2020-03-19 17:17:54

جنون العالم وفيروس كورونا /بقلم السيد صادق الموسوي

جنون العالم وفيروس كورونا /بقلم السيد صادق الموسوي

جنون العالم وفيروس كورونا /بقلم السيد صادق الموسوي

جنون العالم وفيروس كورونا

بقلم السيد صادق الموسوي

مجلة الشراع 19 آذار 2020

 

حتى نعرف العاقل من المجنون لا بد من مراقبة سلوكه وتصرفاته، فإن كانت أعماله متّزنة وسلوكه مترابطاً وتصرفاته يقبلها عموم الناس يكون الشخص عاقلاً، أما إذا كان الرجل سلوكه مختلاً وتصرفاته غير متناسقة وكلامه غير مطابق لقواعد العقلاء فإنه يكون قد أصابه الجنون، ويضعه أهله في مستشفى المجانين ( العصفورية ) ليقوم بعلاجه الأطباء المختصون، فإن شُفي من جنونه أعيد إلى ذويه، وإن استفحل به المرض بقي في المستشفى حتى يأتيه الأجل.

هذا الأمر يؤيده كل الناس ويقبل به جميع أطياف المجتمع إلى أي دين أو طائفة أو قومية انتموا، ولا يتردد أحد في الرضى بوجوب الحجر على المجنون حتى لا يصيب الأخرين بتصرفاته غير الإرادية، ولا يوجّه الضرر لسمعة الأسرة والعائلة، لكن الواقع اليوم في العالم أن المجانين يحكمون الدول العظمى ويقررون مصائر الشعوب، وهم يجعلون من منطقهم غير الموزون المعيار الذي يجب أن يتكيف معه الآخرون؛ وعلى رأس هؤلاء ترامب الذي تصفه رئيسة مجلس النواب في الولايات المتحدة بالجنون، ونواب الحزب الجمهوري في بلده لا يعرفون كيف يدافعون عنه لاضطراب سلوكه، وحتى أقرب معاونيه في الإدارة وفي البيت الأبيض خصوصاً والوزراء في حكومته عموماً لا يطيقون سلوكه المزاجي، وصار ترامب أكثر رؤساء أمريكا في تاريخها إقالة واستقالة لأعضاء إدارته والمقربين منه، وقادة الإتحاد الأوروبي حائرون في كيفية التعامل معه وهو المتقلب في آرائه ففي يوم واحد نراه يصادق رئيساً أو زعيماً وقبل أن تُشرق الشمس في اليوم التالي نجده يكيل أقبح الشتائم لمن امتدحه قي أقل من أربع وعشرين ساعة، وهو لا يعترف بالتزامات دولته ولا يلتزم بتعهدات الرؤساء من قبله، ولا يتردد في الخروج من القرارات الدولية التي لا تُعجبه، ولا يتوانى من التحرر من المواثيق التي يعترف بها العالم كله إذا اختلفت مع ذوقه الخاص ورأيه الشاذ.

