2020-02-20 12:27:22

هل يكون حسان دياب شفيق الوزان الجديد؟ كتب: زين حمود

هل يكون حسان دياب شفيق الوزان الجديد؟ كتب: زين حمود

هل يكون حسان دياب شفيق الوزان الجديد؟ كتب: زين حمود

هل يكون حسان دياب

شفيق الوزان الجديد؟

كتب: زين حمود

مجلة الشراع 21 شباط 2020 العدد 1939

 

كتب زين حمود

من المبكر الحكم على ما يمكن ان تنجزه حكومة حسان دياب بعد نيلها الثقة في سياق السعي للحد من الخسائر والتخفيف من حدة الأزمة غير المسبوقة مالياً واقتصادياً وضمان عدم تسببها بثورة جياع عامة وشاملة تهدد بدخول البلاد في فوضى وانهيارات على كل الأصعدة والميادين.

ثورة جياع باتت ظروفها الموضوعية جاهزة, بعد الفلتان الحاصل في سعر صرف الدولار وانعدام وجود كوابح يمكن البناء عليها  للجمه, وتدني القوة الشرائية لرواتب كل اللبنانيين العاملين في القطاع العام او الخاص, فضلاً عن عمليات الصرف الجماعي في شركات ومؤسسات كبرى وصغرى وتضرر قطاعات حيوية من جراء ذلك وفي مقدمتها القطاع الصناعي وسوق العقارات, عدا عن ارتفاع أسعار السلع الأساسية بشكل غير مسبوق.. الخ.

 كما انه من المبكر الحكم في السياق نفسه على مآل الاوضاع الراهنة, وما ستنتهي اليه على صعيد رسم خارطة سياسية جديدة ,من تحالفات قديمة متجددة او تحالفات فرضتها ضرورات المرحلة الصعبة الآخذة أكثر فأكثر في التأزم والتعقيد رغم تشكيل حكومة حسان دياب التي حرص رئيسها على تسميتها بحكومة مواجهة التحديات.

وأول ما يمكن الجزم به على هذا الصعيد هو ان لا عودة الى اصطفافات الثامن والرابع عشر من آذار/ مارس, او ان اصطفافات جديدة من نوع التوزع بين داعمي التوجهات الاميركية في لبنان ومعارضيها على الخط او المحور الايراني - السوري ستنشأ, فقبل الوصول الى خلاصات عن اصطفافات من هذا النوع او ذاك ثمة موانع عديدة, لعل أبرزها حالة التهيب التي تصيب جميع الاطراف حالياً ومن دون استثناء.

حالة تهيب لا بل خشية من انهيار الهيكل برمته. لأن انهيار الهيكل اذا حصل سيصيب الجميع من هذا المحور او ذاك, ومن هذه الفئة او تلك, لأن ((لا خيمة فوق رأس احد تحفظه او تحميه)) كما يقول المثل العامي. ولهذا السبب فإن الجميع يحاذر الدخول في لعبة حصد النقاط ربحاً وخسارة, وظهر ان اولوية معظم الأطراف إجمالاً انصبت على الخروج أولاً من حالة الفراغ وتمرير عملية منح الثقة للحكومة في المجلس النيابي كون هذه الحكومة رغم الملاحظات التي تكاد لا تحصى عليها وعلى وطبيعتها وتركيبتها ووجوهها ((أفضل من الفراغ)) كما عبر النائب السابق وليد جنبلاط.

والجميع يعرف على حد تعبير مرجع نيابي ان هناك مفاتيح داخلية وخارجية لباب الخروج من الأزمة, وان الحكومة الحالية وإن كانت من نوع رسائل حسن النية التي ارسلها الفريق الذي أمن ولادتها وانطلاقها الى الخارج، وخصوصاً للولايات المتحدة، بعيداً عن التصعيد والمكابرة كونها تضم وزراء من التابعية الاميركية كما قال النائب جهاد الصمد, فإن هناك انقساماً حول أهليتها من جهة وتبايناً في مقاربة التعاطي الاقليمي والدولي معها لا سيما على المستويين الاميركي والعربي.

وأكثر ما يستوقف في هذا المجال, ليس فقط اعلان الرئيس سعد الحريري وفاة التسوية الرئاسية, بل الواقع المر الذي دخله العهد برئيسيه ((ميشال عون وجبران باسيل)) كما عبر زعيم تيار المستقبل، وهو العهد الذي تعمل الحكومة الجديدة في ظلاله. الواقع المر والصعب الذي يحاول رجله جبران باسيل وبشتى الوسائل تجاوزه بعد تحطم مشروعه وهزائمه في المعارك الكبرى التي خاضها ضد اكثر من طرف وفي أكثر من ملف.

