2020-03-12 12:54:57

الشيخ يوسف الغوش يرد على ما قاله د. توفيق حميد: الناسخ والمنسوخ أكبر جريمة في تاريخ الاسلام

الشيخ يوسف الغوش يرد على ما قاله د. توفيق حميد: الناسخ والمنسوخ أكبر جريمة في تاريخ الاسلام

الشيخ يوسف الغوش يرد على ما قاله د. توفيق حميد: الناسخ والمنسوخ أكبر جريمة في تاريخ الاسلام

الشيخ يوسف الغوش يرد على ما قاله د. توفيق حميد:

الناسخ والمنسوخ أكبر جريمة في تاريخ الاسلام

مجلة الشراع 13 آذار 2020 العدد 1942

 

أعلم أنّ النسخ قد جاء ذكره في القرآن ، وعادة ما نستدل على النسخ بالآية : ((ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها))، ولكن كيف لنا التأكد من أنّ المقصود بالآية هنا الآيات القرآنية و ليس الآيات الكونية أو المعجزات بما أنّ المعنى محتمل؟ وهل ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يؤيد النسخ؟ و كيف يمكن معرفة الناسخ من المنسوخ؟ وكم عدد الآيات التي نسخت؟

 نص الجواب:

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:

 أولاً: النسخ في الإصطلاح: رفع حكم دليل شرعي، أو لفظه، بدليل من الكتاب أو السنة.

والنسخ ثابت في الكتاب والسنَّة ، قال الله تعالى: ((مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌٍ)) سورة البقرة / الآية:  106.

والمقصود بالنسخ في هذه الآية الكريمة هو نسخ الآيات القرآنية، لا نسخ الآيات الكونية والمعجزات الربانية، ويدل على ذلك عدة أمور:

1 - أن هذا هو الذي عليه أهل العلم قاطبة، و لا نعلم أحداً قال بأن النسخ في الآية إنما هو للآيات الكونية أو المعجزات.

قال العلاّمة ابن الجوزي رحمه الله تعالى:

((بَابُ إِثْبَاتِ أَنَّ فِي الْقُرْآنِ مَنْسُوخًا:

انْعَقَدَ إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى هَذَا إِلا أَنَّهُ قَدْ شَذَّ مَنْ لا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، فَحَكَى أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ أَنَّ قَوْمًا قَالُوا : لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ نَاسِخٌ وَلا مَنْسُوخٌ، وَهَؤُلاءِ خَالَفُوا نَصَّ الْكِتَابِ وَإِجْمَاعَ الأُمَّةِ قَالَ الله عز وجل: ((مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا)). إنتهى من كتاب نواسخ القرآن - ((صفحة : 15)) .

و أنظر تفسير ابن كثير ((1 / 375))، وكتاب زاد المسير ((1 / 98))، و تفسير القرطبي ( (2 / 61)).

2 - قوله تعالى: (( وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ)) سورة النحل/ الآية: 101، قَالَ قَتَادَةُ رحمه الله تعالى: هُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ((مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا)) سورة الْبَقَرَةِ / الآية : 106، تفسير ابن كثير ((4 / 603))، والآية الأولى ظاهرة في كون المراد بالنسخ الآيات القرآنية، بدلالة قوله تعالى بعدها: ((قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)) سورة النحل / الآية : 102.

3 - الآيات الكونية والمعجزات الربانية لا يدخلها النسخ ، إنما يكون النسخ في الأمر والنهي، والحلال والحرام، قال ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى: يعني جل ثناؤه بقوله: ((ما ننسخ من آية)): ما ننقل من حكم آية، إلى غيره فنبدله ونغيره، و ذلك أن يحول الحلال حراماً، و الحرام حلالاً، والمباح محظوراً، والمحظور مباحاً، ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي، والحظر والإطلاق، والمنع والإباحة.

فأما الأخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ .

إنتهى من تفسير الطبري ((2 / 472)).

