2020-02-20 11:45:46

لقاء البرهان – نتنياهو: انها ليست ليلة الدخلة/ بقلم محمد خليفة

لقاء البرهان – نتنياهو: انها ليست ليلة الدخلة/ بقلم محمد خليفة

لقاء البرهان – نتنياهو: انها ليست ليلة الدخلة/ بقلم محمد خليفة

لقاء البرهان – نتنياهو

انها ليست ليلة الدخلة

بقلم محمد خليفة

مجلة الشراع 21 شباط 2020 العدد 1939

 

 

  بقلم : محمد خليفة

الحملة الضارية التي استهدفت رئيس المجلس السيادي عبدالفتاح البرهان بسبب لقائه برئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو في أوغندا ((3 شباط/ فبراير الجاري)) لم تتوقف حتى الآن داخل السودان وخارجه. ومع أنها تركزت على البرهان شخصياً, فإنها اتخذت في الخارج بعداً عربياً وطابعاً ((قومياً)) إذ طالت الاتهامات ((السودان)) كله, كما لو أنه اقترف فعل الخيانة للشعب الفلسطيني, ودعم صفقة قرن ترامب. وجاء الرد السوداني المضاد ((قومياً)) أيضاً, على قاعدة ((السودان أولاً)), وذكر الفلسطينيين والعرب بتضحيات الشعب السوداني في سبيل فلسطين, كما ذكرهم بخذلانه في محنه القومية السياسية والاقتصادية.

ويلاحظ أن الحملة اتسمت أيضاً بممارسة الاستعلاء على السودانيين, والمزايدة الشعبوية, كما لو أن ما ارتكبه البرهان لم يقدم عليه سواه من القادة العرب, بينما تظهر الوقائع أنه ما من نظام عربي إلا واقترف هذه الخطيئة بطريقة أو أخرى, وعلى رأس الجميع النظام الفلسطيني, ويمكن توسيع الدائرة للقول إنه ما من دولة اسلامية إلا وتعاملت مع اسرائيل ديبلوماسياً وسياسياً واقتصادياً وعسكرياً, من تركيا الى ماليزيا واندونيسيا, ودول افريقيا المسلمة. ما يجعل السؤال مشروعاً لماذا يعامل العرب السودان بهذا الاستعلاء؟ ولماذا لا يجرؤ الغيورون على القضية الفلسطينية مهاجمة كل القادة العرب باللغة ذاتها؟!

وفي خضم هذه الحملة المنددة بلقاء البرهان ونتنياهو أو المؤيدة , استعادت وسائل الاعلام السودانية جذور علاقات السودان بالقضية الفلسطينية من جانب وبإسرائيل من جانب آخر.

السودان وفلسطين

 كثير من العرب يجهلون أو يتجاهلون أن الشعب السوداني شارك في معظم حروب العرب دفاعاً عن فلسطين, ومنعاً لقيام الكيان الاسرائيلي منذ بدايتها الى نهايتها:

1 - في حرب 1948 شارك السودانيون ضمن صفوف القوات المصرية لأن السودان كان تابعاً للمملكة المصرية, ويتألف جيشها من مصريين وسودانيين.

2 – في 1967 وبمجرد بدء العدوان على مصر, أعلن البرلمان السوداني ((المنتخب ديموقراطياً)) الحرب على اسرائيل, فجهزت الحكومة قوة عسكرية, أرسلتها فوراً الى شرق السويس, وشاركت في صد هجوم اسرائيل على رأس العش.

وبعد شهر من العدوان استضافت الخرطوم أشهر قمة عربية أعلنت لاءات التحدي الثلاث ((لا للاعتراف, لا للصلح, لا للمفاوضات)) واستقبل جمال عبدالناصر في السودان بحفاوة شعبية غير مسبوقة في التاريخ .

3 – في حربي الاستنزاف ((1968 – 1970)) والعبور 1973 شارك السودان بفرقة على الجبهة المصرية, واستقبل الكليات الحربية المصرية في أراضيه حتى عام 1974.

