2020-03-12 15:25:17

وداعاً للبنان القديم.. فأي لبنان الجديد يولد اليوم: دياب وحكومته: الهروب الى المجهول! خاص الشراع

وداعاً للبنان القديم.. فأي لبنان الجديد يولد اليوم: دياب وحكومته: الهروب الى المجهول! خاص الشراع

وداعاً للبنان القديم.. فأي لبنان الجديد يولد اليوم: دياب وحكومته: الهروب الى المجهول! خاص الشراع

وداعاً للبنان القديم.. فأي لبنان الجديد يولد اليوم:

دياب وحكومته:

الهروب الى المجهول!

خاص الشراع / مجلة الشراع 13 آذار 2020 العدد 1942

خاص – ((الشراع))

أول ما يمكن قوله في كلمة رئيس الحكومة حسان دياب السبت الماضي للإعلان عن تعليق سداد سندات ((اليوروبوند)), هو ما تضمنته من افكار حدد لها عنوان الخطة الإنقاذية من الأزمة غير المسبوقة القائمة حالياً مالياً واقتصادياً واجتماعياً.

الكلمة رؤيوية وطموحة, فضلاً عن تشخيصها للمرض اللبناني بطريقة دقيقة وعلمية وشاملة, وأهم ما فيها الشفافية والمصارحة وعدم الاستمرار في سياسة التكاذب وإخفاء حقائق خطورة الأزمة وتداعياتها.

وقد لاقت الكلمة المكتوبة اهتماماً ملحوظاً من قبل اللبنانيين, الى درجة يمكن القول انها باتت وثيقة تاريخية, كمستند رسمي ورد على لسان الرئيس الثالث في الجمهورية بعد اجتماع موسع ضم الرئاسات الثلاث. مستند رسمي فاقع في توصيف الأوضاع وجلاء حقيقتها من دون مواربة او تجميل, ما يجعله محطة مفصلية لن يكون ما بعدها مشابهاً لما كان قبلها.

بدا دياب في مؤتمره الصحافي كأنه أحد ناشطي انتفاضة السابع عشر من تشرين الأول - اكتوبر الماضي, وهو يعدد ولو متأخراً ما كان يرد على ألسنة المنتفضين من تحذيرات وصرخات, لكن ان تأتي متأخراً خير من ان لا تأتي ابداً كما يقول المثل الشائع, علماً ان ما ينبغي التوقف عنده هو شجاعة دياب في الحديث وبالتفصيل عن مندرجات الأزمة ومخاطرها مستخدماً من التوصيفات ما سبق فيه الجميع ليس فقط على مستوى ما يواجهه لبنان من تحديات وأعاصير وامواج عاتية كما قال, بل وايضاً على مستوى الحديث عما وصلت اليه البلاد من عجز وفقر وفساد الخ.

لكن, على الرغم من بلاغة المرثية الحزينة لواقع لبنان, التي قدمها دياب, فإنه بدا متناقضاً مع نفسه, الى درجة ان كل من تابعه طرح سؤالاً في غاية البساطة مفاده: من يصدق المواطن؟ هل يصدق دياب في كلمته السبت الماضي لدى الاعلان عن تعليق سداد سندات ((اليوروبوند)) ام يصدق دياب نفسه وهو ينعي أمام السلك القنصلي البلد قبل ذلك بأيام, عندما قال ما حرفيته ((بكل صراحة لم تعد هذه الدولة قادرة على حماية اللبنانيين وتأمين الحياة الكريمة لهم))؟

وهل ان ما قاله السبت الماضي هو مجرد تقطيع وقت وتغطية بانتظار حلول لن تأتي ما لم يحصل تغيير شامل يبدأ بمحاسبة الفاسدين والمرتكبين ولا ينتهي باستعادة ما نهب من أموال. ام انه سبت أسود كما وصفه النائب السابق فارس سعيد في اشارة الى ان لبنان بات خارج العالم بعد كلمة دياب.

هي أسئلة محيرة تثير الشكوك بأن يكون هناك مسرحية ما يراد تمريرها من خلال ما يجري على المواطن, وان كل ما يحصل هو ما كانت ((الشراع)) أول من تحدثت عنه عندما ذكرت في مقال سابق بتاريخ ان حكومة دياب هي حكومة ادارة الانهيار في محاولة ولو متأخرة من الطبقة السياسية, بكل اطيافها المشاركة في الحكومة وغير المشاركة للحد من الخسائر والتخفيف من حدة الانزلاق نحو الهاوية.

