2020-02-20 12:07:31

هل يتحكم ايرانيو اميركا بمصير ترامب؟ بقلم: السيد صادق الموسوي

هل يتحكم ايرانيو اميركا بمصير ترامب؟ بقلم: السيد صادق الموسوي

هل يتحكم ايرانيو اميركا بمصير ترامب؟ بقلم: السيد صادق الموسوي

هل يتحكم ايرانيو اميركا بمصير ترامب؟

السيد صادق الموسوي

مجلة الشراع 21 شباط 2020 العدد 1939

 

حجم قوة الايرانيين في الولايات المتحدة يبلغ عددهم اليوم حوالى ثلاثة ملايين، فإنهم أولاً ينقسمون الى 3 مجموعات:

1- الذين خرجوا من إيران إلى الولايات المتحدة قبل انتصار الثورة لكسب العيش، وهؤلاء اندمج أكثرهم في المجتمع الأميركي ولم يعودوا يهتمون كثيراً بالتطورات في إيران، وأكثر هؤلاء انقطعت علاقاتهم تقريباً حتى مع أقرب الناس إليهم في وطنهم.

2- الذين خرجوا من إيران بعد انتصار الثورة كطلاب في البداية لكنهم بعد فترة استوطنوا في دول غربية متعددة منها الولايات المتحدة وبدأوا بترتيب أمور حياتهم هناك لكنهم على تواصل مستمر مع أقربائهم الموجودين في مختلف أرجاء إيران، وهؤلاء يتابعون أخبار التطورات باهتمام ولا يقبلون بأن يصيب بلدهم أي مكروه، وعدد هؤلاء كبير.

3- الذين خرجوا من الإيرانيين غير المسلمين بفعل الثورة الإسلامية خوفاً على دينهم وتوطنوا في دول مختلفة ومنها الولايات المتحدة، عملت وسائل الإعلام الغربية والصهيونية كثيراً على خلق أجواء الخوف لدى هؤلاء وإيهامهم بأن الجمهورية الإسلامية سوف تجبر أتباع الديانات الأخرى على اعتناق الإسلام بالإكراه، وهؤلاء عرفوا بعد ذلك أن التخوفات كانت في غير محلها، بعدما تمّ انتخاب نواب للمجلس من أتباع الديانات السماوية الثلاث المسيحيين واليهود والمجوس بأصوات مواطنيهم، ورأوا أن ممارسة شعائرهم وطقوسهم الدينية تتمّ بكل حرية ومن دون أي عائق، وهؤلاء أيضاً عادوا إلى الحنين للوطن وأعادوا التواصل مع أقربائهم الذين لم يغادروا إيران، وهؤلاء كذلك لا يرضون بأن يلحق الأذى ببلدهم وإخوانهم في المواطنة.

4- الذين هربوا من إيران بعد سقوط نظام الشاه ممن كانوا أعضاء في مؤسسات النظام البائد أو مشاركين لهم في نهب ثروات الشعب، وينقسم هؤلاء إلى:

أ- عناصر رئيسية في نظام الشاه، وهؤلاء فرّوا قبيل الإنتصار وأخذوا ما أمكنهم مما خفّ وزنه وغلا ثمنه وهم ما يزالون يتنعمون بما سرقوا، وهذه العناصر تخاف المساءلة والمحاسبة إن عادت إلى الوطن، ولذلك لا يفكر أحد منهم أبداً بالعودة بل يمنّي نفسه بسقوط النظام الحالي يوماً ليفكر عندئذ بالعودة، وهؤلاء يئسوا مع مرور الوقت من تحقق أمنيتهم.

