2018-07-13 15:43:24

المرأة بين واقعين / بقلم: الشيخ أسامة السيد

المرأة بين واقعين / بقلم: الشيخ أسامة السيد

المرأة بين واقعين / بقلم: الشيخ أسامة السيد

المرأة بين واقعين / بقلم: الشيخ أسامة السيد

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم: ((إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصآئمين والصآئمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرًا والذاكرات أعدَّ الله لهم مغفرةً وأجرًا عظيما)) سورة الأحزاب.

لقد قامت المرأة المؤمنة عبر تاريخنا التليد بدورٍ رائدٍ في تربية الأجيال وحفظ الدين والعرض ودفع المخاطر والمفاسد عن المجتمع، كما كان لها باستمرار حضورها في ميادين العلم والثقافة والعطاء عالمةً ومكافحةً ومربيةً، فكانت الأم الرؤوم والأخت المخلصة والزوج الصابرة الوفية، وبتخصيصنا المرأة بالكلام فإننا إذا نظرنا إلى وضع المرأة وأحوال النساء في العديد من بلادنا العربية والإسلامية نرى أن المرأة اليوم في الغالب لا تُحقق المطلوب منها على وجهه ولا شك أن هذا ناجمٌ عن البعد عن التمسك بأحكام الدين الحنيف وتعاليم الشريعة الغرَّاء كما ينبغي وعدم التفهم الحقيقي لدور المرأة في المجتمع بل وعدم الاستفادة من طاقاتها بالطريقة المناسبة والوجه المطلوب.

 

النساء بين اليوم والأمس

وقد صرنا نرى وللأسف أن أكثر النساء في مجتمعاتنا الإسلامية والعربية انصرفن عن طلب المعالي وعن الاشتغال بالأمر الرفيع، وشغلن غالب أوقاتهن بالزيارات التي تغشاها الغيبة والنميمة، أو الذهاب إلى الأسواق والبحث عن آخر اكتشافات الأزياء تاركات شأن تدبير المنزل وتربية الأولاد لمدبرات المنازل غير مهتمات بأي شأنٍ اجتماعي مهم.

فأين حال هؤلاء النساء من أحوال أمهات المؤمنين التقيَّات؟ أين هنّ من خديجة الكبرى التي جاء في فضلها عن عبد الله بن أبي أوفى أن النبي صلى الله عليه وسلم بشَّرها ببيت في الجنة من قصبٍ لا صَخَب فيه ولا نَصب، حديث متفقٌ عليه.

قال السيوطي في ((قوت المغتذي)): ((القصب في هذا الحديث لؤلؤٌ مُجوَّف واسع كالقصر)) ثم قال ((لا صخب فيه هو الضجة واضطراب الأصوات للخصام، ولا نصب أي ولا تعب)) والمعنى لا ضجة فيه ولا جَلَبة ولا آفة.

وأين حال نساء اليوم من حال عائشة الصدّيقة التي جاء في فضلها عن أنسٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)) متفقٌ عليه، وفيه إشارةٌ إلى أن فضل عائشة زائد على كثيرٍ من النساء.

وأين حالهنّ من حال السيدة حفصة التي جاء في فضلها عن عمار بن ياسر أنه قال: أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُطلِّق حفصة فجاء جبريل فقال: ((لا تُطلقها فإنها صوَّامة قوَّامة وإنها زوجتك في الجنة)) رواه الطبراني.

وأين حالهنّ من حال أم الدرداء التي كانت فقيهةً عالمةً تُدرٍّس الرجال، أو حال الخنساء التي حرَّضت أولادها الأربعة على الجهاد في سبيل الله وحمدت الله حين بلغها نبأ استشهادهم، ونساء أخريات يضيق المقال بذكرهن.