4 – في العقود الثلاثة الماضية ((الفترة بين 2008 - 2014)) أصبح السودان ممراً لتهريب الاسلحة الثقيلة الى غزة عبر سيناء, ونتيجة ذلك تعرض لغارات اسرائيلية متكررة. وكانت أكبرها عام 2012 على مصنع حربي في الخرطوم .

وتجدر الاشارة إلى أن الرئيس السوداني المؤقت عبد الفتاح البرهان أعلن بعد لقائه نتنياهو التزام بلاده بقرارات ومواقف الجامعة العربية الخاصة بالقضية الفلسطينية .

السودان واسرائيل

الى جانب تلك المواقف القومية المشرقة بشأن فلسطين والصراع العربي - الاسرائيلي, كانت هناك مواقف ناشزة, أغلبها ليس له طابع رسمي. فيما يلي أبرزها:

1 – في عام 1954 دارت مفاوضات بين الزعماء السودانيين والمصريين على استقلال السودان عن مصر, ويبدو أن قادة حزب الأمة طلبوا العون من اسرائيل بواسطة محمد احمد عمر الذي كان مقرباً من الصديق المهدي ((والد الصادق المهدي)) وابن زعيم الحزب وإمام طائفة الأنصار عبد الرحمان المهدي, الأكثر طلباً للانفصال عن مصر. وقد التقى الصديق ومحمد عمر بالاسرائيليين في لندن في العام المذكور وبحثا التعاون للحد من النفوذ المصري في السودان ودعم مطلب الانفصال, وطلب الصديق دعماً مالياً من اسرائيل. واعترف الصادق المهدي بهذا اللقاء بين أبيه والاسرائيليين في حواره مع قناة ((الجزيرة)) في برنامج ((شاهد على العصر)). وأضاف أن أثيوبيا أدت دوراً في ترتيب اللقاء. وذكرت مصادر أن الصديق عقد لقاءين لا واحداً مع الاسرائيليين في لندن 1954.

 2 – في عام 1955 تكرر لقاء عمر بالإسرائيليين في تركيا وقبرص, لبحث التعاون الاقتصادي. ويظهر محمد أحمد عمر في الأرشيف الإسرائيلي كمندوب لحزب الأمة، وأول سوداني يقيم علاقة منظمة مع إسرائيل.

3 – بعد الاستقلال عن مصر التقى زعيم حزب الامة عبد الرحمان المهدي ((والد الصديق وجد الصادق)) بالرئيس جمال عبدالناصر في القاهرة في 17 ايلول/ سبتمبر 1956, وبعد عشرة أيام سلم مندوب عنه يدعى محمد صالح الشنقيطي تقريراً عن المحادثات الى مسؤول اسرائيلي في جنيف ما يوحي أن العلاقات بين الحزب المذكور واسرائيل اتخذ مساراً ثابتاً.

 4 - في 1957 وبعد استقلال السودان جرت انتخابات فاز بها حزب الأمة, وشكل عبدالله خليل أول حكومة. واجتمع هذا مع وزيرة خارجية اسرائيل غولدا مائير في باريس سراً. وناقشا امكانية التبادل التجاري, وافتتاح مكتب تجاري في الخرطوم. وتؤكد الوثائق أن الطيران الاسرائيلي كان يستخدم الأجواء السودانية حتى بعد مؤتمر الكويت 1958 الذي قرر سياسة المقاطعة العربية لإسرائيل.

5 – في عهد جعفر نميري تطورت العلاقات الاسرائيلية - السودانية. ففي عام 1980 زار الخرطوم وفد من الموساد, وبحث مع رئيس الاستخبارات عمر محمد الطيب امكانية نقل يهود الفلاشا من اثيوبيا الى اسرائيل عبر السودان.

6 – في العام نفسه التقى نميري في واشنطن سراً مع نائب رئيس الحكومة الاسرائيلية ايغال يادين بوساطة أميركا.  