ب - عناصر غير أساسية في هيكل النظام لكنها كانت مستفيدة من فتات ذلك النظام واستغلت علاقاتها لتكسب ثروة كبيرة عبر تأسيس مصانع ومعامل ومؤسسات مختلفة تدرّ عليها المال الكثير، وهؤلاء تأثر كثير منهم بالدعايات المعادية وجمعوا ما أمكنهم من المال وفرّوا من إيران، لكن مرور السنوات جعلهم يتحررون من المخاوف الكاذبة، و بدأوا بالعمل عبر المؤسسات القضائية الإيرانية لإستعادة ممتلكاتهم التي تمت مصادرتها في الأيام الأولى للإنتصار، وقد نجح كثير منهم في الأمر وعاد إلى العمل في مؤسساته السابقة واستغلال ممتلكاته.

ج- العناصر الهامشية التي تورطت في بعض المراحل في ارتكابات لمصلحة نظام الشاه وخافت مع سقوطه من التعرض لها والإساءة إليها في خضم الثورة الشعبية والهياج العام كما يحصل عادة في جميع الثورات بُعيد انتصارها، وهؤلاء سرعان ما أدركوا أن النظام الجديد غير كيدي وهو يفتح صدره لجميع من هم يريدون خدمة وطنهم حتى وإن كانوا ارتكبوا بعض السيئات في السابق، ولقد حسم الإمام الخميني الأمر بالقول أن العيار المهم هو الحال الحاضر للأشخاص، ولقد عاد قسم كبير من هؤلاء إلى إيران وهو يتحرك بكامل الحرية وبعضهم انخرط في هيكل الحكم الحالي ويخدم الجمهورية الإسلامية بكل إخلاص.

5- بقي الأشخاص الذين كانوا في المعارضة أيام حكم الشاه وفي تنظيمات مختلفة من وطنية وعلمانية ويسارية وماركسية والذين فُتحت لهم الآفاق بفعل الثورة الشعبية وقاموا بنشاطات وتحركات فاستقطبوا بعض أفراد المجتمع وبعضهم تسلم أيضاً مناصب مهمة في الدولة، لكن التطورات جعلتهم يشعرون شيئاً فشيئاً أن لا رصيد شعبياً واسعاً لهم، فانكمشوا في مرحلة أولى، لكن بعضهم تورط في أعمال عنفية وتحركات ضد نظام الجمهورية الإسلامية الذي اكتسب الشرعية الشعبية بالإستفتاء والذي أيّده الشعب  بأكثر من 98% من الأصوات.

ويبلغ مجموع الإيرانيين الموجودين في مختلف مناطق الولايات المتحدة حسب بعض التقارير حوالى ثلاثة ملايين، وأغلبهم من ذوي المهارات والنبوغ العلمي، وهم يتوزعون في مختلف التكتلات السياسية والإقتصادية والمؤسسات العلمية حتى أن نسبة العلماء الإيرانيين الأعضاء في منظمة الفضاء الأميركية ((ناسا)) يبلغ 43%، إضافة إلى الدور الكبير للأميركيين ذوي الأصول الإيرانية في الميدانين الإقتصادي والمالي، والحضور البارز في عالم الصحافة والإعلام، وللإيرانيين الموقع القوي في الحزبين الأساسيين الجمهوري والديموقراطي في أميركا، والغالبية العظمى من هؤلاء يحنّون إلى إيران وكثير منهم يزورون وطنهم في مناسبات مختلفة وهم يحافظون على تقاليدهم وعاداتهم الإيرانية حتى اليوم، ولقد التقيت أنا مع أشخاص منهم أثناء تجوالي في مختلف الدول طوال أكثر من 28 عاماً والبحث في مكتباتها عن مصادر اسلامية تحتوي على شيء من خُطب وكلام الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وكانت نتيجة ذلك الجهد التحقيقي كتاب ((تمام نهج البلاغة)) والذي هو اليوم موضع ثقة مراجع الدين ويستند اليه أكثر الباحثين في المراكز العلمية والجامعات في بحوثهم الإسلامية والتاريخية، ولقد رأيت مدى شوق من التقيت من الإيرانيين في الولايات المتحدة وغيرها للتحدث معي وباللغة الفارسية وإبداء الإستعداد لتقديم كل مساعدة لي في مجال بحثي العلمي.

