2020-01-30 11:18:33

الأوزاعي... إمام من بلادي / بقلم الشيخ أسامة السيد

الأوزاعي... إمام من بلادي / بقلم الشيخ أسامة السيد

الأوزاعي... إمام من بلادي / بقلم الشيخ أسامة السيد

الأوزاعي... إمام من بلادي

بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 31 كانون الثاني 2020العدد 1936

 

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم: ((يرفع الله الذين ءامنوا منكم والذين أُوتُوا العلم درجات والله بما تعملون خبير)) سورة المجَادلة.

لقد ازدحم تاريخ أمتنا المجيدة بالعظماء من علماء وقادةٍ وأمراء وغيرهم وما زال ذكرهم وفضلُهم كالطيب يفوح في الأرجاء، ومن هؤلاء الإمام عبدالرحمان الأوزاعي الذي أُطلق اسمه على الناحية المعروفة في جنوب بيروت. ولمن سأل عن هذا الإمام الكبير نقول:

هو أبو عمروٍ عبدالرحمان بن عمروٍ الأوزاعي نسبةً إلى الأوزَاع من قبائل اليمن ولد سنة ثمانٍ وثمانين للهجرة في بعلبك يتيمًا ونشأ في الكَرك من قُرى البقاع اللبناني اليوم، وتنقَّل بين الشام واليمن والحجاز والبصرة وغيرها ثم استقرَّ آخر المطَاف في بيروت فتوفي فيها.

علمه وفضله

جاء في ((تاريخ دمشق)) لابن عساكر عن الوليد بن مسلم قال: ((رأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في منامي فقلت: يا رسول الله عمَّن أكتب العلم؟ فقال: عن الأوزاعي)).

ووصفه ابن حِبَّان في كتاب ((مشاهير علماء الأمصار)) فقال: ((أحد أئمة الدنيا فقهًا وعلمًا وورعًا وحفظًا وفضلاً وعبادةً وضبطًا مع زهادة (زهدٍ في الدنيا))).

وكان الإمام الأوزاعي في رُتبة الأئمة الأربعة، عاصر الإمامين أبا حنيفة ومالكًا وكان له مذهبٌ مُستقلٌّ يُعمل به، قال الذهبي في ((تذكرة الحفَّاظ)): ((كان أهل الشام (لبنان والأردن وسورية وفلسطين)) ثم أهل الأندلس ((إسبانيا) )على مذهب الأوزاعي مدةً من الدهر ((نحو مائتي سنة)) ثم فَنِي العَارفون به وبقي منه ما يوجد في كتب الخلاف)).

وفي ((تاريخ دمشق)) عن الوليد بن مسلم قال: ((قال لي سعيد بن عبدالعزيز ((قاضي بيروت وقتها)) هل رأيت أبا عمروٍ الأوزاعي قلت: نعم. قال: فاقتد به فلنِعم المقتَدى به)). وفيه أيضًا عن عثمان بن عاصمٍ قال: ((رأيت شيخًا بين الصَفا والمروة على ناقةٍ وشيخًا يقوده يقول: يا معشر الشباب كُفوا حتى نسأل الشيخ فقلت: من هذا الرَّاكب؟ قالوا: هذا الأوزاعي، فقلت: من هذا الذي يقُوده؟ قالوا: هذا سفيان الثوري)). وسُفيان هذا من أكابر أئمة الأمة وفي رتبة الأئمة الأربعة، وحيث كان سفيان يُعظم الأوزاعي هذا التعظيم فهذا شاهدٌ بجلالة الأوزاعي ورسوخ قدمه في العلم، بل جاء في كتاب ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتمٍ ((أن رجلاً دخل مجلس الإمام مالك في المدينة فسأل أصحاب مالكٍ في مسألةٍ كان أفتى فيها مالكٌ بشيءٍ فقال: لكنَّ أبا عمروٍ ((الأوزاعي)) يقول فيها كذا ((بخلاف قول مالك)) فضحكوا منه، ودخل الإمام مالك فقالوا له: هذا يزعم أن الأوزاعي يقول كذا في مسألة كذا، فسكت مالكٌ ثم قال: القول ما قال أبو عمرو)). ومعنى ذلك أن الإمام مالكًا ظهر له بعدما أعمل فكره في المسألة أن دليل الأوزاعي أرجح من دليله فرجع عن رأيه الذي كان يقول به باجتهاده، وفي ذلك منقبةٌ للإمام مالكٍ هي التواضع ومنقبة أخرى للإمام الأوزاعي هي قوة الحُجَّة في العلم.