هذا بالاضافة الى عدم مقاربة مواضيع لها الأولوية في أي معالجة وعلى رأسها مسألة في غاية الأهمية وتتعلق بمعالجة الازمات المتراكمة والمسببة للعجز, وهي خطة الكهرباء التي جاءت حكومة دياب لتتابع خطة من سبقها رغم انها خطة مجربة ومشكو منها,كونها لم توفر الطاقة للمواطن اللبناني ولم تؤد الى تخفيف الأعباء الناجمة عنها على خزينة الدولة, وهي اعباء بلغت كلفتها ما يعجز اي بلد في العالم عن تحمله. علماً ان هناك الكثير مما يمكن ايراده على هذا الصعيد لتكون المحصلة في كلمة دياب هي انه تحدث بطلاقة ودقة عن فداحة الأوضاع وعمق الأزمة إلا انه لم يقدم البدائل اللازمة على هذا الصعيد.

وكان دياب أثار زوبعة من التساؤلات والتخمينات عندما بدأ قبل نحو اسبوعين بالرد على خصومه ومنتقديه, مهاجماً الرئيس سعد الحريري من دون ان يسميه, ما استدعى رداً من  تيار المستقبل عليه.

دياب كان لقي قبل رده المشار اليه, اهتماماً من قبل أوساط عديدة معظمها مستقل ولا علاقة لها او صلة بهذا الحزب او ذاك التيار او التنظيم. وهذا الاهتمام كان يتصل بمنهجية اتبعها وقام بالإخلال بها لدى قيامه بالرد والهجوم على من قال انهم يستهدفونه بحملات سياسية وإعلامية ...الخ.

هذه المنهجية حسب هذه الأوساط وبينها نخب شارك قسم منها في ((الانتفاضة الوطنية ضد الحرامية)), وقسم آخر أيدها من دون المشاركة فيها, انطلاقاً من شعور جامع بأن استخدام الشارع في لبنان يفضي الى منازعات فئوية لن تتردد الطبقة السياسية الحاكمة على اختلاف اطيافها في استخدامها من أجل ضرب أهدافها وحرفها عن تحقيق الاصلاحات المنشودة في بلد يئن بالأزمات وانعدام المعالجات الجادة والجدية.

المنهجية المشار اليها تعتمد على أمرين بشكل أساسي هما:

اولاً: نشاط غير مسبوق, وحركة لا تهدأ. ولا تكل ولا تمل, بحثاً عن مخارج لأزمة متفاقمة. وكاد يتحول في هذا المجال الى ما يمكن وصفه بنموذج لا يترك شاردة وواردة إلا ويضعها قيد متابعته المباشرة والشخصية, ويتعاطى بدينامية ومرونة وشفافية مع كل موضوع.

نموذج تقدم فيه على كثيرين ممن سبقوه في موقعه, وبينهم من كان اتهمه الرئيس ميشال عون بـ((الكسل)).

ثانياً: انتهاج سياسة الصمت والترفع عن الرد على احد من منتقديه وخصومه, وقد عمم ذلك على الوزراء في حكومته الذين بدوا في منظر السبت الماضي أشبه بموظفين يصفقون لكلمة رئيسهم او مجرد طلاب ينصتون لأستاذهم, في تجاوز جديد لما نص عليه اتفاق الطائف الذي يشدد على ان مجلس الوزراء مجتمعاً هو السلطة التنفيذية وان مسؤولية كل وزير قائمة بذاتها, وكل عضو في الحكومة له حيثيته وقراره, قبل ان يكسر الوزير السابق جبران باسيل هذه القاعدة بدفع وزراء كتلته الى توقيع كتب استقالاتهم ليكونوا رهن اشارته وقراره في كل صغيرة وكبيرة .

التزم دياب سياسة الصمت والترفع عن السجالات، داعياً الى ترك الامور تتحدث عن نفسها بالانجازات التي كان يطمح لتحقيقها والنتائج الايجابية التي كان يعد نفسه واللبنانيين بامكان الوصول اليها, الا ان حسابات البيدر لم تكن مطابقة لحسابات الحقل, خصوصاً مع انسداد الأبواب خارجياً أمامه لا سيما عربياً, وكذلك مع اتضاح خلفية ما يجري وهدفه تجويع اللبنانيين لحثهم على التنصل من حزب الله, وايضاً اصطدامه بسلسلة من العقبات الداخلية البنيوية العصية وأخطرها الفساد الفاجر كما وصفه, في ظل الأوضاع الحالية المأزومة في المنطقة لا بل والمحتدمة على مستوى الصراعات الناشبة فيها لا سيما بين واشنطن وطهران وكذلك في سورية ودول اخرى.

