2018-07-13 15:50:47

قمة هلسنكي بين بوتين وترامب:سورية ((يوغوسلافيا)) جديدة والشرق الأوسط ((بلقان)) جديد! بقلم محمد خليفة

قمة هلسنكي بين بوتين وترامب:سورية ((يوغوسلافيا)) جديدة  والشرق الأوسط ((بلقان)) جديد! بقلم محمد خليفة

قمة هلسنكي بين بوتين وترامب:سورية ((يوغوسلافيا)) جديدة والشرق الأوسط ((بلقان)) جديد! بقلم محمد خليفة

قمة هلسنكي بين بوتين وترامب:سورية ((يوغوسلافيا)) جديدة  والشرق الأوسط ((بلقان)) جديد! بقلم محمد خليفة

 

*الأولوية للأزمة السورية، ثم الاوكرانية، قضايا التسلح

*الاميركيون والروس والاسرائيليون متفقون على ضمان أمن اسرائيل

*توقعات بأن تفرض موسكو أجندتها السورية على واشنطن

*روسيا ضمنت مصالحها وفرضت بقاء الاسد وبقاء الايرانيين

*مجازر درعا دليل مبكر على التفاهم المرتقب

*الدول الغربية والاطلسية قلقة من تنازلات ترامب للروس

 

بقلم : محمد خليفة


 

تتوجه أنظار العالم كله الى العاصمة الفنلندية هلسنكي حيث تنعقد يوم الاثنين القادم 16تموز/  يوليو القمة الأميركية - الروسية بين الرئيسين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين، وهي الأولى بين الدولتين منذ عقدين ونيف. مما يطرح أسئلة عديدة عن أسباب عودة رئيسي الدولتين الكبريين الى هذه المدينة التي سبق أن عقد فيها رؤساء سابقون من روسيا وأميركا لقاءات في هذا الوقت بالذات..؟

هلسنكي مدينة هادئة ونائية وآمنة لا تشهد حوادث أمنية، ولا أثر للجماعات الإرعابية، وفيها نظام سياسي يكاد يكون مثالياً في عالمنا المضطرب الذي تهزه الصراعات ومظاهر الفساد. وقد ارتبط اسم هلسنكي بنوع محدد ومميز من القمم الدولية، هو القمم الأعلى على المستوى العالمي والدولي بين زعماء وقادة دول المعسكرين الغربي والشرقي خلال حقبة الحرب الباردة، لبحث قضايا الأمن والسلام والحد من التسلح حصراً. وذلك لأن الاقدار الجغرافية وضعت فنلندا على خط التماس بينهما، فاختارت لأسباب وظروف كثيرة الوقوف على الحياد، وحافظت على علاقات حسن الجوار مع الجار الروسي الكبير، لكي تأمن على أمنها واستقلالها بعد أن عانت الاحتلال الروسي لأراضيها طوال القرن التاسع عشر تقريباً .

- لقد استضافت هلسنكي أول قمة بين الرئيسين الاميركي جيرالد فورد والزعيم السوفياتي ليونيد بريجنيف عام 1975 بحضور زعماء 35 دولة أوروبية شرقية وغربية. حيث أسفرت عن توقيع إحدى أهم المعاهدات بين الغرب والشرق، هي ((معاهدة الأمن والسلام)) في اوروبا التي طوت الى الأبد صراعات الحدود وحقوق الاقليات بين الدول الاوروبية وأسست بداية ما سمي ((مرحلة الانفراج))

- ثم استضافت قمة الرئيسين جورج بوش وميخائيل غورباتشيف الرئيس الاصلاحي عام1990 . حيث أسفرت عن الاتفاق على نهاية الحرب الباردة والانتقال الى تعاون الدولتين العظميين لاحلال السلام في العالم، والتمهيد لوضع مجموعة اتفاقيات تستهدف للحد من سباق التسلح بينهما، وما عرف باتفاقية ((ستارت)).

- ثم استضافت قمة الرئيسين بيل كلينتون وبوريس يلتسين عام 1997 التي استهدفت بحث أسس التعاون بين الاتحاد الروسي وحلف شمال الاطلسي. وحصل الجانب الاميركي على موافقة القيادة الروسية على توسيع الحلف وضم بولونيا وتشيكيا ودول أخرى.

تنعقد القمم الاميركية - الروسية في هلسنكي إذاً دائماً على رأس مراحل تاريخية فاصلة، وتكون مخصصة لبحث قضايا كبرى على المستوى الدولي وملفات تتعلق بشؤون السلام والأمن في العالم تحديداً، وغالباً ما أنجزت تفاهمات ومعاهدات تاريخية وعالمية، تتعدى العلاقات والمسائل الثنائية .

