2020-02-06 10:42:53

في ظل علاقة فرضتها الضرورات، عون – دياب: الود المفقود /كتب- زين حمود

في ظل علاقة فرضتها الضرورات، عون – دياب: الود المفقود /كتب- زين حمود

في ظل علاقة فرضتها الضرورات، عون – دياب: الود المفقود /كتب- زين حمود

في ظل علاقة فرضتها الضرورات

عون - دياب: الود المفقود

كتب/ زين حمود

مجلة الشراع 7 شباط 2020 العدد 1937

 

 

أول ما يمكن قوله بعد مرور أكثر من شهر على تولي الرئيس حسان دياب منصب الرئاسة الثالثة في عهد الرئيس ميشال عون, هو ان الود مفقود بينهما, وفقاً لمعطيات عديدة ومعلومات من أوساط تجمعها صلات بالطرفين.

الود مفقود والعلاقة بين الرجلين رسمية بشكل محدد وأحياناً بشكل جاف وتخلو مما كان يربط عون بالرئيس السابق للحكومة سعد الحريري، خصوصاً وأنه كان يقال ان علاقة ((ابوية)) جمعتهما قبل ان تفرق الاحداث والمواقف بينهما, وبتأثير مباشر وغير مباشر من صهر رئيس الجمهورية جبران باسيل الذي يتهمه ((بيت الوسط)) بإنتهاج سياسات في الداخل والخارج لا يمكن السكوت عنها او القبول بها.

وبمعزل عما آلت اليه العلاقة بين عون والحريري بعد سقوط التسوية الرئاسية التي قامت على معادلة: الأول لرئاسة الجمهورية والثاني لرئاسة الحكومة طوال العهد العوني, وما ينقل من كلام من العيار الثقيل من قبل كل طرف ضد الآخر تحميلاً له المسؤولية عن انهيار التسوية الرئاسية وتفاقم الأزمات في البلاد, فإن الامر مختلف اليوم بين عون ودياب.

فلا افراط في الود بينهما, بل اقتصاد فيه الى الحدود الدنيا التي تفرضها الشكليات. وكذلك يغيب نهائياً الكلام الذي قاله باسيل مرات عن ان عون والحريري سيعيدان الى الذاكرة ما كان بين صانعي الاستقلال بشارة الخوري ورياض الصلح.

ومقابل ذلك يطغى طابع المجاملات على ما عداه في اللقاءات او الاتصالات بين الرئاستين الاولى والثالثة حالياً, وهي مجاملات غالباً ما تغلف ما يعتمل العلاقة بينهما من غياب ما يسمى الكيمياء الشخصية الجامعة بين الرجلين, وانتماء كل منهما الى مدرسة مختلفة في السياسة والثقافة والفكر عن مدرسة الآخر فضلاً عن فارق السن والأهداف والطموحات, وكذلك طبيعة كل منهما كون الأول عسكرياً تولى قيادة الجيش ورئاسة حكومة انتقالية ورئاسة تيار سياسي بارز وكوّن زعامة لها اليوم أكبر كتلة نيابية في البرلمان, بينما الثاني نخبوي, اكاديمي, لا تمثيل شعبي له على الارض وعلاقاته من الطبيعة نفسها فضلاً عن ان لا تجربة بارزة مع قواعد شعبية في بيروت او غيرها يمكن الحديث عنها حالياً على الأقل.

وسبب غياب الكيمياء الشخصية قد يكون في  ما هو متشابه في طباع وشخصية كل منهما, ووفقاً لخبير في علم الطبائع النفسية فإن عون صاحب الطبيعة العسكرية والذي تطبع مع موضوع الأمرة بين رئيس ومرؤوس, يلاقيه دياب في كونه استاذاً جامعياً تطبع مع موضوع ((الأستذة)) بين البروفيسور والطلاب, وبعبارة أخرى فإن طبيعة عمل كل منهما صاغت الطريقة الفوقية غير المتعمدة غالباً في علاقاتهما مع الآخرين, علماً ان لكل قاعدة استثناء وهذا الأمر لا ينطبق بالطبع على كل العمداء في الجيوش والجامعات الذين يتولون مسؤوليات عامة او رسمية او حزبية او سياسية. وربما لا ينطبق بشكل صارخ بين رئيسي الجمهورية والحكومة.

