2020-02-27 15:03:05

هكذا يواجه العرب ضغوط واشنطن السرية لفرض صفقة القرن العاهل المغربي يصفع بومبيو.. ويرفض اغراءات نتنياهو / بقلم محمد خليفة

هكذا يواجه العرب ضغوط واشنطن السرية لفرض صفقة القرن العاهل المغربي يصفع بومبيو.. ويرفض اغراءات نتنياهو / بقلم محمد خليفة

هكذا يواجه العرب ضغوط واشنطن السرية لفرض صفقة القرن العاهل المغربي يصفع بومبيو.. ويرفض اغراءات نتنياهو / بقلم محمد خليفة

هكذا يواجه العرب ضغوط واشنطن السرية لفرض صفقة القرن

العاهل المغربي يصفع بومبيو.. ويرفض اغراءات نتنياهو

بقلم محمد خليفة

مجلة الشراع 28 شباط 2020 العدد 1940

 

 بقلم: محمد خليفة

 منذ بداية ولاية الرئيس دونالد ترامب مطلع 2017, وهو يبشر بخطته للسلام بين اسرائيل والشعب الفلسطيني, ومهد ببعض الخطوات كالاعتراف بالقدس الموحدة عاصمة أبدية لإسرائيل, ونقل السفارة الاميركية اليها فوراً يوم 6 كانون الأول/ ديسمبر 2017, وتعيين صهره جاريد كوشنير مستشاراً خاصاً له, وكلفه بملف السلام. ومن هذه الخطوات عقد مؤتمر البحرين للسلام الاقتصادي الذي يعد الفلسطينيين بتنمية مناطقهم إذا وافقوا على ((صفقة القرن)).

وفي 29 كانون الثاني/ يناير 2020 أعلن ترامب خطته التي سماها ((صفقة القرن)) بحضور نتنياهو في حفل في البيت الأبيض حضرته شخصيات اميركية واسرائيلية وعربية.

هذا كله معلن ومعروف, ولكن ما لم يعلن ولا يعرفه الناس جهود الادارة الاميركية في السر لتمرير الصفقة, وجمع التأييد لها, وخصوصاً من الدول العربية والاسلامية, لأن نجاحها وفشلها يتوقفان عليها. وقد لمسنا في لقاء عبدالفتاح البرهان - نتنياهو مثالاً للجهود التي تمارسها الادارة الاميركية في الخفاء لفرض ((صفقة القرن)) على العرب. ولمسنا مثلاً آخر في مؤتمر البحرين الذي انعقد بضغط أميركي طبعاً.

فيما يلي مثالان آخران عن هذه الضغوط, أكثر وضوحاً, أولهما من المغرب, والثاني من تونس. الأول بقي معروفاً على نطاق ضيق جداً. والثاني انكشف على نطاق العالم, ولكنه لم يلق اهتمام الإعلام في المشرق العربي.

المغرب يصفع بومبيو!

في العامين الأخيرين تركز اهتمام نتنياهو على تحقيق اختراقات تطبيعية مع القادة العرب, وزيارة عواصمهم, لما لذلك من أثر اعلامي ونفسي في اسرائيل والعالم , حيث أراد تسويق نفسه للرأي العام الاسرائيلي كزعيم متفوق, يحقق انجازات لم يسبقه لها رئيس وزراء, ووظفها لتشفع له عند الاسرائيليين لإعادة انتخابه والهروب من ملاحقته القضائية على خلفية اتهامات بالفساد. في هذا السياق تمت زيارته الى عمان في 2018, وزار وزير الاتصالات في حكومته ايوب قرا دبي بدعوة من الامم المتحدة للمشاركة في مؤتمر دولي, وزارت وزيرة الرياضة والشباب ميري ربغيف ابو ظبي لمرافقة لاعب جودو اسرائيلي في مباراة دولية أيضاً في ابو ظبي.

وزار نتنياهو في العام السابق تشاد, وهي دولة اسلامية قريبة من العرب وكانت علاقاتها مع اسرائيل مقطوعة.

وظهرت معلومات غير رسمية عن زيارته سراً اربع دول عربية أخرى, لم يعرف أي دولة منها.