فهل القمة المرتقبة بين ترامب وبوتين هي بهذا المستوى العالمي والتاريخي ..؟

وما هي أهم ملفاتها..؟

وما هي أهم التوقعات بشأنها..؟


 

القمة.. لماذا؟:

 

بحسب المعلومات التي نشرتها الصحافة الاميركية، جاء طلب القمة من الرئيس ترامب في اتصال هاتفي مع بوتين يوم 21آذار/ مارس الماضي بمناسبة فوزه في الانتخابات الرئاسية لولاية جديدة. ولكن الجميع في واشنطن يعلم أن الرئيس كان ينتظر ((الفرصة)) لعقد لقاء قمة مع نظيره الروسي بسبب إعجابه به، ولكن غالبية أعضاء الادارة، وممثلي أجهزة الدولة ظلت تعبر عن عدم ارتياح لأي قمة مع بوتين في ظل تزايد الخلافات والشكوك بنوايا الروس في هذه المرحلة، وكانت تطلب التريث والاعداد الجيد لها. ويعد وزيرا الخارجية بومبيو والدفاع ماتيس من أبرز هؤلاء، ويؤيدهما بقوة مستشار الامن القومي جون بولتون.

ورأت صحيفة ((نيويورك تايمز)) أن مصدر الخلاف الرئيسي يتمثل في أن ترامب لا يرى بوتين عدواً للولايات المتحدة، بل ينظر اليه كصديق جدير بالاعجاب والثقة. ويعد هذا الخلاف استمرارا للنزاع حول اتهام الدوائر الاميركية الأمنية والسياسية لروسيا بالتدخل في الانتخابات الرئاسية الاميركية عام 2016  لصالح ترامب نفسه، والتي ما زالت التحقيقات فيها جارية حتى اليوم، وتتجه لإدانة روسيا بالتدخل، دون قدرة على إثبات أن التدخل كان لصالح الرئيس ترامب، وبموجب تواطؤ مسبق معه. وازدادت الشكوك بسبب التصريحات الودية المتتالية للرئيس ترامب بشخصية بوتين وسياساته على المستوى الدولي التي أثارت اعتراضات الحلفاء الغربيين ومخاوفهم من مخططاته التوسعية.

وكان الرئيس ترامب خلال عام ونصف العام  من ولايته قد التقى نظيره الروسي مرتين على هامش قمة مجموعة العشرين في المانيا العام الفائت 2017 ، ثم التقاه في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي على هامش منتدى آسيا والمحيط الهادي ((أبيك)) وتبادل الاثنان الاتصالات طوال الثمانية عشر شهراً، ولم يخف ترامب في مناسبات عديدة رغبته في لقاء بوتين، كما لم يتردد في منحه حكماً متعجلاً بالبراءة  من التدخل في الانتخابات الاميركية رغم الادلة عليها، فضلاً عن إشادته أحياناً بسياسة بوتين في سورية! مما أوحى بوجود اتجاهين داخل الادارة الحالية من روسيا وبوتين .

ولم تقتصر الخلافات من بوتين على ترامب وأعضاء فريقه بل امتدت الى أهم الحلفاء الأوروبيين والاطلسيين فقد حذرت دول عديدة ومراراً من نوايا بوتين تجاه أوروبا نفسها، ولا سيما بعد أن ظهرت مؤشرات على تدخل منظم في الانتخابات في فرنسا، وبريطانيا مما خلق اتجاهاً غالباً في الأوساط الأوروبية يرى في بوتين عدواً للاتحاد الاوروبي وخطراً على الديموقراطية. وازدادت هذه الخلافات أيضاً مع تكرار المؤشرات على انتهاج ترامب لسياسات بعيدة عن مبادى حلف شمال الأطلسي، وتوحي بأنه غير حريص كفاية عليه، واتخاذه مواقف تثير النزاعات وتهدد الوحدة بين أعضائه، وهي بالإجمال مسائل تفيد الروس ولا تفيد الحلف وعلاقات الشراكة الأوروبية - الاميركية .