وبقراءة موجزة وسريعة للأخبار نجد أن ما قلناه ليس مبالغة ولا بهتاناً باطلاً، فالقرار الأخير لمجلس الشيوخ ذي الغالبية الجمهورية بمنع الرئيس من القيام بأي عمل عسكري ضد إيران قبل إطلاع المجلس وموافقته عليه، ثم حصل القرار على موافقة أكثرية أعضاء مجلس النواب  الذي أغلبيته من الديمقراطيين، فلو سبق النواب في اتخاذ القرار أولاً لكان يمكن القول بأن ذلك جاء بسبب العداء المستفحل بين الديمقراطيين ودونالد ترامب والذي تجسد في إعلان عدم أهليته للرئاسة، لكن اللافت أن مجلس الشيوخ وبأكثرية أعضائه هو من اتخذ القرار أولاً ثم لحقه مجلس النواب، وهذا إعلان صريح بأن رئيس الولايات المتحدة هذا لا يأمن سلوكه قطبا السلطة التشريعية النواب والشيوخ، ولا يثق بحكمة تصرفاته المؤيدون له قبل المعارضين، ويخاف المشرعون أن يورط الرئيس غير الموزون البلاد في حرب غير محمودة العواقب مع الجمهورية الإسلامية التي تملك ترسانة من الأسلحة المتطورة التي تستطيع الوصول إلى مختلف القواعد المنتشرة في قارة آسيا ويصل مدى صواريخها البالستية إلى قارة أوروبا أيضاً، وقد أثبتت فعلاً قدرتها على تجاوز أحدث أنظمة الدفاع لدى الولايات المتحدة وقصف أهم قاعدة عسكرية لها في العراق " عين الأسد " بدقة متناهية، وقد " لحس " الرئيس الأمريكي كل تهديداته السابقة ضد إيران، ولتبرير ذلك ادّعى عدم وقوع أية إصابات في الأرواح واقتصرت الحملة على أضرار بسيطة في المباني، لكن الأيام كشفت عن صور الدمار الهائل في كافة أقسام القاعدة، وبالتقسيط عرف العالم أعداد الضحايا حتى فاق الـ ١١٠ إلى يومنا هذا والحبل على الجرّار.

وعلى صعيد آخر فقد جهد الأمريكيون طوال عقود كثيرة ليقولوا لشعوب العالم أن الولايات المتحدة تلتزم بالمبادئ الإنسانية، وتهتم بالحريات للأفراد والشعوب، وتدعم الديمقراطية في الدول، وقد بُذلت الجهود الكثيرة للترويج لهذه الصورة الجميلة وصُرفت مئات مليارات الدولارات لتثبيت هذه الصورة في أذهان الشعوب والإيهام لهم بأن موئل الحرية وحامي الديمقراطية والمدافع عن القيم الإنسانية هي الولايات المتحدة، لكن سلوك دونالد ترامب منذ أول يوم وصوله للرئاسة جعل من أمريكا الدولة العنصرية في الداخل والمتحالفة في الخارج مع الأنظمة القمعية التي لا قيمة لآراء الشعوب فيها، والمساندة لحكام البلاد الخاضعة للإرادة الملكية والأميرية والسلطانية، والمعادية للدول التي تعود لاستفتاء الشعب في كل مناسبة وتصدر قوانينها عبر نواب يختارهم الشعب في انتخابات حرة وإن أثير بعض الاعتراضات والشكوك حول التدخلات؛ ولا يأبى الرئيس ترامب من القول بالعبارة الصريحة بأنه يدعم الدول التي تبذل له المال وتشتري منه السلاح وإن ارتكبت بحق شعبها أقبح الجرائم، وزجّت بطلاب الحرية في المطامير وألقت بهم في غياهب السجون، ويتحالف مع الأنظمة التي ترضخ لإرادته وإن دمّرت طائراتها الحربية بيوت الآمنين وقتلت الآلاف من الأطفال والنساء، لكنه يضيق الخناق على من لا يقبل بإملاءاته حتى يصل الأمر إلى قطع الحليب عن الأطفال، والدواء عن المرضى والطعام عن عامة الشعب، ويقول بكل وقاحة أنه يرمي بذلك فرض الإستسلام على ذلك البلد وجرّ زعماء تلك الدول إلى بيت الطاعة الأمريكي.