 ومن ضمن ذلك, محاولة  باسيل تقديم اوراق اعتماده في واشنطن وكأنه يقدم عرضاً لها  بالارتماء بالحضن الاميركي بعد لقاء الساعات الثلاث والنصف مع السفيرة الاميركية اليزابيث ريتشارد ودعوته لتطبيق قانون مكافحة الفساد الاميركي في لبنان, فضلاً عن كلمته في مجلس النواب وتلويحه بالذهاب الى الفدرالية بعد كلامه الجديد ولو العابر عن فائض القوة الذي يقصد به ((حليفه)) حزب الله.

وسط هذه المعطيات تبدأ الحكومة الجديدة, ((مواجهة التحديات)) كما يطمح رئيسها, وعينه على ما يدور في الأروقة والكواليس السياسية من جهة وما يحصل في الشارع على مستوى رفع شعار لا ثقة للحكومة من جهة ثانية، وعلى مسار التعاطي الدولي والاقليمي مع حكومته المتهمة بأنها حكومة اللون الواحد او حكومة حزب الله من جهة ثالثة.

  دياب وثوابت دار الفتوى

الرئيس الجديد للحكومة تلقى جرعة دعم ولو معنوية بعد زيارته الى دار الفتوى. هذه الزيارة التي كانت مرهونة بنيل الحكومة الثقة, بعد ان جرى توكيد ذلك من خلال مروحة اتصالات شملت الرؤساء السابقين سعد الحريري وفؤاد السنيورة ونجيب ميقاتي وتمام سلام. إلا ان جرعة الدعم هذه مشروطة سنياً كما صار واضحاً بعدم تجاوز دياب ما يمكن تسميته الخطوط الحمر التي وضعها رؤساء الحكومة السابقون وفي مقدمتها عدم تجاوز اتفاق الطائف وعدم التفريط بصلاحيات موقع رئيس مجلس الوزراء .

وكان لافتاً في هذا الاطار دعوة الرئيس نجيب ميقاتي ومن ثم الرئيس الحريري الى انتخابات نيابية مبكرة, وهو ما يشكل احد مطالب مجموعات ناشطة في الحراك الشعبي, من دون ان يعرف بعد ما اذا كان هذا الموقف سيتحول الى مطلب عام لدار الفتوى والطائفة السنية كشرط من شروط أي تسوية مقبلة.

.. وكل هذه العناوين هي عناوين عامة وفضفاضة يمكن لأي موقف يتخذه دياب او أي قرار يقدم على تنفيذه ان يتم النظر اليه ضمن هذا المنحى الملتزم بالطائف وعدم المس بصلاحيات الرئاسة الثالثة وضمن منحى مضاد, طبقاً لمسارات أخرى تتصل بالحسابات السياسية والموقف من العهد والأهم الظروف العامة داخلياً وخارجياً.

ويسجل لدياب انه منذ اليوم الأول لتكليفه ومن ثم الاعلان عن حكومته ونيلها ثقة المجلس النيابي, انه قدم  نفسه بصورة الرجل الذي لا يكل ولا يمل نشاطاً ومتابعة ودراسة للملفات والقضايا المطروحة أمامه, وعمله بالتالي يمتد على مدى ساعات النهار وساعات متقدمة من الليل, مجرياً أوسع مروحة من الاتصالات مع اصحاب الاختصاص والرأي, فلا يترك شاردة او واردة الا ويضعها قيد المتابعة والتدقيق, بعيداً عن الارتجال والانفعال مع حماس مندفع في محاولة تحقيق انجاز, ربما وفق قاعدة في ((الحركة بركة)), رغم معرفة الجميع ان كل ذلك لا يكفي كون مفاتيح الخروج من باب الأزمة ليست في يده، وانها- كما ورد آنفاً - مركبة ومتقاطعة داخلياً وخارجياً وتتجاوز قدرة أي شخص مهما كان على اجتراح ((المعجزات)) بعد ان ولى زمن هذه المعجزات.

