفت في متطلبات حياتها، ولم يعُد للقناعة مكان في المجتمعات، وصار البذخ المنهج الغالب، ولم يعُد يهتم أحد بالمال أمن حلال يأتيه أم من حرام، ولا يعتني أحد بحال أخيه في الدين والإنسانية، ولا ينفق الغني على الفقير، ولا يسعى أحد في قضاء حاجة أحد، وكانت النتيجة كفر بأنعم الله على الإنسان فحق عليها قول الله تعالى قي القرآن الكريم: ( وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون )، وهذا حال الشعوب اليوم التي اطمأنت لمعيشتها، وضمنت وسائل رفاهيتها، وعمّ الأمن ربوعها، وغرقت في مجونها وفحشائها وتخلت عن قيمها وأخلاقها، فلم تعرف منشأ النعمة ولم تلحظ مصدر السعة ونسيت رزاق العباد، وغرّها حال الرخاء في العيش والأمن في البلاد وظنتهما دائمين، واعتقدتهما ثابتين، لكن الله تعالى خيّب ظنّ الغافلين وسلب نعمة الرفاهية من المسرفين، وسيطر الخوف والرعب على الآمنين، وخيّم الهلع على المطمئنين وذلك ( بما كانوا يصنعون ) بصريح قول رب العالمين.

لقد بدأت هذه الأيام رحلة الألف ميل في أرجاء الأقطار للعودة إلى الإذعان بالعبودية، والقبول بعجز البشرية، والتصريح بحيرة أدعياء العلم والخبرة، والتسليم بوجوب التوجه نحو رب العالمين، والسجود على الأرض له خاشعين، ورفع الأيدي إليه داعين متضرعين، بعد أن فشلت كافة جهود العاملين في أطراف العالمين من أجل وقف تفشي هذا الوباء الخبيث، أو الحد من عدد ضحاياه كل يوم بالألوف، وعلى الأقل معرفة فترة اكتساحه ومدة انتشاره، بل تتوالى الأخبار عن رفع القناع عن وجوه الدول التي كانت تدعي التحضر، حيث عمدت اللجوء إلى قرصنة المعدات من بعضها، ومصادرة وسائل مكافحة الفيروس التي دفع ثمنها دولة حليفة لها، والسطو حتى على كمّامات موضّبة لحساب بلد صديق لها وسرقتها، وأيضاً سارعت إلى إغلاق الحدود بين الدول المتحدة بعد عقود من إزالتها، بل وانغلاق الولايات في الدولة الواحدة على نفسها، ورفض المدن في الولاية الواحدة استقبال المصابين بالوباء من غيرها، وقد بلغ الأمر إلى أن مدّت الولايات المتحدة الأمريكية المستكبرة يدها لخصميها اللدودين روسيا والصين تستجدي مساعدتهما، وبادر الرئيس المتعجرف دونالد ترامب إلى الإتصال برئيس وزراء كوريا الجنوبية لترسل إليه على وجه السرعة كمامات لاستعمال الطاقم الصحي لها، وبان للعيان هشاشة النظام الصحي في الدولة العظمى التي كان يُنظر إليها أنها الرائدة وتريد بعلومها السيادة على العالمين وترهن قرارات الدول بمشيئتها في كافة المجالات والشؤون، وتمّت الحجة الآن على المتشدقين بالحضارة الغربية التي انكشفت وحشيتها، والنموذج الأمريكي الذي انفضح أمر استهانتها بالأرواح البشرية، ولا يجوز بعد اليوم لأحد غض الطرف عن الحقائق التي ظهرت للعيون جلية بعد انتشار فيروس كورونا، والتغافل عن جلاء ما كان من قبل على عامة الناس مستوراً، والتوبة عن السكوت على المستكبرين، والعودة إلى الفطرة الإنسانية التي طالما نبذها الظالمون، وإعادة الحياة للقيم الأخلاقية التي أماتها الجبارون، ولعل هذه التوبة إن كانت نصوحاً تؤدي إلى إطفاء غضب الله على الخلق فيوقف العذاب عن الأمم ويرفع البلاء عن العباد، لأن الله سبحانه قال في كتابه: ( فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم ). صدق الله العلي العظيم.

السيد صادق الموسوي