لكل ذلك عبرت أوساط المعارضة الأميركية الديمقراطية عن عدم ارتياحها لسياسة ترامب تجاه روسيا، ورأت في طلب القمة من جانب ترامب بمثابة ((هدية)) مجانية الى بوتين، ومكافأة له على الرغم من جرائمه المستمرة في سورية وضد خصومه داخل روسيا، وانتهاكاته لحقوق الانسان التي برزت في سياسة بوتين في داخل روسيا وخارجها بما في ذلك اتهام لندن له بتصفية منشق روسي في بريطانيا باستخدام أحد أخطر الأسلحة الكيماوية المحرمة، وتكرار الجريمة في غضون شهور قليلة. وتتخوف الأوساط الاميركية المذكورة من اقدام ترامب على تبني قرارات بدون الرجوع أو التفاهم المسبق مع المؤسسات الحكومية، كما فعل العام الماضي في القمة الأولى غير الرسمية مع بوتين في المانيا. ولكن الرئيس ترامب حاول تهدئة خصومه ومعارضيه بإرسال مستشاره للأمن القومي جون بولتون الشهر الماضي حزيران/  يونيو الى موسكو للإعداد الجيد للقمة. وبولتون معروف بعدائه الثابت للروس، ولا يمكن اتهامه بمحاباة ترامب أو بوتين.

ويعتقد مراقبون ومحللون أن ترامب يريد استثمار((القمة )) وبعض نتائجها الايجابية لتعزيز رصيده الشخصي على صعيد السياسة الخارجية في الانتخابات الرئاسية القادمة بعد سنتين للفوز برئاسة ثانية، وتعزيز رصيد حزبه الجمهوري في الانتخابات النصفية المقبلة للكونغرس في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل.

أما الرئيس بوتين فهو متلهف للقمة لأسباب كثيرة، فهو يعتبر وجود الرئيس ترامب الايجابي تجاهه((فرصة)) ثمينة ولا تتكرر له لانتزاع الكثير من المكاسب الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية:

- الحصول على مباركة أميركية لجرائمه وانجازاته الدموية في سورية، وأهمها انتزاع اعادة الشرعية لحليفه الديكتاتور بشار الاسد، وعدم ملاحقته.

- الدفاع عن حق حليفه الايراني بالبقاء في سورية بما في ذلك العسكري .

- محاولة الحصول على الاعتراف الاميركي بتبعية شبه جزيرة القرم التي انتزعها بوتين من أوكرانيا لروسيا.

- محاولة اقناع الرئيس ترامب برفع العقوبات الاقتصادية والسياسية التي فرضتها أميركا على روسيا بعد غزو اوكرانيا.

- محاولة الحصول على دعم ترامب لعودة روسيا الى مجموعة الدول السبع العملاقة.

- محاولة اقناع الأميركيين بعودة العمل باتفاقيات خفض التسلح التي علقت واشنطن التزامها بها في السنين الأخيرة رداً على خرقها من روسيا.

- محاولة تجنيب روسيا العقوبات التي فرضتها ادارة ترامب مؤخراً على الواردات من روسيا في إطار حرب ترامب التجارية التي بدأ تطبيقها مؤخراً.

ولكن ما هو برنامج القمة ؟..

وما هي أهم الملفات التي ستتناولها محادثات الرئيسين والوفدين ..؟


 

موقع القضية السورية :

 

حسب بيان أصدرته الرئاسة الفنلندية فإن برنامج ((القمة )) محدود، ولن يكون طويلاً. بل سيقتصر على:

أولاً - اجتماع بين الرئيسين فقط.

ثانياً- اجتماع على مستوى الوفدين لبحث الملفات المتفق على بحثها.

ثالثاً- استراحة وغداء عمل.

رابعاً- مناقشة الأوضاع الدولية للاتفاق على معالجة بعض الأزمات والمسائل الملحة، بما فيها نزع السلاح والرقابة على التسلح.

خامساً- لقاء مجاملة مع رئيس الدولة المضيفة: فنلندا.

وذكرت الصحف الفنلندية أن الرئيس الفنلندي سيعرض على الضيفين رؤية دول البلطيق للأوضاع القائمة في المنطقة ومخاوف دولها من الاخطار البيئية والسياسية التي تتهددها. كما سيعرض مسيرة الجهود الدولية المشتركة لمعالجة مشكلة الانبعاث الضار لغاز الكربون الاسود على القطب الشمالي وآثاره البيئية على العالم كله، وسيحثهما على بذل مزيد من الجهود في هذا المجال لحماية البيئة، وخصوصاً القطب والبحار. وقالت صحيفة ايلتا سانومات الفنلندية إن الرئيس الفنلندي سيحث الضيفين على مواصلة الحوار بينهما، وتحقيق أي انجازات ممكنة مهما كانت صغيرة لأنها تساعد على تحقيق الأمن الاستقرار في العالم.