وهذا التشابه في هذه الخاصية  في طباع وتركيبة وشخصية الرجلين قد يكون سبباً في ابقاء العلاقة بينهما غير ودية, ويطغى عليها الطابع الرسمي الصرف, وما يفرضه البروتوكول من دون زيادة او نقصان.

أما في السياسة, فليس سراً ان مضي رئيس الجمهورية في اختيار دياب لتكليفه تشكيل الحكومة جاء بعد فشل الثنائي الشيعي في ترميم التسوية الرئاسية وبعد تعثر تسمية شخصيات أخرى بالاتفاق مع الحريري, بدءاً من الوزير السابق محمد الصفدي الذي كان عون يفضله, مروراً بالوزير السابق بهيج طبارة ووصولاً الى المهندس سمير الخطيب.

وحتى عندما أختير دياب, فإن اسمه كان من ضمن لائحة تضم إسمين الإسم الآخر فيها كان للنائب فؤاد مخزومي, ولو كان رئيس الجمهورية هو الذي يسمي رئيس الحكومة المكلف بمعزل عن حلفائه فإن المعلومات تشير الى انه كان يفضل مخزومي على دياب إلا ان المشاورات مع الحلفاء أدت الى تكليف الرئيس الحالي للحكومة في الاستشارات النيابية الملزمة, والتي لم يكن ممكناً الاستمرار في تأخيرها بسبب دقة الاوضاع المتأزمة في البلاد والحاجة الى ملء الفراغ على مستوى الحكومة في ضوء الاتهامات لحكومة الرئيس سعد الحريري بعد استقالتها بعدم القيام بدورها كحكومة تصريف أعمال ولو في الحد الأدنى المطلوب منها, ما زاد حسب الاتهامات نفسها من حدة الأزمة، وخصوصاً على المستويين المالي والاقتصادي.

ولعل أكثر ما ينطبق على الحكومة الحالية, هو انها حكومة فرضتها الضرورات, رغم انها ليست من الضرورات التي تبيح المحظورات. فعون الذي كان يعتبر ان حكومة عهده الأولى ستشكل بعد الانتخابات النيابية التي جرت قبل أكثر من سنة ونصف, تعرض عهده لنكسة كبرى بعد استقالة تلك الحكومة التي شكلت على أساس نتائج الانتخابات النابية تلك وأدت الى ترؤس رئيس تياره السياسي ((التيار الوطني الحر)) أكبر كتلة نيابية, كما ان مسار تشكيل الحكومة مع الحريري  قبل تكليف دياب جوبه بمطلب إبعاد الوزير السابق جبران باسيل عن اي تشكيلة حكومية قبل ان يأتي الشرط المقابل من بعبدا بإبعاد الحريري نفسه اذا أصر على موقفه, وكانت النتيجة ان الحكومة الجديدة لم تضم لا الحريري ولا باسيل.

وأمام ما فرضته الأحداث في لبنان ,لا سيما بعد حراك او انتفاضة او ثورة السابع عشر من تشرين الاول - اكتوبر الماضي, وتعذر تشكيل حكومة جديدة وفقاً للمعايير السابقة المعتمدة, جاء تكليف دياب على قاعدة ((لا بد مما ليس منه بد)), فبين الفراغ ودياب يختار عون دياب, علماً ان الأمر نفسه, أي حساب الخسائر والأرباح كان يمكن ان يحصل مع أي شخصية أخرى كانت ستكلف تشكيل الحكومة ولو بنسب أقل او أكثر من الود بين عون والشخصية التي كانت ستكلف تشكيل الحكومة.

ضرورات تلقفها دياب للوصول الى نادي رؤساء الحكومة وتحقيق مبتغاه, وهو حلم راود الكثيرين من الشخصيات السنية سواء القريبة او ممن كانت قريبة من الحريري او من خارج إطار الحريرية السياسية. ومن هذا المنطلق اي منطلق الضرورات يعمل رئيس الحكومة اليوم على تحقيق برنامجه على انقاض التسوية الرئاسية والتي لم تكن تضم الحريرية فقط بل والعونية اذا صح التعبير, رغم ان أحد طرفيها ما زال يتصدر مشهد السلطة.