في هذا السياق ذكرت وسائل اعلام اميركية وإسرائيلية أن نتنياهو طلب من ادارة ترامب مساعدته على فتح ابواب الرباط له, وترتيب لقاء مع العاهل المغربي محمد الخامس لاقناعه بإعادة العلاقات الى ما كانت عليه قبل عام 2000, أي فتح مكتبين تجاريين في البلدين. ولكن الحكومة المغربية لم توافق. وفي أواخر العام الماضي اجتمعت في واشنطن نائبة مستشار الامن القومي فيكتوريا كوتس مع سفراء عمان والامارات والبحرين والمغرب وطالبتهم بتوقيع اتفاقات عدم اعتداء مع اسرائيل, وانتهى اللقاء من دون جواب, حسب موقع (((اكسبوس)) الاعلامي الاميركي.

وبإلحاح من نتنياهو تحرك وزير الخارجية الأميركي وطلب زيارة الرباط فوافق العاهل المغربي على استقباله يوم 5 كانون الأول/ ديسمبر السابق. وكانت خطة بومبيو ان يلتقي هو ونتنياهو في لشبونة ثم ينتظره حتى يذهب الى المغرب ويطلب من الملك الموافقة على استقبال نتنياهو فإذا وافق ينتقل نتنياهو فورا للرباط ويحقق أمنيته! .

التقى بومبيو ونتنياهو في لشبونة وجلسا عدة ايام, ثم سافر بومبيو للرباط في زيارة تستمر يومين, لإجراء محادثات مع الملك ورئيس الحكومة ووزير الخارجية وتشمل ملفات عديدة ثنائية وعربية, بما فيها ((صفقة القرن)), وتشجيع المغرب على دعمها, واستقبال نتنياهو, وإعادة فتح المكاتب التمثيلية بين اسرائيل والمغرب. ولكن الرياح سارت عكس ما يتمناه بومبيو ونتنياهو في الرباط التي تناهى الى علمها ما اتفق عليه الزائر وصديقه الموجود مع زوجه ينتظران في لشبونة تحقيق هذا الاختراق.

استقبل وزير خارجية المغرب نظيره الاميركي ثم استقبله رئيس الحكومة  لمدة ساعة فقط, واجروا أحاديث مجاملة, تاركين المواضيع السياسية للملك, ولكن البروتوكول أبلغ الضيف أن الملك لن يستطيع استقباله بسبب انشغاله في مواضيع اخرى مهمة.

 فهم بومبيو المغزى, وقرر المغادرة فوراً عائداً الى واشنطن وأبلغ نتنياهو بفشل المحاولة!

لم ييأس نتنياهو وبومبيو, وقرر الأول عرض صفقة أكبر على المغرب, تتضمن اعتراف اسرائيل واميركا بمغربية الصحراء الغربية كاملة وبشكل نهائي, مقابل أن توافق الرباط على ضم اسرائيل للمستوطنات في الضفة الغربية, وغور الاردن. واذا وافق المغرب على العرض يسافر نتنياهو ووفد اسرائيلي كبير الى الرباط لإبرام الاتفاق.

 وصل العرض الى الرباط, فاطلع عليه الملك, وقرر رفضه فوراً, لأنه فهم أن الادارة الاميركية وإسرائيل تريدان تمرير ((صفقة القرن)). ورأى في الصفقة شركين, أولهما إفقاد المغرب الذي يرأس ((لجنة القدس)) ثقة العرب والمسلمين والفلسطينيين, وثانيهما أن الصفقة تساوي بين الضفة الغربية لنهر الاردن والصحراء الغربية بحيث يبدو ضم اسرائيل لجزء كبير من الضفة عملاً شرعياً وطبيعياً لا يختلف عن استعادة المغرب لصحرائه! وهذا ما يفقد المكسب المغربي من اعتراف اميركا قيمته السياسية والاخلاقية. وأبلغ المغرب رسمياً رفضه القاطع للصفقة!

