2020-03-12 16:07:37

محاولة اغتيال حمدوك تستنسخ اغتيال الحريري / بقلم محمد خليفة

محاولة اغتيال حمدوك تستنسخ اغتيال الحريري / بقلم محمد خليفة

محاولة اغتيال حمدوك تستنسخ اغتيال الحريري / بقلم محمد خليفة

محاولة اغتيال حمدوك تستنسخ اغتيال الحريري

بقلم محمد خليفة

مجلة الشراع 13 اذار 2020 العدد 1942

 

 

للمرة الثانية خلال سبعة شهور بعد تخلص السودان من نظام عمر البشير وانتقاله للنظام الديموقراطي يتعرض لعملين ارعابيين مسلحين يهددان استقراره, وبرنامجه الاصلاحي لتصفية مرتكزات النظام السابق في الدولة العميقة.  

ففي 15 كانون الثاني/ يناير الماضي وقعت محاولة تمرد قادها ضباط من هيئة العمليات الخاصة التابعة لجهاز الاستخبارات, وأدت لصدام مسلح في العاصمة, واغلاق المجال الجوي, وأحدثت حالة بلبلة. وقد توجهت أصابع الاتهام في حينها الى أشهر رئيس لجهاز الاستخبارات في العهد السابق صلاح عبد الله قوش, ثم امتدت الى رئيس الجهاز الحالي وحملته مسؤولية التقصير مما سمح للمتمردين بتنفيذ المحاولة. وأدت العملية الى مقتل خمسة جنود على الأقل, وأثارت مخاوف من إمكان افشال الثورة والعودة الى حكم ((الاسلاميين)) الذين ما زالوا موجودين في بنية الدولة العميقة بما فيها العسكرية والأمنية.

وبعد أقل من شهرين وقعت العملية الثانية يوم الاثنين الماضي 9 آذار/ مارس بمحاولة اغتيال رئيس الحكومة د . عبد الله حمدوك بواسطة تفجير سيارة متوقفة في الطريق الذي يمر به موكب حمدوك من منزله الى مكتبه, وقد انفجرت السيارة الملغومة وأصابت سيارة الحماية المرافقة لرئيس الحكومة, ولولا أن سيارة المستهدف مصفحة لربما أصيب.

شبه المراقبون السودانيون مخطط العملية بعملية اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية المظلوم رفيق الحريري عام 2005. ورأى هؤلاء أن العملية بكاملها مستوردة من لبنان ومن دول عربية أخرى لأنه لم يسبق أن شهد السودان حادثة اغتيال بهذه الطريقة الدموية  الشائعة في بلدان المشرق العربي. وقال بعض الصحافيين إن النظام السابق سمح لمنظمات اصولية كثيرة بالتدرب على عمليات التفخيخ والنسف والاغتيال في أراضيه برعاية استخباراته مما أدى الى ظهور محترفين وخبراء بها بين بقايا الحاضنة السياسية لنظام ((الانقاذ)) وأجهزته. وهناك اجماع على أن النظام السابق ما زال متغلغلاً في مفاصل الدولة, وحاضنته الشعبية ما زالت قوية تحت شعار الدفاع عن الشريعة والاسلام من خطر سيطرة العلمانيين والشيوعيين. وأظهرت تحركاتهم العلنية رفضهم للتغييرات التي فرضتها الثورة وتمسكهم بالنظام السابق, كما كشفت وجود أعداد كبيرة من المؤيدين لهم الأمر الذي يعني صعوبة القضاء على ((الاسلاميين)) أو عزلهم.

هذه المعطيات تلقي أضواء ساطعة على طبيعة الأوضاع السائدة في الخرطوم خلال مرحلة انتقالية لم تستقر فيها الثورة, ولم تستكمل التغييرات وعمليات اقتلاع وتصفية النظام السابق, وما زالت الأنظار تتجه بحذر وشك الى مؤسسات الدولة العسكرية التي تعود في غالبيتها الى العهد الزائل بما فيها الجيش وقوات التدخل السريع والاستخبارات.

ويعتقد بعض المحللين السودانيين أن الاسلاميين في عموم المنطقة لم يسلموا بانهيار نظام البشير لأنه كان بالنسبة لهم موقعاً استراتيجياً على مستوى الاقليم, ولا زال يتلبسهم الأمل بإمكان الانقلاب على ثورة كانون الأول/  ديسمبر وما ترتب عليها. ويؤكد آخرون أن هناك دولاً وأنظمة في المنطقة غير مطمئنة للوضع الجديد في الخرطوم, ويتربصون به, ولهم مصلحة في دعم أي جماعة مناوئة له, أو على الأقل إضعافه وافشاله وزرع الفتن في البلاد وإرباك برنامجه الاصلاحي الاقتصادي والاجتماعي والسياسي, وإلا لماذا يستهدف مدبرو العملية شخص رئيس الحكومة الذي يتمتع بإجماع وطني نادر من كل الأحزاب والفئات الشعبية, بل والمنظمات العسكرية المتمردة, ويعتبره الكل أيقونة الثورة؟

العملية استهدفت إرباك وإضعاف برنامج حمدوك الاصلاحي الجاري بواسطة حكومة مهنية مستقلة. ورأى صحافيون وسياسيون سودانيون أن بلادهم مستهدفة بسبب نجاح ثورتها, وأن تحالف الثورة المضادة لثورات الربيع العربية الشعبية الديموقراطية على مستوى المنطقة ليس من مصلحته نجاح النموذج السوداني لأنه سيلهم بقية الشعوب العربية والافريقية, بل إن من مصلحته اسقاط التجربة السودانية وإفشالها لإحباط آمال الآخرين .

بعبارة أخرى يعيش السودان صراعاً بين الثورة والثورة المضادة, تتداخل فيه المؤثرات الداخلية والخارجية, وقد يصبح السودان ساحة مفتوحة لهذا الصراع المفترض .