2020-03-12 13:47:51

في ذكرى الإسراء والمعراج.. تبقى القدس لنا / بقلم الشيخ أسامة السيد

في ذكرى الإسراء والمعراج.. تبقى القدس لنا / بقلم الشيخ أسامة السيد

في ذكرى الإسراء والمعراج.. تبقى القدس لنا / بقلم الشيخ أسامة السيد

في ذكرى الإسراء والمعراج.. تبقى القدس لنا

بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 13 آذار 2020 العدد 1942

 

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم: ((سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا الذي باركنا حوله لنُريه من ءاياتنا إنه هو السميع البصير)) سورة الإسراء.

نتأمل ونحن على أعتاب مناسبةٍ إسلاميةٍ عظيمةٍ هي مناسبة الإسراء والمعراج فيما تضمَّنته هذه الآية المباركة من تشريف لسيدنا رسول الله محمدٍ صلى الله عليه وسلم الذي فضَّله الله على سائر خلقه وأعلى مقامه فوق كل مقامٍ وأيَّده بما لم يكن لسواه من المعجزات الباهرات، فخصَّه بالإسراء والمعراج تعظيمًا وإجلالاً لمقامه العالي، ونتأمل مع ذلك في الحالة التي كانت سائدةً قبل حصول هذه المعجزة العظيمة بل وقبل بعثة هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.

لقد تفشَّى الفسادُ في الأرض وعمَّ الشرُ أصقاعَ الدنيا فانتُهكت الحقوقُ وأكل القوي الضعيفَ وانتشر الكفر في البلاد وغدا إبليس يصول ويجول بين تلك القلوب القاسية التي أضحى أهلها يعيشون قبائل متناحرة يستشري فيهم الجهل والعادات القبيحة حتى ألفوا الضلالَ جيلاً تلو جيلٍ فتلقَّف ذلك الأبناء عن الآباء والآباء عن الأجداد فاعتادوه وانساقوا فيه، وأضحت تتجَارى بهم أهواؤهم كما يتجَارى الدَّاء العُضال بصاحبه لا يترك منه عِرقٌ ولا مفصَلٌ إلا دخل فيه.

معجزة عظيمة

ثم بعث الله تعالى فيهم رجلاً شريفًا كريمًا كان معروفًا بينهم بالصادق الأمين، ليس في تاريخ حياته رذيلةٌ ولا فاحشةٌ، فدعاهم إلى ترك الضلال واتِّباع الحق مؤيَّدًا بالمعجزات العظيمات والدلالات الواضحات على حقِّية ما أرسله به رب السموات والأرض.

وما زال كفار قريشٍ يُمعِنون في الصدود عن الحق ويؤذون المؤمنين والنبي صلى الله عليه وسلم يأتيهم بالبراهين الساطعة، دليلٌ في إثر دليل وحجة في إثر حجة، وكانت معجزة الإسراء والمعراج دلالةً أخرى من ضمن دلالات عديدةٍ على عظمة رسالته وصدق كلمته، فقد أُسري برسول الله صلى الله عليه وسلم يقظةً بجسمه وروحه من مكة المكرَّمة من البيت الحرام إلى المسجد الأقصى مرورًا بالمدينة المنورة التي كانت تُعرف بيثرب قبل الهجرة الشريفة، ثم طور سيناء حيث أوحى الله إلى موسى عليه السلام، ثم بيت لحم حيث وُلِد السيد المسيح عليه السلام انتهاءً بالمسجد الأقصى الذي اجتمع فيه الأنبياء فتقدمهم نبينا صلى الله عليه وسلم فصلَّى بهم إمامًا، ثم كان العُروج بعد ذلك إلى السموات العلى فغدا يطويها سماءً إثر سماء يصحبه رئيس الملائكة جبريل عليه السلام، فرأى جملةً من عجائب مخلوقات الله كالبيت المعمور وهو لأهل السماء كالكعبة لأهل الأرض يدخله كل يومٍ سبعون ألف مَلَكٍ ثم لا يعودون، وسدرة المنتهى وهي شجرةٌ أصلها في السماء السادسة وتمتد إلى السماء السابعة إلى ما شاء الله، أوراقها كآذان الفيلة وثمرها كالقِلال (جمع قُلَّة وهي الجرَّة الكبيرة)، ودخل صلى الله عليه وسلم الجنةَ فرأى أكثر أهلها الفقراء واطَّلع على النار فرأى أكثر أهلها النساء، إلى غير ذلك من مشاهد يطول ذكرها وشرحها. وكان المقصود من معجزة الإسراء والمعراج تشريف هذا النبي الكريم بإطلاعه على جملةٍ من عجائب مخلوقات الله تعالى لا أن يلتقي بربه لأن الله لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان. وقد قال عزَّ وجل: ((لنريه من ءاياتنا)) سورة الإسراء، ولم يقل لنلتقي به.