والجدير بالذكر أن موعد القمة جاء مدروسا من الجانبين بحسب مراقبين، فهي ستكون بعد يومين فقط من اختتام مونديال روسيا 2018 الذي استغله بوتين دعائياً لصالح بلاده وصالحه شخصياًَ، وستكون القمة فرصة أخرى لجذب الاضواء له، بعد الادانات المكثفة له على سلوكياته في داخل بلاده وخارجها.

أما من الجانب المقابل فالرئيس ترامب سيعزز نجاحاته الدولية بعد أسابيع قليلة من القمة التي جمعته مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ، وهي دليل على كفاءته في حل أعقد المشاكل الدولية.

والجدير بالذكر أن ترامب سيصل الى هلسنكي قادماً من لندن بعد زيارة رسمية لببريطانيا واجراء محادثات مع رئيسة الوزراء تيريزا ماي التي تخوض مواجهة سياسية وامنية قوية مع روسيا، ولا بد أنها ستسدي النصح للرئيس للحذر من الروس، وتطالبه بدعم موقفها تجاه التدخلات الروسية في شؤونها الداخلية.

كما أن ترامب سيحضر يومي 11 - 12 تموز/ يوليو، أي قبل القمة مع بوتين بأربعة أيام قمة أهم مع قادة حلف الناتو في بروكسيل، وستكون مناسبة مهمة جدا ًلمراجعة كل الملفات الامنية الدولية، والعلاقات مع روسيا قبل أن يجلس ترامب مع بوتين. ولكن مصادر الحلف تبدي قلقاً من مواقف الرئيس تجاه مستقبل الحلف نفسه من ناحية، وتجاه مواقفه وتقديراته غير الصائبة للأخطار التي تمثلها روسيا وسياسة الرئيس بوتين على مستقبل العلاقات الدولية والامن في العالم.

أما أهم الملفات التي ستتناولها المحادثات الرسمية بين الجانبين فهي:

أولاً - الأزمات الدولية، وعلى رأسها: الأزمة السورية، والأزمة الأوكرانية، وما يتفرع عنهما، وخصوصاً مستقبل وحجم الوجود الايراني في سورية من زاوية انعكاساته على الامن الاسرائيلي. والتدخل الروسي في الانتخابات الأميركية. وأخيراً القضاء على ((داعش))، ومحاربة الارعاب .

ثانياً- قضايا التسلح والرقابة على السلاح ومراجعة الاتفاقيات الثنائية القديمة، وإمكانيات تفعيلها .

ثالثاً - العلاقات الثنائية، الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية لتخفيف التوترات المتزايدة، وتحسين علاقات البلدين، وتطوير العلاقات الاقتصادية، ورفع العقوبات الاميركية على روسيا أو تخفيفها.

وبالنسبة لملفات القمة فإن المعلومات المتداولة وكذلك المؤشرات الواقعية تؤكد بأن الأولوية ستكون للأزمة السورية ومتفرعاتها. كما تؤكد أن التقارب بين الجانبين يزداد والخلافات تتقلص نتيجة نجاح الروس في فرض اجندتهم السورية، ونتيجة رخاوة وتردد الأطراف الغربية وعلى رأسها أميركا من المحنة السورية. وتظهر المواقف على المقلبين من التطورات الأخيرة في الجنوب السوري، رجحان كفة الجانب الروسي لصالح المقاربة الروسية. فقد سمحت ادارة ترامب للروس بخرق اتفاق خفض التصعيد الذي وقع عليه ترامب قبل سنة، وطلبت من المعارضة السورية التي كانت تدعمها الامتثال لارادة الروس والاسد، ولم تبذل أي جهد لحمايتها أو تسليحها، بل وتعاملت مع الكارثة الانسانية باستخفاف واضح. وقالت مصادر عديدة إن الروس حصلوا على تفويض اميركي لحسم الوضع في الجنوب بإعادة المنطقة لسيطرة قوات النظام قبل القمة، وهو ما يحدث على الارض وبسرعة لافتة للانتباه. وأعرب ترامب نفسه عن ثقته بقدرة بوتين على معالجة المسألة بكفاءة!