وفي ظل الانقسام السائد في البلاد بين مانحي ثقتهم للحكومة وبين من حجبها عنها في المجلس النيابي وفي الشارع على مستوى الحراك, وفي ظل الأزمة غير المسبوقة في البلاد مالياً واقتصادياً وغياب أي دعم دولي وعربي فعلي وجدي, يبدو ان دياب محكوم باعتبارات وتوجهات ومواقف وحتى سياسات متناقضة ومتضادة ومتعارضة, لن يستطيع التوفيق بينها او الخروج من حقول الغامها المفتوحة في كل ملف وقضية, رغم ما عرف عنه من عناد وإصرار على تنفيذ ما يقرره هو مهما كانت الظروف والاعتبارات.

وثمة أحاديث تكاد لا تنتهي عن عناده وتمسكه بفعل ما يريد سواء في لقاءاته مع قيادات عديدة يتقدمها رئيس الجمهورية او مع شخصيات سياسية أخرى صديقة وغير صديقة.

ولا نقول انه من نوع المتشبثين ((بالعنزة ولو طارت)) كما يقول المثل العامي, إلا انه وفي أكثر من واقعة كان يتمسك بموقفه مهما كانت الاعتبارات، ربما توضيحاً وشرحاً لما يريد تنفيذه من توجهات وسياسات في غير مجال وعلى أكثر من صعيد.

وعلى سبيل المثال لا الحصر, فإنه رفض في جلسة منح الثقة للحكومة طلب الرئيس نبيه بري باختصار كلمته من نحو 25 دقيقة الى 5 دقائق وبما لا يزيد عن عشر دقائق.

وقد جاء طلب بري من منطلق العمل على تأمين منح الثقة للحكومة يوم الثلاثاء قبل الماضي وعدم تمديد الجلسات الى اليوم التالي كما كان معلناً بسبب الوضع في الشارع واحتمال تطيير جلسة الثقة في حال تم التمديد, ولذلك عمل على قاعدة ان منح الثقة للحكومة وهي مضمونة أفضل من تركها ليوم آخر والذهاب الى حكومة لم تستطع نيل الثقة، خصوصاً بعد ان قام بسلسلة اتصالات صباح ذلك اليوم من أجل تأمين نصاب الجلسة, مع النائب السابق وليد جنبلاط ومع الرئيس سعد الحريري .

ولذلك قام بري  بالطلب من رؤساء الكتل بتقليص اعداد الذين سيتحدثون بإسمها, ونجح في اختصار عدد خطب طالبي الكلام  من 42 الى 17 نائباً, كما قام باختصار فترة الاستراحة بين جلستي الصباح والمساء الى ساعة واحدة تناول خلالها النواب الغداء بما تيسر بعد ان تم احضار ((سندويشات)) فلافل لهم.

 إلا ان بري اصطدم برفض دياب اختصار كلمته المكتوبة خطياً والتي  أصر على تلاوتها كاملة من دون ان ينقص منها حرفاً واحداً.

هذه الواقعة قد تكون غير مهمة, الا انها تعطي فكرة ولو معينة عن عقلية رئيس الحكومة الجديد الذي لا يرد على احد من جهة، ويقوم بعمل ما يراه هو ولا أحد غيره مناسباً من جهة ثانية, حتى لو كان ما هو مطلوب منه يتعلق بمسألة تتصل بمصير رئاسته للحكومة بين ان تكون دستورية بثقة المجلس وبين ان لا تكون كذلك, وهي عقلية  قد لا تكون مرنة وواقعية وبعيدة عن ((الأنا)) الا انها تعكس منهجية وطريقة تفكير سيكون لها مكانها في ايقاع ما سيحصل من خطوات في المدى القريب والبعيد.

و السؤال المطروح هنا: كيف يمكن لرجل يملك مثل هذه العقلية ان يتعاطى مع كم التناقضات الواسع الموجود امامه داخل الفريق الذي سماه لرئاسة الحكومة وتبنى ايصاله الى سدة الرئاسة الثالثة أولاً، وفي التعاطي مع الأطراف الداخلية التي لم تمنح حكومته الثقة ثانياً. هذا فضلاً عن فريق العهد الذي سيضع أي خطوة يقدم عليها دياب في ميزان ما يفيده وما يضره وفي ما يحقق له من مكاسب وما يلحق به من خسائر, من دون نسيان المزاج العام في الشارع والمناخات الشعبية المستاءة الآخذة في الاتساع بعد تفاقم الأزمة المعيشية والمالية والاقتصادية ودخولها كل بيت وحارة ومدينة وبلدة وقرية في لبنان.

