2020-01-31 11:27:18

الحراك بدأ تحضيراته: تعطيل جلسة الثقة للحكومة ((أم المعارك)) في انتفاضة 17 تشرين؟ كتب: زين حمود

الحراك بدأ تحضيراته: تعطيل جلسة الثقة للحكومة ((أم المعارك)) في انتفاضة 17 تشرين؟ كتب: زين حمود

الحراك بدأ تحضيراته: تعطيل جلسة الثقة للحكومة ((أم المعارك)) في انتفاضة 17 تشرين؟ كتب: زين حمود

الحراك بدأ تحضيراته :

تعطيل جلسة الثقة للحكومة ((أم المعارك)) في انتفاضة 17 تشرين؟

كتب زين حمود / مجلة الشراع 31 كانون الثاني 2020 العدد 1936

 

كتب زين حمود

من خلال ردود الفعل الأولية على الاعلان عن حكومة حسان دياب يمكن التوقف أمام ثلاثة مواقف:

الأول يتعلق بالموقف الدولي وتالياً الاقليمي, والذي يمكن وصفه بأنه رمادي, اذ انه لم يتم الإعلان عن تأييد واضح وصريح لهذه الحكومة وفي الوقت نفسه لم يتم الإعلان عن عدم قبولها وعدم التعاون معها, بانتظار ما جاءت المواقف المتتالية به من أكثر من عاصمة دولية والتي ركزت على أمرين: الأول هو العمل على الاصلاح والثاني هو العمل على كسب ثقة الشارع اللبناني.

ورغم الكلام عن وجود تمايز ولو جزئي في المواقف الدولية بين واشنطن والدول الاوروبية المهتمة بالوضع في لبنان  بدا بشكل كبير وواضح ان الكل مجمع على أولوية سلوك لبنان دروب الاصلاح, وقد تجسد هذا الأمر خلال الاتصال الذي أجراه الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون مع الرئيس ميشال عون, والذي أكد فيه الأول ربط اي مساعدة للبنان بأولوية القيام بالاصلاحات اللازمة والمطلوبة.

أما الموقف الثاني فيتعلق بالحراك الشعبي الذي انطلق في السابع عشر من شهر تشرين الاول / اكتوبر الماضي, وركزت مطالبه على وقف الفساد ومحاسبة المرتكبين واستعادة الاموال المنهوبة التي تحدثت تقارير اعلامية اميركية وبينها تقرير لـ((واشنطن بوست)) عن انها وصلت الى مئات مليارات الدولار.

موقف الحراك هذا وان كان حتى الآن غير موحد بين من يرفض حكومة ((المستشارين)) او حكومة ((اللون الواحد)) او الحكومة ((المقنعة)) ضمن تسميات عديدة اطلقت عليها, وبين من يدعو الى منحها ولو فرصة محدودة في الزمان, موقف الحراك هذا ماضٍ باتجاه رفض منح الثقة لهذه الحكومة. وكان لافتاً ان التحركات الشعبية ليل السبت الماضي في محيط السرايا الحكومية هي أول التحركات على هذا الصعيد خصوصاً وانها المرة الاولى منذ 17 تشرين الاول / اكتوبر الماضي التي يحاول فيها المحتجون اقتحام السرايا للتعبر عن احتجاجاتهم ومطالبهم.

يبقى ان الموقف الثالث يتعلق بالقوى الحزبية والسياسية التي لم تشارك في الحكومة بدءاً من تيار المستقبل مروراً بالقوات اللبنانية وحزب الكتائب وصولاً الى الحزب التقدمي الاشتراكي وغيرها من القوى. وهذا الموقف سرعان ما سيتبلور مع الاعلان عن البيان الوزاري لتحديد ما اذا كانت هذه القوى او بعضها ستدخل على خط عملية إسقاط الحكومة في الشارع ام انها ستلتزم ما يمكن تسميته الحياد المدروس والمنسق من أجل تجيير ما قد يحصل لصالح خطة او خطط لا بد انها قيد الاعداد الآن لدى بعض تلك القوى من أجل استعادة المبادرة والعمل على الامساك بزمام الأمور في المرحلة القريبة المقبلة.

وبطبيعة الحال, ليس هناك ترابط عضوي بين المواقف الثلاثة, لكن ثمة ترابطاً او تقاطع مصالح على مستوى الأهداف التي يمكن تحقيقها, فالحراك بمعظم مجموعاته الطموحة والثائرة على الواقع الحالي يريد الاصلاح الحقيقي والفعلي, والاحزاب غير المشاركة في الحكومة الحالية لها مصلحة في ان تتكسر ارادة خصومها وموقعهم في السلطة على وقع الشارع, وبين الاطراف الدولية وفي مقدمتهم الولايات المتحدة من يريد استهداف حزب الله.

