2020-02-27 14:39:39

ظاهرة الانتحار وحكمه / بقلم الشيخ أسامة السيد

ظاهرة الانتحار وحكمه / بقلم الشيخ أسامة السيد

ظاهرة الانتحار وحكمه / بقلم الشيخ أسامة السيد

ظاهرة الانتحار وحكمه

بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 28 شباط 2020 العدد 1940

 

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم: ((ولا تقتُلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما)) سورة النساء.

نسمع بين الحين والآخر أن فلانًا أقدم على قتل نفسه أو أن فلانًا قتل زوجه ثم قتل نفسه ويُعلل بعضهم ذلك أنه انتحر بسبب الفقر أو بسبب البلاء أو غير ذلك، وقد تعددت هذه الظواهر في شتَّى الدول وهي آفةٌ مدمّرة لا يُقحم نفسه فيها إلا ضعفاء النفوس، ولعل كثيرًا من الناس يظنون أنهم يتخلَّصون بقتل أنفسهم من النوائب التي يتعرضون لها ويرون في الانتحار حلاً لمشاكلهم وأنه ألمُ لحظاتٍ تعقُبُه السلامة والراحة مما يُعانون، ولا يتأتى مثل هذا إلا ممن جهل حقائق الأمور وذلك أن قتل النَّفس التي حرَّم الله إلا بالحق كبيرةٌ من كبائر الذنوب بل هو أكبر ذنبٍ بعد الكفر، فمن قتل نفسه أو قتل غيره ظلماً استحق عذاب الله الشديد في الآخرة، فإنه لا يجوز للمرء أن يتصرَّف في جسده إلا بما أذن فيه الله، فعن أبي بَرزَةَ الأسلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن أربعٍ عن عمره فيما أفناه وعن علمه ماذا عمِل به وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وعن جسمه فيما أبلاه)) رواه البيهقي.

فمن علم أنه مسؤولٌ عن جسمه فليتق الله في نفسه، ومعنى الحديث أنه لا تزول قدما عبدٍ عن موقف الحساب يوم القيامة حتى يُسأل عن ذلك.

ومن فرَّط في جسده بالانتحار فقد اقترف ما نهى الله عنه وتوعَّد عليه بالعقاب الشديد كما دلَّت الآية أعلاه.

خطورة الانتحار وحكمه

وبالتالي فعلى المرء أن يصبر على نكَبات الدهر وأن يوطِّد نفسه على التحمُّل ورباطة الجأش لا أن يُزهق روحه بالانتحار فيُعرِّضها للعذاب الطويل والأليم، فإنما المنتحر أحد اثنين إما مستحلٌ للانتحار وهذا ضلالٌ مبينٌ وخروجٌ من ملة المؤمنين، وإما غير مستحلٍ له وهذا فاسقٌ آثمٌ يستحق العقاب الشديد إن لم يغفر الله له ومآله آخر الأمر الخروج من النار ودخول الجنة، فإن سأل سائل: إذًا ما معنى ما جاء في الحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من تردَّى (ألقى نفسه) من جبلٍ فقَتل نفسه فهو في نار جهنم يتردَّى فيها خالدًا مخلَّدًا فيها أبداً، ومن تحسَّى ((شرب)) سُمًّا فقتل نفسه فسُمُّه في يده يتحسَّاه في نار جهنم خالدًا مُخلَّدًا فيها أبداً، ومن قتل نفسه بحديدةٍ فحديدته في يده يجأ ((يطعن)) بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مُخلَّدًا فيها أبداً))  فالجواب أن المراد بالخلود هنا الخلود النسبي وهو المكث الطويل أو هو محمولٌ على من قتل نفسه استحلالاً لذلك، فإن المنتحر الذي يُقدم على هذا الذنب ويرى أنه حلالٌ في الشرع يكون مكذبًا للدين فيخلد في العذاب.

وقد أكَّد النبي صلى الله عليه وسلم تحريم قتل النفس بغير حق وزجر عن ذلك زجرًا عظيمًا تنبيهًا وتعليمًا للأمة ليكون المرء وقَّافًا عند حدِّ الشرع ولا يحمل نفسه على المهالك بتعريضها للعقاب العظيم الذي يستحقه بفعل الانتحار، ففي ((شرح مشكل الآثار)) للطحاوي عن جابر بن سَمُرة قال: ((نحر رجلٌ نفسه بمِشقَصٍ ((سهم عريض النَّصل)) فأُخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إذًا لا أُصلي عليه)) وإنما امتنع النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة عليه زجرًا لغيره عن مثل هذا الفعل كي لا ينجرَّ غيره من المؤمنين إلى مثل هذه الجريمة الشنيعة، لا لأنه رأى كفر المنتحر بدليل أنه لم ينه الصحابة عن الصلاة عليه كما أوضح ذلك ابن بطَّالٍ في ((شرح صحيح البخاري)) فقال: ((أجمع الفقهاء وأهل السنة أن من قتل نفسه أنه لا يخرج من الإسلام وأنه يُصلَّى عليه وإثمه عليه)) وفيه أيضًا: ((لأن الرسول صلى الله عليه وسلم سنَّ الصلاة على المسلمين ولم يستثن منهم أحدًا فيُصلَّى على جميعهم الأخيار والأشرار)).

وقد عنون الإمام مسلم في صحيحه ((باب الدليل على أن قاتل نفسه لا يكفر)) وروى فيه أن الطَّفِيل بن عمروٍ هاجر إلى المدينة وهاجر معه رجلٌ من قومه فمرض فَجَزِعَ ((الجَزَع ضد الصبر)) فأخذ مشَاقِص ((جمع مِشقَص وقد مرَّ شرحه)) له فقطع براجمه (مفاصل الأصابع) فشخَبت يداه ((سال دمها)) حتى مات فرآه الطفيل في منامه وهيئته حسنة ورآه مغطِّيًا يديه فقال له: ما صَنع بك ربك. فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه صلى الله عليه وسلم. فقال: ما لي أراك مغطيًا يديك. فقال: قيل لي لن نُصلح منك ما أفسدت. فقصَّها الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم ولِيَدَيْه فاغفر)) ولو كان الانتحار بمجرده كفرًا لما دعا النبي صلى الله عليه وسلم له بالمغفرة فقد قامت نُصوص الكتاب والسنة على أن الله لا يغفر للكافر.

وقال الإمام أبو جعفرٍ الطحاوي السلفي في ((عقيدته)): ((ولا نُكفِّر أحدًا من أهل القبلة بذنبٍ ما لم يستحلَّه)).

ولكن وإن كان الحق أن الانتحار ليس كفرًا إلا أنه ذنبٌ قبيحٌ وجريمةٌ نكراء تنشأ عن ضعف الإيمان، أو عدمه عند من يُبيحه، فعلى المؤمن أن يتوكل على الله في كل آنٍ وأن يصبر على الشدائد، فإن المرء قد يتعرَّض لما يكره فيظهر له بعد ذلك أنه كان خيرًا له وقد يفرح بشيءٍ فيتبين له بعد زمنٍ أن ما أحبه كان شرًا له، قال تعالى: ((وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم وعسى أن تُحبوا شيئًا وهو شرٌ لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون)) سورة البقرة. والمعنى أن الله يعلم ما هو خيرٌ لكم وأنتم لا تعلمون من ذلك إلا ما يُبيِّنه الله لكم فبادروا إلى ما يأمركم به، وإن كان في ذلك إرغامٌ للنفس وحملٌ لها على خلاف ما تميل إليه فإن الله حكيمٌ عليم.

والحمد لله أولاً وآخراً.