  شفيق الوزان الجديد؟

إلا ان بيت القصيد لا يختصر في هذا المجال، وهو يتعلق بما يتخوف منه في بعض الأوساط ((القلقة)) في الفريق السياسي الداعم لحكومة دياب. والتي تتحدث عن ان الصورة باتت أكثر وضوحاً اليوم بالنسبة لما يتعرض له لبنان، مشيرة الى ان ما نشهده حالياً هو اجتياح جديد للبنان على غرار اجتياح العام 1982, وان هذا الاجتياح ليس عسكرياً او اسرائيلياً بل هو اجتياح اقتصادي ومالي يراد منه إفقار اللبنانيين وتجويعهم, مشيرة الى ان النائب ميشال معوض المعروف بصداقاته الواسعة مع مسؤولين اميركيين كان أول من أشار الى اننا نعيش مرحلة مجاعة على غرار ما عاشه لبنان في الحرب العالمية الأولى عام 1914.

واذا كان هدف الاجتياح الاسرائيلي عام 1982 هو رأس منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان واخراجها منه, فإن هدف الاجتياح الاميركي اليوم هو رأس حزب الله وإخراجه منه عسكريا وأمنياً.

وليس معروفاً بعد حسب الأوساط نفسها ما اذا كنا دخلنا الفصل الأخير من فصول هذا الاجتياح ام ان هناك المزيد من الخطوات التصعيدية التي سنشهدها من أجل احكام الحصار قبل حلول الفصل الأخير, ولا ينقص حتى الآن سوى تعيين موفد اميركي على غرار الموفد الاميركي فيليب حبيب الذي حضر الى لبنان في العام 1982 من أجل اكمال ما بدأه الاسرائيليون على الارض بعد محاصرة بيروت وإغراقها في بحر من الغارات الجوية والقصف المدفعي والصاروخي براً وبحراً.

اجتياح من نوع جديد بأساليب وطرق غير عسكرية, يراد منه جر لبنان وبيئته الشعبية ومن ضمنها البيئة التي يتواجد فيها حزب الله الى الاختيار بين امرين لا ثالث لهما وهما: إما الذهاب الى مجاعة كاملة وشاملة وإفقار واسع وضرب اقتصاد لبنان وعملته الوطنية وقطاعاته الانتاجية وتجفيف موارده المالية, وإما التخلي عن منطق المقاومة وسلاح حزب الله, وتالياً انهاء ما يسميه الاميركيون الحضور الايراني في لبنان الذي تريده واشنطن جزءاً من دائرة نفوذها في المنطقة.

اما دور حسان دياب على هذا الصعيد فهو استنساخ دور رئيس الحكومة الراحل شفيق الوزان, الذي شهدت حكومته الاولى في عهد الرئيس الياس سركيس الاجتياح الاسرائيلي, اما حكومته الثانية في عهد الرئيس السابق امين الجميل فشهدت توقيع اتفاق 17 ايار / مايو المشؤوم والذي تم اسقاطه كما هو معروف, علماً ان اختيار شفيق الوزان لرئاسة الحكومة الاولى في عهد الأخير جاء بعد اغتيال بشير الجميل الذي كان طامحاً لأن يكون زعيم السنة في ذلك الوقت الرئيس الراحل صائب سلام رئيساً لأولى حكوماته.

من هنا فإن الكلام عن ان حسان دياب سيكون شفيق الوزان الجديد بدأ يرد على ألسنة الكثيرين سواء من مراقبين او من شخصيات سياسية عديدة ومن أكثر من طرف ((حليف)) او غير داعم لحكومته, وليس فقط لإحتمال الشبه القائم بين ما تعرض له لبنان في العام 1982 وبين ما يتعرض له اليوم, بل وأيضاً للشبه القائم بين شخصية كل منهما وتعاطيهما مع المسائل والملفات والقضايا المطروحة فضلاً عن منهجية التفكير ومقاربتهما للأمور, وذلك من دون الانتقاص من مزايا رئيس الحكومة الراحل المشهود له بطيبته وآدميته والذي حمل أكثر مما يحتمل لمجرد تمسكه برئاسة الحكومة .

فهل ان حسان دياب فعلاً هو شفيق الوزان الجديد؟

الجواب على السؤال بالطبع لا يملكه رئيس الحكومة الجديد وحده, فالظروف العامة للبلاد داخلياً وخارجياً هي التي تعطي مثل هذا الجواب, إلا ان لدياب كلمته وهي التي ستكون الكلمة الفصل في ان يحمل او ان لا يحمل أكثر مما يحتمل.