ولكن كيف يمكن للمشهد التالي بعد مشهد الحكومة ان يتمظهر؟

السؤال متعدد الأوجه وتتفرع عنه مجموعة تساؤلات مشروعة منها ما يتصل بقدرة هذه الحكومة وامكانياتها وحتى وحدتها وسط الكم الهائل من الشكوك حول أهليتها, ومنها ما يتصل بثباتها بعيداً عن العناد الفارغ وغير المسؤول, ومنها ما يتصل وهذا هو الأهم بامكانية وجود كلمة سر دولية حولها سواء كانت كلمة السر هذه مساعدة لها لتتولى ادارة الأزمة ولو بالحد الادنى, في ظل عدم توافر الظروف المناسبة داخلياً وخارجياً حتى الآن للمعالجة المطلوبة, او كانت كلمة السر نفسها معطلة ومانعة حتى لولادتها.

ولهذا السبب, فإن التحدي الأبرز الذي تواجهه هذه الحكومة ومن خلفها القوى السياسية والحزبية الداعمة لها هو كيفية التعاطي مع الشارع وكسب ثقته او ثقة شرائح واسعة منه وهو ما لم تنجح به حتى الآن. علماً انها قد تكون بصدد القيام بخطوات على هذا الصعيد كما نقل عن أوساط مقربة من الرئيس دياب. في مقابل الحديث عن ثورة مضادة يمكن ان تبدأها قوى السلطة مع كل ما في هذه الخطوة من محاذير كوارثية.

ولهذا السبب, فإن حكومة دياب ما زالت في المنطقة الرمادية بالنسبة لتحديد المسارات التي سترافق ليس فقط عملها بل قبل ذلك شرعنتها في المجلس النيابي ونيلها الثقة في ظل توافر معلومات وعدد من المؤشرات على ان كل هم الحراك المطلبي والشعبي سينصب من الآن وصاعداً على منع مثولها امام المجلس النيابي لنيل الثقة, وتحويل المنطقة المحيطة بمقر المجلس النيابي الى جزيرة محاصرة ومحظور الدخول اليها والخروج منها للحؤول دون وصول النواب الذين يمثلون كتل الاكثرية النيابية الى قاعة التصويت, على غرار ما حصل في الجلسة النيابية السابقة التي لم تعقد قبل أكثر من شهر والتي كانت مخصصة لانتخاب رؤساء اللجان النيابية وأعضائها.

وكما يقول ناشطون في الحراك لـ((الشراع)) فإنه حتى لو قامت حكومة دياب بالضغط على القوى الأمنية والعسكرية لقمع الحراك من أجل نيل ثقة المجلس النيابي, فإنها ستكون قد سقطت في امتحانها الأول ودفعت البلاد باتجاه سيتحمل فيه كل عضو من أعضاء هذه الحكومة مسؤولية ما سيحصل في الشارع , مع الاشارة الى ان ما حصل حتى الآن على هذا الصعيد لن يكون سوى غيض من فيض ما سيحصل يوم انعقاد جلسة الثقة.

وعلى هذا الصعيد يجري العمل والتحضير لكل الاحتمالات من قبل الحراك, وثمة اعتقاد بأن جلسة تعطيل منح الثقة للحكومة ستكون بمثابة ((ام المعارك)) في انتفاضة 17 تشرين الاول / اكتوبر الماضي.

ولهذا السبب, فإن موقف القوى السياسية والحزبية والنيابية غير المشاركة في الحكومة يكتسب أهمية كبيرة كونه في لحظة معينة قد يدخل على خط الحراك وبقوة ومن خلال قواعده الشعبية من أجل تزخيم عمل الحراك وضمان تمكنه من انجاز عملية إسقاط الحكومة في الشارع .

والأمر نفسه ينطبق على الموقف الدولي, خصوصاً وان له مؤثراته في لبنان و((مونة)) على بعض المؤسسات والقيمين عليها لدفعها.

إما باتجاه ضبط الشارع وعدم المس بمسار عمل المؤسسة الأم أي مجلس النواب, وإما  تمكين الشارع من تحقيق ما يهدف اليه بالنسبة لإسقاط الحكومة وعدم نيلها الثقة.

نحو الانهيار؟

وسط هذه الاجواء الرمادية القاتمة, هناك صورتان للمشهد الحالي بعد الاعلان عن تشكيل الحكومة.

الصورة الاولى متفائلة بحذر كون الحكومة هي الاولى من خارج التشكيلات الحكومية التقليدية ,وعدد وزرائها عشرين وزيراً بينهم ست نساء, وتضم في صفوفها أصحاب اختصاص وأكاديميين وطاقات واعدة, ربما يفتقدون للخبرات السياسية وحبائلها المعهودة في بلد مجبول بالسياسة وترصد كل طرف من أطرافه السياسية للآخر من أجل عدم تحقيق مكاسب بمعزل عنه. الا ان هذا الأمر قد لا يكون نقيصة لهؤلاء الوزراء بقدر ما يمكن ان يكون ميزة في بلد انهكته النزاعات والسجالات والخلافات.

