2020-03-12 11:36:11

تركيا الآن جيش قوي ورئيس ضعيف/ بقلم محمد خليفة

تركيا الآن جيش قوي ورئيس ضعيف/ بقلم محمد خليفة

تركيا الآن جيش قوي ورئيس ضعيف/ بقلم محمد خليفة

أردوغان بدد انتصار جيشه في ادلب باتفاق موسكو المذل

تركيا الآن

جيش قوي ورئيس ضعيف

بقلم محمد خليفة

مجلة الشراع 13 اذار 2020 العدد 1942

 

 

بقلم: محمد خليفة  

أثبتت جولة ادلب الأخيرة من القتال مع الروس ووكيلهم السوري أن تركيا تملك جيشاً قوياً يستحق ترتيبه كثامن أقوى جيش في العالم, ولكن قيادته السياسية ضعيفة ومتقلبة ومن دون رؤية استراتيجية .

ويشعر مراقبون ومحللون بالحيرة في فهم عودة رجب طيب اردوغان السريعة الى أحضان بوتين رغم تنكر هذا للاتفاقات السابقة معه, ومحاولته لاخراجه من سورية خائباً وخاسراً. ويتساءلون عن مكاسب الاتفاق الذي وقعه مع بوتين يوم 5 آذار/ مارس, وماذا حقق له ولحلفائه السوريين؟

كما يتساءلون لماذا يتمسك اردوغان بالتحالف مع الروس على حساب ((الناتو)) الذي تدخل في معركة ادلب بقوة لمساندته ضد المحور المعادي ؟!  

من الضروري قبل الإجابة لفت الانتباه الى أن علاقات الجانبين وصلت مؤخراً مرحلة الاشتباك الفعلي المباشر بين العسكرين, ولكنهما أخفيا هذه الحقيقة, تحاشياً لمزيد من الاستفزاز والتحدي بينهما, خصوصاً أن تركيا في لحظة الحقيقة مع الروس تذكرت أنها عضو في حلف شمال الاطلسي , فاستنجدت به بعد الضربات الموجعة التي تلقتها من فلول جيش الأسد الهزيلة, وفقدت 34 جندياً على الأقل, فضلاً عن خسارة مواقعها الحيوية في جنوب ادلب, وفقدت ثقة حاضنتها السورية, وأوشكت أن تطرد من أدلب شر طردة. فجاء الجواب من أعلى مسؤول في الحلف, الرئيس ترامب الذي قال فوراً سندرس كيف نساعد تركيا, وقام قادة الحلف العسكريون بتنفيذ الأمر من دون جعجعة, على عكس ما ادعته غالبية المنابر أن الغرب خذل حليفه العاصي. وتبين المعلومات الدقيقة أن الحلف زج بقدراته في المعركة فوراً, فقلب الموقف الميداني رأساً على عقب, وأرسل رسالة صارمة الى الروس, مفادها أن الغرب لن يقف متفرجا على محاولة هزيمة الجيش التركي وإهانة سلاحه, ثم أرسل اثنين من كبار دبلوماسيي ادارة ترامب مبعوثه الخاص الى سورية جيمس جيفري وسفيرته في الأمم المتحدة كيلي كرافت, ليبلغا انقرا بالدعم السياسي. وعقد مجلس الحلف اجتماعاً طارئاً مخصصاً لدعم تركيا, وقال أمينه العام ستولتنبرغ إن الحلف سيساند انقرا. وصرح ترامب وبومبيو وزعماء أوروبيون أنهم مع تركيا في هذه المجابهة, وطالبوا بوتين بوقف الحملة العسكرية على ادلب فوراً.

رسائل زعماء الغرب واضحة يفهمها المرسلة اليهم, ولكنهم لم يرغبوا في إحراج الروس واستفزازهم, واكتفوا أيضاً بتذكير تركيا بفوائد عودتها للحلف!.