سارت الأمور بشكل جيد بين نميري وإسرائيل وتم نقل يهود الفلاشا عبر السودان, وقبض نميري مكافأته من اسرائيل, ولم يخطر بباله أنه سيخسر الحكم بسبب الصفقة, إذ أن اسرائيل لم تحترم اتفاقها معه, وكشفت عن أسرار الصفقة بلا سبب معروف, وهو سلوك تكرر مراراً, كان آخرها كشفها للقاء البرهان – نتنياهو. والبقية معروفة, غضب الشعب السوداني وثار على نميري ومنع عودته الى الخرطوم من زيارته الى واشنطن!

7 – في 11آذار/ مارس عام 2005, شارك عدد من قادة الدول العربية في اجتماع ((نادي مدريد من أجل الديموقراطية والأمن)) وكان شيمون بيريز أحد المشاركين أيضاً, فاستغل الفرصة للقاء مع الحاضرين العرب. ووزعت وكالات الأنباء خبراً عن لقاء بيريز بزعيم روحي من السودان, ونشرت صورة صادق المهدي يصافحه. ولكن المهدي أوضح لاحقاً أنه كان يسير في صالة المؤتمر فاقترب بيريز من ورائه ووضع يده على كتفه فلما استدار وجد بيريز يمد له يده قائلاً: تحية من اليهودية الى الاسلام, فصافحه المهدي واجماً ثم تابع طريقه.

والجدير بالذكر أن بيريز  قابل أيضاً الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة فتعانقا وتبادلا المصافحة والابتسامات العريضة، وقال بوتفليقة لبيريز ((لقد اضعتم فرصاً كثيرة للسلام آمل ألا تضيعوا هذه الفرصة))! كما قابل بيريز شقيق العاهل المغربي, والرئيس الموريتاني ولد الطايع. ورغم ذلك ركزت وسائل الاعلام العربية على مصافحة بيريز مع المهدي أكثر من لقاءات بيريز مع الآخرين, ما يوحي بتربص اعلامي بالسودانيين حسب رأي بعضهم!!

8 – في عهد عمر البشير حدث تبادل رسائل غرام من بعيد مع اسرائيل من دون أن يتوفر دليل عن لقاءات أو صفقات بين الجانبين. وبلغ الغزل العلني أوجه حين قال وزير الخارجية ابراهيم غندور إن التطبيع مع اسرائيل قابل للبحث. وقبله نقل عن الشيخ حسن الترابي عدم استبعاد هذا الخيار, وكذلك مبارك الفاضل المهدي. والأرجح أن البشير بعد أن ضيق الأميركيون الحصار والعقوبات عليه, وأصبح أسير سياساته العبثية, ولم يعد له حلفاء أقوياء في العالم لم يجد مناصاً من طرق كل الأبواب بما فيها الباب الاسرائيلي, وباب موسكو.

9 – لقاء البرهان مع نتنياهو جاء في سياق محاولات من سبقوه لرفع العقوبات الأميركية المشددة على السودان, وعدم وجود حل أو حيلة بدلاً منه, خصوصاً أن العالم تغير, ومواقف العرب من اسرائيل تغيرت, وفي مقدمتهم الجانب الفلسطيني. واختلفت أساليب التعاطي بينهم وبين العدو, وأصبح الاسرائيليون زواراً دائمين على أكثر العواصم العربية من دون حرج ولا خوف من ردود أفعال الشعوب التي تطوعت وتطبعت مشاعرها وعقولها هي أيضاً.

ويبدو أن هذه التغيرات ما زالت في بدايتها ومرشحة للتطور والإتساع. وسؤال السودانيين الأبرز حالياً : لماذا يعاملنا الأشقاء باستعلاء وانتقاص, وكأن ما يحق لهم لا يحق لنا, مع أننا أكثر من الجميع حاجة لدعم ((الشيطان)) لفك العزلة عن بلدنا, ورفع العقوبات على شعبنا قبل أن ينهار السودان أو يصبح دولة فاشلة, ويتفتت جغرافياً وعرقياً وقبلياً.