أما هدف هذه السياسات الجديدة التي سيحاول دياب تطبيقها فهو كسب ثقة الشارع والخارج, المتفقين على ان السياسات السابقة هي التي أدت الى الانهيار القائم اليوم وتفاقم الأزمات في كل المجالات تقريباً, ومن الطبيعي ان ينعكس ذلك في حال نجاحه ولو جزئياًَ, على بقاء حكومته حتى موعد الانتخابات النيابية القادمة في العام 2022 , أي عملياً حتى انتهاء ولاية الرئيس الحالي, رداً على ما قيل ويقال عن ان عمر هذه الحكومة الانتقالية لن يستمر أكثر من ستة أشهر.

ومن خلال بعض الأجواء والتسريبات, بينها ما اعلنه الوزير السابق وئام وهاب الذي كان أعلن انه يقف وراء تسمية دياب.

وهاب بدا كمن يحاول الترويج لدياب عبر الحديث عن خطة كاملة متكاملة ينوي تنفيذها, محذراً في تصريح أدلى به بعد الاجتماع برئيس الحكومة من أزمة اذا اصطدم بسياسيين سيعملون كما كانوا يعملون قبل 17 تشرين. وهو كما يبدو بمثابة انذار للحلفاء قبل الخصوم ضمن رسالة تستبطن ما تستبطن, كدفتر شروط يضعه دياب وقام وهاب بالإعلان عنه, وهو وضع لن يلقى على الأرجح الا الصدى السلبي من قبل الأطراف الموجودة منها في السلطة. وهذا الأمر اي شروط دياب مؤشر واضح على ان رئيس الحكومة  يتعاطى مع موقعه الجديد من منطلق انه بات حاجة لمن سموه على الأقل, وانه سيستثمر على هذا الصعيد الى أبعد مدى ممكن.

أما الطموح الأكبر لدياب فهو ان يكون سليم الحص الثاني, وهذا الكلام طالما ردده المقربون منه. ورغم انه لم يتبن علانية هذا الكلام فان من الواضح ان رمزية سليم الحص تعيد تذكير عون بواقع الانقسام الذي كان حاصلاً في أواخر ثمانينيات القرن الماضي بعد انتهاء عهد الرئيس السابق امين الجميل, عندما كان لبنان منقسماً بين حكومتين الاولى عسكرية يترأسها عون في قصر بعبدا والثانية يترأسها الحص في السراي الحكومية قبل ان تخوض الثانية معركة انهاء الحرب في لبنان بعد إقرار اتفاق الطائف والتي أدت الى اخراج عون من بعبدا ومغادرته الى فرنسا وبقائه فيها حتى العام 2005. 

ولا شك ان دياب ليس سليم الحص, ولا أحد يمكن ان يكون مستنسخاً لشخصية أخرى, فقد يكون أصغر او أكبر شأناً منها تبعاً لسيرته وتجربته وانجازه وظروفه, فضلاً عن الظروف العامة التي قد تساعده او تمنعه من تحقيق ما يريده, خصوصاً واننا اليوم أمام تجربة لم يقيض لها النجاح وتتصل بجبران باسيل الذي كان جاهر أمام الناس في العديد من المناسبات بأنه يريد ان ينسيهم قادة بارزين مروا في تاريخ لبنان.

خلاصة القول ان الود المفقود بين عون ودياب, قد لا يكون عاملاً مساعداً لنجاح العلاقة بين الرئاستين الأولى والثالثة, الا انه قد يفرض قواعد عمل تتجاوز العلاقة الشخصية, لا سيما في ظل الاحترام المتبادل وأحياناً المبالغ به بينهما, حيث يختار كل واحد منهما عباراته بعناية ودقة قبل التفوه بها, وفي ظل الضرورات الوطنية التي تحتم التعاون بينهما وعدم وضع العصي في الدواليب.