 وقال العلامّة ابن عبد البر رضي الله عنه:

النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ إِنَّمَا يَكُونان فِي الأوَامِرِ وَالنَّوَاهِي مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَأَمَّا فِي الْخَبَرِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَوْ عَنْ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَلا يَجُوزُ النَّسْخُ فِي الأخْبَارِ الْبَتَّةَ بِحَالٍ .

إنتهى من كتاب التمهيد ((3 / 215)).

4 - إنكار النسخ لا يعرف إلا عن اليهود ، قال العلاّمة الشوكاني رحمه الله تعالى:

أَمَّا جَوَازُ النسخ : فَلَمْ يُحْكَ الْخِلافُ فِيهِ إِلا عَنِ الْيَهُودِ  ولَيْسَ بِنَا إِلَى نَصْبِ الْخِلافِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ حَاجَةٌ، وَلا هَذِهِ بِأَوَّلِ مَسْأَلَةٍ خَالَفُوا فِيهَا أَحْكَامَ الاسْلام ، حَتَّى يَذْكُرَ خلافهم في هذه المسألة ((إنتهى من كتاب إرشاد الفحول)) ((2 / 52)).

 ثانياً : ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل على وقوع النسخ في القرآن الكريم والسنة النبوية:

- فروى الإمام مسلم ((1452)) عَنْ السيدة عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ:  كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ ، بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ، وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ .

قال الإمام النووي رضي الله عنه:

((مَعْنَاهُ : أَنَّ النَّسْخَ بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ تَأَخَّرَ إِنْزَالُهُ جِدًّا، حَتَى إِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُوُفِّيَ وَبَعْضُ النَّاسِ يَقْرَأُ خَمْسُ رَضَعَاتٍ وَ يَجْعَلُهَا قُرْآنًا مَتْلُوًّا ؛ لِكَوْنِهِ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّسْخُ لِقُرْبِ عَهْدِهِ، فَلَمَّا بَلَغَهُمُ النَّسْخُ بَعْدَ ذَلِكَ رَجَعُوا عَنْ ذَلِكَ، وَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ هَذَا لا يُتْلَى)) .

إنتهى من كتاب شرح النووي على صحيح مسلم ((10 / 29)) .

- وروى الإمام  مسلم ((977)) عَنِ بُرَيْدَةَ رضي الله عنه  قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((كنت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا)) .

قال الإمام النووي رضي الله عنه:

قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ((كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا)) هَذَا مِنَ الأَحَادِيثِ الَّتِي تَجْمَعُ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ، وَ هُوَ صَرِيحٌ فِي نَسْخِ نَهْيِ الرِّجَالِ عَنْ زِيَارَتِهَا وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ زيارتها سُنَّةٌ لَهُمْ. إنتهى من كتاب شرح النووي على صحيح  مسلم ((٧ / 46)) .

ثالثاً : لمعرفة الناسخ والمنسوخ عدة طرق، منها:

1 - النصُّ الصريح الصحيح الدال على النسخ كالحديث السابق .

2 - إجماع الأمة على النسخ، ولا تجتمع الأمة على ضلالة .

3 - تصريح الصحابي بالنسخ، كما في حديث السيدة عائشة المتقدم .

4 - معرفة التاريخ ، فالمتأخر ينسخ المتقدم - يعني عند تعذر الجمع بين الدليلين.

وأنظر كتاب مقدمة ابن الصلاح - صفحة : 277، وكتاب دراسات في علوم القرآن - محمد بكر إسماعيل - صفحة : 256.

 رابعاً : معرفة الناسخ والمنسوخ من المسائل التي قد يختلف فيها أهل العلم، وقد حصر الإمام السيوطي رضي الله عنه الآيات المنسوخة في عشرين آية ذكرها في كتاب الإتقان ((3 / 77))، وقد اختلف العلماء في بعض هذه الآيات، هل هي منسوخة أم لا؟

وأنظر كتاب تكملة أضواء البيان ((9 / 195)) .

فعدد الآيات المنسوخة محل اجتهاد واختلاف بين العلماء .

 و الله تعالى أعلم .