وأوحى الله تعالى إليه بما أوحى ثم عاد صلى الله عليه وسلم إلى الأرض وكل ذلك في نحو ثلث ليلة فراح يُحدّث الناسَ بما كان من شأن هذه المعجزة العظيمة. روى الإمام أحمد وغيره عن ابن عبَّاسٍ في حديثٍ طويل فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم حدَّث الناس بحديث الإسراء فمن بين مصفِّقٍ ومن بين واضعٍ يده على رأسه متعجبًا للكذب بزعمه قالوا: هل تستطيع أن تنعت ((تصف)) لنا المسجد ((أي الأقصى))، وفي القوم من قد سافر إلى ذلك البلد ورأى المسجد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فذهبتُ أنعتُ فما زلتُ أنعتُ حتى التبس عليَّ بعض النعت قال: فجيء بالمسجد وأنا أنظر ((أي جاء جبريل عليه السلام بصورة المسجد فرآه النبي وحُجب ذلك عنهم)) حتى وضع من دون ((قرب)) دار عِقالٍ أو عقيلٍ ((شكَّ الراوي)) فنعتُّه وأنا أنظر إليه. قال: فقال القوم: أما النعت فوالله قد أصاب)).

تبقى القدس لنا

وظهر بذلك صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن رغم وضوح الحق ورغم عمق دلالة هذه المعجزة أبى الطغاة إلا الكفر، ولكن استمر النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته يبلّغ الرسالة ويؤدي الأمانة صابرًا ثابتًا متوكلاً على الله فنصر الله دينه وأعزّ جنده ودخل الناس بعد حينٍ في دين الله أفواجًا واستنارت أممٌ كثيرةٌ بنور الإيمان، وما زالت أقلام الكاتبين تخطُّ أحداث هذه المعجزة الكبرى وتسطِّر في معانيها الفوائد العظيمة ولكننا نكتب عنها اليوم وفي القلب غصة وفي النفس ألمٌ عظيم ونتساءل أين القدس اليوم؟ أين أرض المعراج التي بارك الله فيها؟ وأين المدافعون عن القدس بل أين فلسطين بأسرها؟ بل ماذا تبقَّى لنا من السيادة على بلادنا التي كانت عامرةً بأبناءٍ كرامٍ لا يرضون بالظلم؟ وها هي اليوم تستصرخ الضمائر فمن ينجدها ومن يلبي النداء؟ لقد ظُلمت امرأةٌ قديمًا فنادت: وامعتصماه، فجرَّد لها المعتصم جيشًا وخاض من أجلها حربًا وأنقذها من براثن العدو الغاشم وفي ذلك قيل:

رُبَّ وامعتصماه انطلقت               ملء أفواه الصبايا اليُتَّمِ

لامستْ أسماعَهم لكنها               لم تُلامس نخوةَ المعتصمِ

وها هي أرض المعراج اليوم تستنجد وتستصرخ الضمائر فهل من مجيب؟ لقد كانت القدس ولا تزال عربية وإسلامية ولم تكن يومًا ملكًا تاريخيًا ولا قانونيًا لأولئك اليهود شذَّاذ الآفاق، ومن درَس التاريخَ يعرف أن فلسطين إنما جعلتها القوى المتحالفة بعد الحرب العالمية الأولى تحت إشراف بريطانيا وجعلتها بريطانيا لليهود تقدمةً ممن لا يملك إلى من لا يستحق.

ولكن ما شرعه الله تعالى لا تنقُضه وعودٌ دوليةٌ ولا اعترافاتٌ أممية لا شرقية ولا غربية، فالقدس قدسنا وفلسطين أرضنا والإسلام ديننا ومحمدٌ صلى الله عليه وسلم نبينا والأرض قابعةٌ في حنايا القلب.

والحمد لله أولاً وآخراً.