وجاء وباء فيروس كورونا ليكشف حقيقة أمريكا لمن لم يعرفها بعد، حيث تعاملت الإدارة الأمريكية بغاية الخبث مع المشكلة، حيث تشفّت بالألم الصيني والإيراني ووقفت تتفرج على مئات المصابين الذين استفحل فيهم الوباء في الصين لأن دونالد ترامب كان قد فشل في مفاوضاته الإقتصادية معها، وبالنسبة للجمهورية الإسلامية صارت تضع الملح على الجرح وتقول بأن المساعدات الإنسانية مشروطة بقبول الدولة الإيرانية الدخول في مفاوضات مع الولايات المتحدة، وعلى الرغم من ادعاءات المسؤولين في البيت الأبيض والخارجية الأمريكية بتسهيل أمر إيصال المساعدات لمواجهة كورونا إلاّ أن الشركات التي كانت تريد تأمبن المواد الضرورية لم تجد طريقة للحصول على ثمن البضاعة بسبب الحصار الأمريكي الخانق على الجمهورية الإسلامية، وهي تخشى شمولها بالعقوبات الأمريكية التي لا ترحم، وحتى حق إيران الثابت في صندوق النقد الدولي البالغ حوالي ٥ مليارات دولار والذي لم تستفد منه منذ أكثر من ٥٠ عاماً تعيق الولايات المتحدة الإستفادة منه في تمويل مستلزمات مواجهة فيروس كورونا من أجهزة وأدوية، ثم يذرف ترامب وبومبيو ومعاونوهما دموع التماسيح على معاناة الشعب الإيراني ويحاولون تحريضه على المسؤولين في الحكومة الذين يبذلون كل الجهود لمنع الوباء من الإنتشار ومعالجة المصابين في الظروف الصعبة التي افتعلتها إدارة ترامب.

وشارك في الحملة الترامبية مع الأسف بعض أنظمة المنطقة التي عملت على " تطييف " الوباء واتهام إيران بالتسبب في انتشار الفيروس وإثارة شعوبها ضد الجمهورية الإسلامية ثم توسعت الحملة لتشمل الطائفة الشيعية حيثما تواجد فرد منها، وأيضاً عملت على إثارة النعرات القومية وتحريض العرب في المنطقة على إيران علماً أن ملايين المواطنين الإيرانيين هم من العرب وأن الجمهورية الإسلامية في إيران تتشكل أساساً من عدد كبير من القوميات الفارسية والتركية والكردية والعربية والتركمانية والبلوشية وغيرها.

كل هذا كان قبل أن يغزو الوباء دول المنطقة ويزحف على أوروبا؛ وما أن بدأ كورونا بالظهور في البلاد التي كانت تفتخر بأنها مصانة حتى تغيرت اللهجة وبدا الإضطراب في وسائل الإعلام التي كانت شامتة حتى الأمس بإيران، وحاولت في البداية اتهام مواطنيها الذين كانوا في زيارة العتبات المقدسة في الجمهورية الإسلامية، وبهذه الذريعة فرضت الحصار الكامل على " المنطقة الشرقية " ذات الأغلبية الشيعية في المملكة السعودية، وقامت حكومة البحرين بوضع مواطنيها الشيعة القادمين من زيارة مقام الإمام علي الرضا عليه السلام في مدينة مشهد المقدسة بلا استثناء في الحجر الصحي في مكان غير معزول من دون إجراء الفحوصات، وضمّت إليهم في  المكان نفسه مصابين فعلاً مما تسبب بنقل الفيروس إلى أشخاص لم يكونوا مصابين من قبل أصلاً.