فيما يلي شهادة مصدر مهم عن التدخل الأطلسي في معركة ادلب رواها الباحث التركي الرئيس التنفيذي لمركز أبحاث EDAM في اسطنبول د. سنان أولغن, وهو أيضاً باحث زائر في مركز كارنيغي في أوروبا:

يرتبط نجاح الهجوم المضاد الذي شنّته القوات التركية بعد الغارات الجوية ضد قواتها ارتباطاً وثيقاً بوضع عسكري أوجده الناتو وجعله  ممكناً فعلياً، إضافة الى أن أنقرة استفادت من (منظومة الدفاع الأوروبية - الأطلسية ) التي تشترك بها. أحد الأمثلة على ذلك الطريقة التي استغل بها الجيش التركي القدرات المرتبطة بالحرب المُرتكِزة على الشبكات ضد وحدات جيش الأسد المنفردة. فكانت مقاتلة F-16 تركية واحدة قادرة على إسقاط مقاتلتين سوريتين من طراز سوخوي Su-24، ليس في معركة قتال جوي، بل وهما خارج مدى الرؤية البصرية للمقاتلة التركية. إذ حددت طائرة نظام إنذار مبكر وتحكم محمول جواً (أواكس) الهدفين، ونقلت مواقعهما والمعلومات الأخرى المهمة في الوقت نفسه إلى مقاتلة الـF-16 عبر رابط بيانات حلف الناتو ((Datalink)). ثُمَّ نُقِلَت هذه المعلومات إلى صواريخ AMRAAM جو- جو على متن مقاتلة الـF-16 ووُجِّهَت صوب هدفيها.

بهذه الآلية قلب التدخل الأطلسي معركة ادلب لصالح تركيا وأنقذ شرف جيشها الذي تعرض لضربات مهينة من شراذم عسكرية وميليشيات صغيرة، في بداية المعارك ، انهالت الضربات الخاطفة على الأتراك ، وشارك الطيران الروسي في قصف نقاط المراقبة التركية, وحذر الروس الاتراك من إقحام سلاحهم الجوي في المعركة. وعلى الصعيد الديبلوماسي كانت الاتصالات بين أردوغان وبوتين مقطوعة ، وكان القيصر يرفض الرد على اتصالات اردوغان الملحة , لمحادثته متوسلاً وقف النار واحترام اتفاقات آستانا. ظل القيصر اسبوعاًَ كاملاً يتهرب من الرد عليه، وترك لوزير خارجيته لافروف التصريح أن تركيا لم تنفذ التزاماتها , وأنها فشلت في القضاء على الارعابيين في ادلب, وأن وجود الارعابيين حتى الآن يشكل تهديداً لهم وللعالم, ولذلك لا بد من اجتثاثهم , واستغرب لافروف مطالبة عواصم الغرب وقف الحرب، واتهمها بحماية الارعابيين!

أما سير المعارك على الارض فكانت تعكس تقدماً سريعاً لقوات الأسد نحو مدينة ادلب باتجاه الحدود التركية, تحت شعار عودة النظام السوري لأراضيه الخارجة على الشرعية.

 وقرأ المراقبون في هذه الخطة توجهاً سريعاً لحسم المعركة باستعادة ادلب كاملة, وطرد  الاتراك من سورية، قبل أن يرد بوتين على اتصالات اردوغان.

وفي هذه الفترة أرسل القيصر فرقاطتين الى سواحل سورية تحملان اسمين لقائدين روسيين الأدميرال ماكاروف والادميرال غريغوروفتش يرمزان لانتصارات روسيا البحرية على السلطنة العثمانية في القرن التاسع عشر.  

أما بعد أن تدخل الناتو فعلياً فقد تغير المشهد بسرعة, وقصف الجيش التركي قوات النظام، فأسقط ثلاث طائرات حربية, وثماني هليوكبترات, ودمر عشرات الدبابات والمدرعات، وقتل أو جرح ما بين 2000 - 3000 جندي سوري ومقاتل في  أيام قليلة، فتبدل سلوك روسيا السياسي والعسكري جذرياً. سكتت عن هجوم الاتراك المضاد وحلفائهم السوريين على مواقع المحور الآخر, وتجاهلت استنجاد فلول الأسد وحزب الله بها. وعندها خفف القيصر المغرور عجرفته, ورد على اتصالات اردوغان، وأرسل فريقاً عسكرياً بسرعة الى انقرا للعمل مع الاتراك على تثبيت وقف اطلاق النار.  وحدد موعداً لاستقبال أردوغان في موسكو يوم الخميس 5 آذار/ مارس .