أمام هذا الواقع والحضور القوي لنخبة الإيرانيين في مجالات الولايات المتحدة كافة فلا بد لأي رئيس أن يأخذ في الحسبان هذا الحضور المؤثر، وهي كلها ترفض بقوة المواجهة العسكرية مع الجمهورية الإسلامية في إيران، وحتى بعد تعرض اهم قاعدة عسكرية للولايات المتحدة في المنطقة ((عين الأسد)) بوابل من الصواريخ بعيدة المدى ووقوع عدد كبير من القتلى والجرحى فيها من العسكريين والذين تخفي الإدارة الأميركية حتى اليوم أعدادهم، وقد أنكر الرئيس ترامب بُعيد الضربة وقوع أية إصابات بين جنود القاعدة، لكن بعد أيام بدأ يتكشف وبالتقسيط عدد الضحايا حتى بلغ اليوم حدود الـ 100بتصريح وزارة الدفاع الأميركية متوقعاً ارتفاع العدد.

وجاءت الخطوة الأخيرة ذات الدلالة الكبيرة على التأثير القوي للإيرانيين في مراكز القرار قبل أيام حيث صوّت أكثرية أعضاء الكونغرس ذي الأكثرية الجمهورية بعدما صوت أغلبية أعضاء مجلس النواب ذي الأكثرية الديمقراطية على الحدّ من صلاحية الرئيس ترامب فيما يتعلق بالقيام يأي خطوة عسكرية ضد الجمهورية الإسلامية بالتحديد وإلزامه بأخذ موافقة مسبقة من مجلسي النواب والشيوخ على ذلك، وجاءت هذه الخطوة على الرغم من الجهود الكبيرة التي يبذلها بعض الدول وبالتنسيق مع اللوبي الصهيوني وبتحريض من بعض الحاقدين من ((المنافقين)) الذين نبذهم الشعب الإيراني كلياً من أجل دفع الإدارة الأميركية نحو المواجهة العسكرية مع إيران.

إن  التطورات أثبتت لكل المتابعين للأمور أن إيران اليوم قد استطاعت الخروج من حالة الضعف التي أرادها لها الأعداء وهي تملك قوة ذاتية فائقة في المجال العسكري تستطيع ضرب المواقع التي تشكل مصدر تهديد لها في أبعد نقطة في المنطقة من دون أن تعترض صواريخها أحدث وسائل الدفاع التي تتباهى بها الولايات المتحدة، وهي تسكت على مضض على القصف الإيراني المركّز لأنها على يقين بأن أي رد على ذلك سيصب جام الغضب الإيراني على الكيان الصهيوني الولد المدلل للولايات المتحدة وذلك عبر توجيه آلاف الصواريخ المدمرة على جميع مواقعه الحيوية ومستوطناته، إضافة إلى استهداف الأساطيل الأميركية في المنطقة والقواعد العسكرية المنتشرة بالعشرات في دول الجوار لإيران، إضافة إلى القوة الإيرانية في الداخل الأميركي والذي شرحناه آنفاً والتي يجب على كل من يبغي الوصول إلى المواقع المهمة ومنها الرئاسة أن يأخذها في الإعتبار، ولا تنفع مئات المليارات التي يتمّ صرفها لتغيير هذه المعادلة.

إن الخيار الأفضل هو التحرر من الأحقاد الدفينة، الإعتبار من التجارب الفاشلة طوال الـ 41 سنة الماضية، والعودة إلى التعاون بين دول المنطقة، وعدم الرهان على مساندة القوى الإستكبارية، وتوفير المال الكثير لصرفها على النمو الإقتصادي للبلاد وإزالة الفقر من طبقات الشعب العربي بدل حل مشكلة البطالة عند الشعب الأميركي، وبهذا يكون دوام الملك وبقاء السلطان.