ولذلك, فإن دياب كسر هذه القاعدة, معتمداً سياسة الهروب الى الامام, بعد ان وجد، كما يقول مسؤول سابق، يعرفه ملياً,انه لم يعد لديه الا الكلام في محاولة للدفاع عن نفسه, وقام بشن الهجوم تلو الآخر, على منتقديه ومن يعتقد انهم خصومه. وهذا الأمر إن دلّ على أشياء عديدة فلا بد ان يكون بينها ان دياب يعيش وضعاً لا يطاق, وان حجم الضغوط عليه من اليمين ومن الشمال من الفريق الذي منحه الثقة وممن لم يمنحه إياها, ومن كل الاتجاهات كبيرة لا بل هائلة, وهو ما بدأ يظهر في بعض العبارات القاسية وغير المألوفة في خطابه ضد خصومه, متمترساً بالمقولة التي يستخدمها عادة كل من يتولى المسؤولية عندما يقول انه ورث سياسات عمرها ثلاثين سنة, وهو امر صحيح  في الكثير من الحالات, لكن  ألم يكن يعلم  من يتحدث بهذه المقولة انها كانت موجودة وقائمة لدى قبوله بتولي المسؤولية التي يتولاها.

من الواضح ان دياب بدأ يضيق ذرعاً من وضعه, وثمة الكثير مما يروى على هذا الصعيد في كواليس السياسة في لبنان, وبعضها قد يكون حقيقياً وبعضها الآخر قد يكون مفبركاً للنيل منه, الا ان الواقع الذي تعيشه البلاد حالياً على الأقل لا يمكن ان يحمل معه لأي مسؤول إلا ((سمات البدن)) والاحباط والاستهداف والدليل اليومي على الفشل والعجز وعدم القدرة فضلاً عن الشتائم, وربما بات الكلام  كما يقول خصومه ومنتقدوه, هو الوسيلة الوحيدة المتبقية له لتنفيس الحالة التي يمر بها.

واذا كان هذا الواقع يدفع بالبعض الى طرح تساؤلات حول ما اذا كانت حكومة دياب ستكمل ما تبقى من ولاية الرئيس ميشال عون ((سنتان ونصف تقريباً)) ام انها غير قادرة على الصمود والاستمرار, فإن المسألة تتعدى اليوم مسألة بقاء حكومة او رحيلها في ضوء الازمة التي نشهدها, والتي يصعب الآن توصيف طبيعة ما تقوم بجرفه على مستوى الكيان والنظام والمجتمع. والقضية أكبر من أي شخص مهما علا شأنه في البلاد, وفي كلمة دياب السبت الماضي عن العجز ما يشير بوضوح الى حجم الزلزال المدمر الهائل الذي ما زلنا نعيش ارتداداته القوية والعنيفة, وإلى ان البلاد في أحسن الأحوال هي الآن امام المجهول, وليس أمامها الا الآفاق المسدودة بانتظار حلول لن تأتي في ظل الأوضاع القائمة وفي ظل استمرار  غياب الحاضن الدولي والاقليمي والعربي للبنان كما كان يحصل على الدوام منذ اعلان لبنان الكبير الذي يحتفل هذا العام بمئويته الاولى.

ولذلك فإن أبلغ توصيف لما يجري كما يقول مسؤول كبير سابق, هو ((وداعاً لبنان)) موضحاً ((ان لبنان الذي نعرفه او كنا نعرفه قد مات)), وان لبنان الجديد يولد من دون ان تتضح بعد ملامح لبنان الجديد هذا, كون الأمر مرتبطاً بسلسلة معطيات ومعادلات لم تتبلور صورتها النهائية بعد, في ظل ما يحدث في الاقليم بدءاً من سورية وما انتهت اليه عملية الإذلال الروسي لتركيا, مروراً بما سمي ((صفقة القرن)) ومصير رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو, ووصولاً الى مآل الصراع الاميركي - الايراني واشتداده رغم كل محاولات التوصل الى صيغة لإدارته في هذه المرحلة.