وبشكل متواز اتصل الرئيس الايراني حسن روحاني بأردوغان، عارضاًَ استضافة قمة ثلاثية جديدة وعاجلة لمناقشة الأوضاع!

أدرك بوتين أنه ارتكب خطأ فادحاً, وأعاد من حيث لم يرغب اردوغان للغرب, وتركيا للناتو, فسارع لإحتواء الموقف, باعادة الحرارة الى علاقاته مع اردوغان. ولكن الغريب أن هذا لم يحسن استثمار النصر الميداني المحدود الذي أحرزه جيشه في مفاوضاته مع بوتي , فوافق على اتفاق هزيل جداً يشكل هزيمة سياسية, سلّم بسقوط مئات القرى والمدن التي اجتاحتها قوات الاسد طوال عشرة شهور بين حماة وادلب وحلب, واعترف بخط فصل جديد يضع قوات الأسد وحلفائه على مسافة ثمانية كيلومترات من مدينة ادلب, بانتظار جولة جديدة قادمة بلا ريب, لأن النظام لم يلتزم بأي اتفاق مشابه سابقاً, ولا ضمانة لالتزامه بالاتفاق الجديد. بل إن الهدنة ذاتها برأي المحللين تمثل فرصة للأسد لاعادة ترتيب صفوفه وحشد قواته المفككة. ونقل موقع ((ميدل ايست آي)) عن قادة الفصائل السورية الوطنية أنها تشعر بأنها تلقت طعنة غدر جديدة من الحليف التركي, لأنه تخلى نهائياً عن مليون ونصف المليون هجروا من قراهم ومدنهم وفروا للعراء والمجهول. فالاتفاق لم يتناولهم من قريب أو بعيد, وتناسى أردوغان تهديداته للاسد اذا لم يسحب قواته من كل المناطق التي اجتاحها حيشه في الشهور السابقة.  

وعلى الصعيد الدولي والاستراتيجي يبدو واضحاً أن اردوغان لم يستوعب الدرس مما جرى، وعاد للعمل مع الروس لتثبيت حلفهما المشترك, وتجاهل تحذيرات حلفائه الغربيين والاميركيين بعدم الوثوق ببوتين, وأن يعود الى الحلف الذي لم يخذله في المعركة الأخيرة.

لا أحد يعلم حتى الآن ما الذي يدفع اردوغان للحرص على النوم مع الأفاعي الروسية .  

بعض المحللين رأوا في تجربة التعاون بين تركيا وروسيا منذ 2016 ما يظهر نقاط ضعف في شخصية اردوغان. فهو في نظرهم متقلب ومتردد ويفضل المكاسب المادية القصيرة على المصالح الاستراتيجية . ويقول أحدهم إن معركة أدلب أظهرت جيشاً قوياً ومقتدراً , يقوده سياسي ضعيف ومتردد يفتقر للرؤية الاستراتيجية, لذلك بدد انتصار جيشه, وعاد لحضن موسكو حرصاً على مصالح مادية قصيرة, كخطوط نقل الغاز الروسي عبر تركيا الى اوروبا, ومشاريع صناعية, وتجارة وسياحة مزدهرة, وينسى أن روسيا عدو تاريخي لتركيا. ويمكن لمثل هذا الخطأ أن يخسر دعم الغرب و((الناتو)) في المستقبل, كما كشفت ردود أفعال الدول الغربية على اتفاق موسكو الأخير, إذ شعرت بالخيبة, وبردت فوراً حماسة الاميركيين لمساعدته بعد أن عاد الى موسكو راضياً باتفاق هش وبمعاملة مهينة من بوتين الذي استخدم مرة ثانية الرموز التاريخية لإهانة ضيفه, إذ استقبله واجرى المحادثات معه في قاعة ينتصب فيها تمثال كاترينا الثانية, وهي الامبراطورة التي هزمت العثمانيين إحدى عشرة مرة في القرن التاسع عشر!