وأما ترامب فقد تعاطى إيضاً بداية مع الوباء باستخفاف بل باستهزاء واتهم خصومه الديمقراطيين الذين حذروه مبكراً من مخاطر كورونا بتضخيم الأمر لأهداف سياسية، ورأى أن الولايات المتحدة هي " محمية " من خطر هذا الوباء، وأصرّ على مصافحة الناس متحدياً تحذيرات الأطباء، لكن بعد أيام معدودة علم العالم بتفشي الوباء في مختلف الولايات، ولم تفلح كافة محاولات ترامب للتستر على تزايد أعداد المصابين ومنع الكشف عن أخبار الموتى بفعل الوباء وفرض السرية على المعلومات الخاصة بفيروس كورونا وحصر أمر الإعلان بشخص نائب الرئيس مايك بنس، لكن عدداً من حكام الولايات الأمريكية تجاهلوا ترامب وتصرفوا منفردين وقاموا بإجراءات قاسية لاحتواء الوباء ومنها الحظر على مدنٍ بأكملها، لكن بعد إصابة ابنته " الدلّوعة " ايفانكا بالفيروس واضطرارها للدخول في حجر صحي اضطر دونالد ترامب للتراجع الفوري عن مواقفه السابقة، وقام هذه المرة أيضاً بتصرفات غير مورونة ومتسرعة وأعلن يوم الجمعة الفائت بصورة مفاجئة حالة الطوارئ الوطنية في البلاد، ثم طالب الشعب الأمريكي بجعل يوم الأحد الماضي يوماً وطنياً للصلاة والتوجه إلى الكنائس ومختلف دور العبادة للدعاء إلى الله " من أجل حماية أمريكا "، وكان قبل ذلك قد أصدر أمراً فورياً بمنع كافة الرحلات الجوية مع أوروبا ذهاباً وإياباً، لكن اللافت أنه استثنى في أمره بريطانيا التي صرح رئيس وزرائها بوريس جونسون علناً بتفشي كورونا في أرجاء بلاده أيضاً، وسبب هذا الإستثناء هو أن بريطانيا شقت للتوّ عصا الإتحاد الأوروبي وخرجت من صفوفها بتحريض ومساندة من ترامب شخصياً، ولكون رئيس وزرائها صديقاً شخصياً له ومتناغماً مع سياساته، فالواضح إذاًًً أن الرئيس الأمريكي تعامل مع قضية إنسانية تخصّ كل بني آدم وحيثما كانوا ووباء يهدد حياة البشرية على الكرة الأرضية كلها بالعقلية السياسية الضيقة، وبيّن من خلال موقفه هذا حقده الدفين على الإتحاد الأوروبي المنافس للولايات المتحدة في أبشع صورة.

إن سلوك رئيس الولايات المتحدة الحالي هو سلوك جنوني واضح لا لبس فيه، وإن تصرفاته الهوجاء تدل على عدم توازنه العقلي، وإن أعيد انتخاب هذا الشخص رئيساً لدورة ثانية من جانب الشعب الأمريكي فهذا يعني أن العالم بات يقرر مصيره المجانين، وأن الشعوب ستعيش تحت رحمة رجل مكانه الحقيقي هو مستشفى الأمراض العقلية، وأن المنطق والعقل والقيم الإنسانية قد فقدت مكانتها وتأثيرها كلياً عند الأمم وبخاصة لدى الشعب الأمريكي، وأن دول العالم التي تريد الإلتزام بالحق والعدل وإن بأدنى الدرجات لا بدّ لها من مواجهة موحدة للتنين الأمريكي الأهوج والمجنون الذي يريد جعل المجتمعات البشرية الحضارية خاضعة لشريعة الغاب، ويعمل على صبغ العالم بلونه الأسود والمخزي، وهو الذي ترعرع بين الغانيات في بداية حياته، وجمع ثرواته من أموال البغاء، وتحاصره اتهامات من عشرات الفتيات القاصرات بالتحرش والإغتصاب، ولا يعرف أصلاً معنى للقيم الإنسانية ولا يمكنه أبداً التقيد بالأخلاق السامية؛ وإن سكوت الشعوب على هذا الواقع الفاسد سيجلب لا محالة سخط الله سبحانه على عموم العباد، فـ ( إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون )، وإن قبِل الملأ من القوم، حسب ما ورد في القرآن الكريم والمنبطحون من الحكام بهذا الكيان الفرعوني الذي يقول: ( ما علمت لكم من إله غيري )، والذي يستضعف الشعوب ويحتقر الرؤساء الملوك والأمراء، ويقتّل كل يوم أبناء الذين لا يقبلون بعبادته ويستحيي نساء الذين يرفضون الإنصياع لإرادته،  فإن رضاهم هذا سوف يجلب الذلّة والمسكنة على البشرية وسيسبب وقوع مزيد من الكوارث والويلات ونزول ألوان العذاب على الناس أجمعين، لأن الله سبحانه يقول في كتابه؛ ( واتّقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب ) صدق الله العلي العظيم.

السيد صادق الموسوي