تونس ترضخ

 بداية العام الجاري 2020 دخلت تونس مجلس الأمن الدولي ممثلة للمجموعة العربية, يمثلها مندوبها الدائم السفير منصف البعتي الذي يوصف بأستاذ الدبلوماسية وأكفأ دبلوماسيي تونس, وقضى معظم خدمته في الأمم المتحدة في جنيف ثم نيويورك. وجاء أول اختبار لكفاءته في بداية شباط/ فبراير الجاري اذ قررت المجموعة العربية والمجموعة الاسلامية دعوة مجلس الأمن للاجتماع فقام السفير بمهمته على أكمل وجه وعاطفة قومية, صاغ المذكرة الأولية بالتعاون مع الوفد الفلسطيني, وضمنها موقفهم ورؤيتهم. وبالتعاون مع مندوب اندونيسيا ممثل المجموعة الاسلامية وعقد اجتماعاً للسفراء العرب لاقرار المذكرة وتوزيع الادوار لحشد التأييد لها. بالطبع كان الاميركيون يرصدون نشاطه, فأغضبهم رفعه سقف الموقف العربي - الاسلامي, مستنداً الى الموقف المتقدم الذي أعلنه الرئيس قيس سعيد في خطاب تنصيبه, قال فيه إن تونس في حالة حرب مع العدو الاسرائيلي والتطبيع حرام.

 بالمقابل كان جاريد كوشنير يتحرك بنشاط في أروقة الامم المتحدة لاقناع اعضاء مجلس الأمن بعدم رفض الصفقة وعقد أكثر من اجتماع معهم, ويقال إن البعتي قاطع أحد اجتماعات كوشنير رداً على الموقف الاميركي وتعبيراً عن رفض المجموعة العربية للصفقة ولمواقف كوشنير.

فجأة وصل الى المندوب التونسي أمر بالعودة فوراً الى تونس, كان له وقع القنبلة, لأن الاستدعاء يسبق جلسة مجلس الأمن التي سيمثل العرب فيها بأربع وعشرين ساعة ((الجمعة 7 شباط/ فبراير)) وصدر بيان عن وزارة الخارجية اتهمت سفيرها بإتخاذ موقف من ((صفقة القرن)) من دون العودة لوزارة الخارجية, واتهمته بعدم الكفاءة!

اضطر السفير للعودة فوراً الى تونس وتحمل الإساءة العلنية, ولكن القرار أحدث انفجاراً قوياً في تونس, وأجمعت ردود الفعل أن القرار سياسي لا مهني, فلا أحد يشكك بكفاءة السفير المعزول, حتى أن مندوب بلجيكا ورئيس مجلس الامن أصدر بياناً يدافع عنه, وكتبت صحف ((لوموند)) و((لوفيغارو)) و((فورين بوليسي)) مقالات أكدت أن عزله سياسي لأنه تبنى موقفاً عربياً قوياً ضد صفقة ترامب يتجاوز الموقف الرسمي لتونس من الصفقة, ويضر بعلاقات تونس والولايات المتحدة.

والأغرب أن رئيس الجمهورية انضم للخارجية في هجومها على السفير وقال بيانه ((إن ما حصل عند إعداد مشروع قرار مجلس الأمن يبدو في ظاهره انتصاراً للشعب الفلسطيني ولكن في الظاهر فقط))، لافتاً إلى أنه ((لم يرجع لرئاسة الجمهورية، والخارجية)) وأشار الى وجود جهات داخل تونس نسق معها السفير في اعداد مشروع القرار, وأنه كان يعلم أن مشروع القرار سيصطدم بأكثر من فيتو ولن يمر, وعليه فالهدف الحقيقي للسفير الإساءة لتونس ورئيسها, وتعريض مصالحها مع اميركا للخطر؟

وبعد ردود افعال عنيفة في الشارع والاعلام والدوائر السياسية بما فيها أجهزة الدولة بدأت الصورة تتضح, وتبين أن مواقف المندوب التونسي القوية أغضبت الاميركيين, وخصوصاً مستشار ترامب وصهره كوشنير لعدم حضوره الاجتماع الذي نظمه مع مندوبي الدول الأعضاء في مجلس الأمن ولم يغب عنه سواه.

 بعض كبار مسؤولي الخارجية السابقين فسروا ما جرى بأنه يشي بأن الادارة الاميركية اتصلت بتونس مباشرة لتبلغها استنكارها لتحرك مندوبها في الامم المتحدة المعادي لها, وربما هددت الادارة بمراجعة علاقاتها مع تونس, وهي عبارة تعني التلويح بالعصا الاقتصادية. وكان على الدولة التونسية التصرف بسرعة والانحناء للعاصفة فقامت بعزل السفير فوراً بطريقة مهينة والتضحية به استرضاءً للأميركيين واحتواء الازمة قبل أن تكبر أكثر.

 لذلك وصف كاتب دولة سابق في الخارجية أن ما حدث فضيحة كبرى للدبلوماسية التونسية وللدولة , لأنه يفقدها مصداقيتها السياسية!