 كما ان هؤلاء الوزراء هم في الغالب أصحاب سير ذاتية تشير الى نجاحاتهم في مجالات اختصاصهم والى عصامية بعضهم وامتلاكهم ارادة طموحة وواعدة من أجل تحقيق الأفضل وهذا الأمر يعتبر من أكثر نقاط القوة للحكومة رغم انها لم تنجح في إحداث صدمة ايجابية بتشكيلها لا سيما وانها لبت في حدود معينة مطالب الحراك بتشكيل حكومة تكنوقراط وجاءت مغايرة لما كان مطروحاً لجهة تشكيل حكومة تكنو- سياسية. ولذلك فإن أصحاب هذه النظرة التفاؤلية وإن الحذرة يعتقدون ان الفترة القريبة المقبلة ستعكس ما يمكن ان تقوم به هذه الحكومة خاصة وانها ستعمل على مقاربة الأزمة بواقعية ومن دون أوهام وستعمل على تأمين دعم عدد من الدول للبنان وعلى قاعدة اجراء الاصلاحات المطلوبة, مع مباشرة رئيسها حسان دياب اتصالاته مع عدد من السفراء الأجانب لدول صديقة للبنان من أجل حثها على مساعدته في وقت يعتقد كثيرون انه قادر ولو في حدود معينة على استخدام علاقاته وصداقاته الخارجية على هذا الصعيد.

اما الصورة الثانية فهي صورة سوداوية كما يتحدث عنها مسؤول كبير سابق يصف حكومة حسان دياب بأنها حكومة ادارة الانهيار سواء نالت ثقة المجلس النيابي او لم تنلها وتحولت الى حكومة تصريف أعمال.

وبحسب هذا المسؤول فإن لبنان كان عشية 17تشرين الاول / اكتوبر اشبه بحافلة من دون فرامل تسير نزولاً باتجاه الانهيار ايام الحكومة السابقة, وان المسؤولين في تلك الفترة لم يقوموا بأي عمل من أجل وقف الانهيار بسبب خلافاتهم السياسية, وبعد الانتفاضة تخلى الرئيس سعد الحريري فجأة عن الجلوس وراء مقودها وتخلى بالتالي عن قيادة هذه الحافلة باعتباره رئيس السلطة التنفيذية من خلال استقالته تحت عنوان انه يلبي مطالب الحراك. وكل ما حصل اليوم مع تشكيل حكومة دياب هو انه صار للحافلة الذاهبة باتجاه الانهيار نزولاً، قيادة جديدة ولن تستطيع منع تكسر هذه الحافلة وانقاذها مهما فعلت ومهما جرى تزيين شكلها من خلال الحديث عن وزير من هنا او وزير من هناك رغم ان هناك وزراء مميزين باختصاصاتهم وسيرهم الذاتية ضمتهم الحكومة الجديدة. وكل ما تستطيع فعله ربما هو محاولة الاصطدام بحائط على اليمين او الشمال للتخفيف من السقوط في غياهب الانهيار.

وبعد تكسر الحافلة سيجري العمل على تشكيل حكومة جديدة خلفاً لحكومة حسان دياب, إلا انه ستحصل خلافات حول مسألة تصليح هذه الحافلة بين من يريد لونها كذا او كذا وبين من يريد مقاعدها بشكل معين او مختلف فضلاً عن دواليبها وأساسا ًمحركها, ما سيدخل البلاد في أزمة وطنية كبرى تتناول كل ما يمكن ان يطرح من قواعد العمل في الداخل ووظيفة لبنان فضلاً عن دوره..الخ.

هذه الصورة السوداوية التي تبدو أقرب الى ((تنبؤات)) العرافين والمنجمين, وما أكثرهم في هذه الايام, قد يكون فيها مبالغات الا انها واقعية في جوانب عديدة منها, لاسيما في التعبير عن عجز الطبقة السياسية عن القيام بخطوات من نوع الحد الأدنى لفرملة الانهيار رغم انها اليوم باتت تحت مجهر اللبنانيين سواء الذين يشاركون في الحراك او الذين ما زالوا يلتزمون منازلهم او الذين يتابعون من وراء الحدود ما يجري,وأيضاً تحت مجهر المجتمع الدولي الذي صار لسان حاله الدائم هو الدعوة الى الاصلاح ولا شيء الا الاصلاح.

ولهذه الأسباب مجتمعة قد يكون هناك ثمة حاجة لمؤتمر دوحة جديد او ((ميني)) طائف كون طاولة الحوار الوطني المعطلة أصلاً لا تكفي من أجل التوصل الى صيغة وطنية جامعة وتحظى بإحتضان الدول الشقيقة والصديقة للبنان, وهو أمر من الواضح انه متعذر الآن وحتى إشعار آخر في ظل احتدام الصراعات الدولية والاقليمية في المنطقة, وتصاعدها في أكثر من ملف وقضية وأزمة.

واذا صح ذلك, فإن عهد ميشال عون سيشهد ولادة جمهورية جديدة على غرار الجمهورية الجديدة التي نشأت لدى ترؤسه الحكومة العسكرية في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي عقب ولادة اتفاق الطائف, وهي مفارقة عجيبة وغريبة ولافتة.