وترى دوائر المعارضة السورية أن اتصالاتها مع واشنطن انتهت الى نتائج مخيبة جداً، وتتخوف من تفاهم استراتيجي بين الدولتين الكبريين على حساب الشعب السوري وحقوقه ومصالحه في القمة. ويقول محللون إن التباين والاختلاف المحدود في مواقفهما طوال السنوات السبع الفائتة بدأ يتلاشى ويحل محله تقارب قد يصل الى تطابق في القمة على أساس العناصر التالية:

1-                        بقاء الاسد على رأس السلطة، وعدم ملاحقته قضائياً وسياسياً، وإعادة التعامل معه ومع نظامه.

2-                       الاعتراف بمصالح روسيا الثابتة والدائمة في سورية.

3-                        تقنين الوجود الايراني في سورية على أن لا يمس الأمن الاسرائيلي.

4-                        انهاء وتصفية المناطق المحررة واعادتها لسلطة النظام تدريجياً.

5-                        القضاء على المنظمات الارهابية بالقوة.

6-                        مساعدة اميركا على سحب قواتها من سورية بعد تحقيق الخطوات السابقة، وتقنين وجود هذه القوات حالياً.

7-                        الاعتراف بمخرجات آستانة وسوتشي التي رعتها روسيا بديلاً عن مسار جنيف .

وحسب المعلومات المتسربة من عواصم المنطقة فإن نقطة الخلاف الرئيسية هي على الوجود الايراني وحجمه وحدوده. وبينما تتخذ اسرائيل وأميركا مواقف ملتبسة ومتغيرة بسرعة، تميل الى انهاء الوجود الايراني تماماً فإن سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسية يرى أن هذا الموقف غير واقعي وأكثر مما ينبغي لأن الوجود الايراني برأيه شرعي، وهو يفيد في حل المشكلة السورية ويساعد على الحرب ضد الارعاب، وقال أيضاً إن بلاده حصلت من الايرانيين على تعهد بالابتعاد عن الحدود الاسرائيلية لمسافة لا تقل عن 40 كم.

أما الملف الثاني فهو ملف الأزمة الاوكرانية، وهذه حظها أفضل من حظ القضية السورية لأن الاوكرانيين يحظون بدعم صلب من الدول الاوروبية، ولذلك لن يستطيع ترامب الانفراد بأي موقف تجاه الازمة، ولن يستطيع إجابة طلب بوتين بالاعتراف بتبعية القرم لروسيا، وشرعية الاجراءات التي اتخذتها روسيا لضم القرم الى سيادتها، كما لن يستطيع رفع العقوبات عنها من جانب واحد. كما إنه لن يستطيع مساعدة صديقه بوتين من مفاعيل((قانون مواجهة أعداء اميركا)) الذي سنه الكونغرس مؤخرا ًلشن حرب تجارية ضد الدول المنافسة والمعادية.

وأما الملف الثالث فهو ملف اتفاقية ستارت التي توصلت لها الدولتان عام 1972 وتعتبر حجر الزاوية في سياسة وقف سباق التسلح، وخفض المخزون من الاسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وهناك العديد من الاتفاقات في هذا المجال، تعرض بعضها في السنين الأخيرة لتعليق، وانتهاكات متبادلة، ولذلك يأمل الطرفان في عودة تفعيلها وتطويرها.

ويعتقد المراقبون الغربيون أن القمة لن تحقق نتائج كبيرة على المستوى الدولي، باستثناء التفاهم على انهاء الصراع في سورية بالقوة وفق الرؤية الروسية. ولذلك سيكتفي ترامب وبوتين ببعض الانجازات الصغيرة كما قال الرئيس الفنلندي لتبرير عقد القمة والقول إنها نجحت! ويشير المراقبون الى أرجحية تنشيط اتفاقية التعاون البيئي ولا سيما في البحار، ووقف التجارب النووية المتقدمة أو الخطيرة.

ويمكن القول في النهاية أن خلافات الدولتين الكبريين رحمة للشعوب الصغيرة، وأن تفاهمهما هو في الواقع كارثة حقيقية على الشعوب الصغيرة، والمثال السوري دليل قوي على ذلك.

لقد تحولت سورية الى ((يوغوسلافيا))  جديدة، وتحول الشرق الاوسط الى ((بلقان)) جديد حيث ولد النظام الدولي بعد الحرب العالمية الاولى قبل قرن من الآن، حيث تقاسمت الدول الاقليمية المحمية من الدول المنتصرة في الحرب البانيا، وفرض على شعوب أخرى أن تعيش تحت رحمة أعدائها كما حصل للبوسنيين والمكدونيين والسلوفينيين تحت رحمة الصرب والكروات في دولة لا أساس لها في التاريخ!