 

مرض التأثر بالتشويش

والحقيقة أن النظرة للحياة الاجتماعية عند شريحة كبيرة من النساء للأسف هي في غير محلها وهي نابعةٌ من التأثر بعوامل التشويش وذلك أن عددًا كبيرًا من النساء تأثرن بما يُلقى عليهن من مسائل تشويشية وبما يروجه بعض وسائل الإعلام من دعاياتٍ لثقافاتٍ مزعومة فمن ذلك مثلاً دعوى أن المرأة كلها عورة حتى وجهها وكفيها كما أفتى بذلك ابن باز وابن عثيمين كما جاء ذلك في الكتاب المسمى ((فتاوى وأذكار لإتحاف الأخيار)) وهذا على خلاف الصواب بل قد نص علماء من المذاهب الأربعة على جواز كشف الوجه والكفين للمرأة منهم العمراني الشافعي في ((البيان)) والسرخسي الحنفي في ((المبسوط)) والقُرافي المالكي في ((الذخيرة)) وابن قدامة الحنبلي في ((الكافي)) بل قد نقل الإمام المجتهد محمد بن جريرٍ الطبري في ((تفسيره)) الإجماع على جواز خروج المرأة كاشفةً وجهها. ويؤيد هذا أن الشرع جعل إحرام المرأة في الحج مع كشف وجهها فلا يجوز لها تغطية وجهها ما دامت محرمةً وتلزمها الفدية إن غطته، ومن الدواهي أن بعض المشايخ أمروا النسوة بتغطية وجوههن في الإحرام وبالفدية، أي أمروهن بالمعصية فقط لأجل عدم مخالفة التقاليد.

ونحن نقول: قد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أحكام الشرع بوحيٍ من رب العالمين فلا تتغير الأحكام بتغير الزمان ولا يدخلها النسخ بعد وفاة صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم فليس لأحدٍ أن يستدرك على المعصوم.

 كما أن القول بوجوب ستر الحرة جسدها وأن لا يبدو منها للأجانب سوى الوجه والكفين ليس تخلُّفًا بل هو صونٌ وحفظٌ للمرأة لا سيما في هذا الزمن الذي استفحل فيه الشر والبلاء حتى بتنا نرى ونسمع بحوادث الاغتصاب والزنى والفجور وغير ذلك مما لربما يعرفه القارئ أكثر من الكاتب.

ومما وقع التأثر به أيضًا دعوى البعض أنه لا يجوز للمرأة المعتدة عدة الوفاة أن تُقابل الرجال الأجانب في بيتها وأنه لا يجوز لها أن ترد على الهاتف أو أن تجلس على شرفة البيت أو تنظر في المرآة أو تخرج من بيتها حالة الضرورة، وكل هذا على خلاف الشريعة بل إن أحكام المعتدة منصوصٌ عليها في كتب فقه الأئمة الأربعة فلينظرها من شاء فلن يجد فيها تلك الدعاوى التي يُلقيها بعض أدعياء المشيخة، وقد تأثرت بذلك نساءٌ كثيراتٌ لا سيما في بلاد الشام.

ومما وقع التأثر به أيضًا دعوى أنه لا يجوز للمرأة أن تُكلّم الرجال الأجانب وأن صوتها عورة، والصحيح خلاف ذلك فقد قال الله تعالى: ((قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما)) سورة المجادلة. وهي امرأةٌ كان بينها وبين زوجها شيء فأتت النبي صلى الله عليه وسلم تشتكي وسمع عليه الصلاة والسلام قولها ولم يقل لها: لا تتكلمي فصوتك عورة. فإن قيل: هذه خصوصية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قلنا: الخصوصية لا تثبت إلا بدليل، ولا دليل على أن هذا خاصٌ بالنبي صلى الله عليه وسلم، وقد روى البخاري في الصحيح عن عائشة أن امرأة من الأنصار زُفَّت إلى رجلٍ من الأنصار فقال صلى الله عليه وسلم: ((يا عائشة ما كان معهم لهوٌ فإن الأنصار يُعجبهم اللهو)) وفي رواية الطبراني أنه قال: ((فهل بعثتم معها جاريةً تضرب بالدف وتغني)) قالت عائشة: تقول ماذا. فقال صلى الله عليه وسلم تقول:

أتيناكم أتيناكم                                      فحيونا نحيّيكم

ولولا الذهب الأحمر                                ما حلَّت بواديكم

ولولا الحنطة السمرا                                ء ما سمنت عذاريكم

ومما وقع التأثر به أيضًا القول بأن خروج المرأة إلى العمل ومجرد اختلاطها بالرجال يُعتبر من أعظم وسائل الزنى والخيانة الزوجية وذلك في تصريحٍ لابن باز نشرته صحيفة ((المسلمون)) الصادرة في جده ولعل ابن بازٍ نسي أو تناسى أن خروج النساء مع الرجال للجهاد يداوين الجرحى ويهيئن الزاد للمجاهدين، وأن شهودهن الجماعة مع الرجال كان أمرًا معتادًا وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لاتمنعوا إماء الله مساجد الله)) رواه البخاري عن ابن عمر.

وليت شعري ماذا تقول الوهابية في اختلاط الرجال بالنساء أثناء الطواف فإن زعموا أن مجرد اختلاط الرجال بالنساء من دواعي الزنى فقد زعموا أن الله شرع ما يدعو للفاحشة فماذا يقولون؟!!!

 

الواقع المرير

 

وباختصارٍ نقول: نحن أمام واقعين مريرين واقع التقاليد المنسوبة إلى الإسلام والإسلام بريءٌ منها وواقع تقاليدٍ وافدةٍ آتيةٍ من الغرب مخالفةٍ لتعاليم الدين الحقيقية فما هو الحل إذًا؟

إن الحل يكمن في فهم أحكام الإسلام وتعاليمه ومنها ما له علاقةٌ بالمرأة وطبيعتها ودورها.

إننا ندرك أن هناك عقبات كثيرة تحول دون أن تمارس المرأة دورها في الكثير من المجتمعات العربية والإسلامية ولكنها عقباتٌ قابلةٌ للإزالة من خلال تضافر الجهود على المستويات الرسمية والأهلية ومن خلال المرأة نفسها التي تستطيع أن تكون عضوًا فاعلاً ومؤثرًا في المجتمع المحيط بها والمجتمع الأوسع مراعيةً بعض الأمور ومستفيدةً مما خلق الله تعالى فيها من قُدراتٍ، ولا داعي للانجرار وراء دعواتٍ مشبوهةٍ وأفكارٍ غير صحيحة تحمل شعار المساواة بين الرجل والمرأة وغير ذلك مما يزخرفه أعداء الدين أو بعض أدعياء الإسلام.

لقد كرّم الإسلام المرأة المؤمنة بل أوصى بها صلى الله عليه وسلم فقال: ((استوصوا بالنساء خيرا)) رواه مسلم عن أبي هريرة. وأعطى الشرع كل ذي حقٍ حقه ولكن المشكلة تكمن في عدم فهم بعض الناس للإسلام وفي عدم فهم شريحةٍ كبيرةٍ من النساء للأحكام المتعلقة بهن، ونرى للأسف كثيراتٍ من النساء يذهبن بعيداً خلف عاداتٍ وشعاراتٍ أراد بها واضعوها ضرب الإسلام، فقد تغنّى أعداء الإسلام بشعار ما يُدعى ((حقوق المرأة المهدورة))، ومن المؤسف أننا نرى نساءً كثيراتٍ لا يفقهن ما يجب عليهن فقهه من أحكام الدين ليعرفن نقاوة الإسلام ومحاسن التشريع وما أتى به سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم من أحكامٍ راقيةٍ ومبادئ ساميةٍ.

وفي هذا المقام وأمام هذا الواقع المؤلم ندعو النساء إلى التفقه في الدين لمعرفة ما لهن وما عليهن، وندعو كذلك الرجال للوقوف عند حد الشرع وعدم ظلم المرأة واضطهادها فإن الله تعالى يقول في القرآن الكريم : ((يا أيها الناس إنَّا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليمٌ خبير)) سورة الحجرات. 

والحمد لله أولاً وآخراً.