 وكان الإمام الأوزاعي فوق هذا بكَّاءً من خشية الله كثير التهجُّد والدعاء، ففي ((تاريخ دمشق)) لابن عساكر أيضًا عن عفير بن عفَّان قال: حدثتني أمي قالت: ((دخلت على امرأة الأوزاعي فرأيت الحصير الذي يصلي عليه مبلولاً فقلت: يا أختي أخاف أن يكون الصبي بال على الحصير، فبكت وقالت: تلك دموع الشيخ)).

والأخبار في فضله وعلمه كثيرة جدًا ولكن فيما ذكرناه كفايةٌ يُستدل بها على إمامة الأوزاعي كما يُستدل بالعنوان على ما في طي الكتاب.

عَلم من أعلام التوحيد

كان الإمام الأوزاعي علماً من أعلام نشر التوحيد والعقيدة عقيدة التنزيه أي أن الله لا يحويه مكانٌ ولا يجري عليه زمان وأنه ليس جسمًا ولا يوصف بصفات الأجسام وأن الله خالق كل شيء من خير أو شر.

قال الإسفراييني في كتاب ((التبصير في الدين)) بعد ذكر عقائد أهل الحق الموافقة لما ذكرناه: ((واعلم أن جميع ما ذكرناه من عقائد أهل السنة والجماعة فلا خلاف في شيءٍ منه بين الشافعي وأبي حنيفة رحمهما الله وجميع أهل الرأي ((فقهاء الحنفية المجتهدون وسُمُّوا بذلك لكثرة إعمالهم الرأي في استنباط الأحكام من القرآن والحديث)) والحديث مثل مالك والأوزاعي وداود والزُهري والليث بن سعدٍ وأحمد بن حنبلٍ وعدَّ آخرين)). فدلَّ قوله على حقيَّة هذه العقيدة وأن الأوزاعي وغيره من أئمة الهدى كانوا متمسكين بها.

وكان الأوزاعي يؤمن أن النصوص المتشابهة أي التي يُوهم ظاهرها خلاف الصواب كقوله تعالى: ((الرحمن على العرش استوى)) سورة طه، لها معنىً على خلاف الظاهر، معنى يوافق قوله تعالى: ((ليس كمثله شيء)) سورة الشورى، وليست بمعنى الاستقرار والجلوس، ففي ((معالم التنزيل)) للبغوي ما نصه: ((ورُوي عن الثوري والأوزاعي والليث بن سعدٍ وابن عُيينة وابن المبارك وغيرهم من علماء السنة في هذه الآيات التي جاءت في الصفات والمتشابهات أَمِرُّوها كما جاءت بلا كيف)) أي اعتقدوا أن لها معنىً يوافق التنزيه لا على ما تذهب إليه الأوهام والظنون، والمتشابه هو الذي يحتمل في اللغة أكثر من معنى واحتِيج إلى النظر في حمله على المعنى المراد.

وفاته

روى الحافظ أبو نُعيمٍ في ((حلية الأولياء)) عن الأوزاعي قال: أعجبني في بيروت أني لما مررت بقُبورها رأيت امرأةً سوداء فقلتُ لها: أين العَمارة. فقالت: إن أردت العَمارة فهي هذه ((وأشارت إلى القبور)) وإن أردت الخراب فأمامك ((وأشارت إلى البلدة)). قال: فعزمت على الإقامة فيها)) وذلك لما رأى في أهلها من الصلاح آنذاك.

واستقر الأوزاعي مع زوجته وأولاده في ((حنتوس)) إلى أن دخل يومًا الحمَّام وأدخلت معه زوجه كانونًا فيه فحم ليدفأ به ثم أغلقت الباب وتشاغلت عنه فنسيت فهاج الفحم فمات، ودخلوا عليه فوجدوه متوسدًا يده إلى القبلة، كما ذكره الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)).

وفي كتاب ((العاقبة في ذكر الموت)) للإشبيلي قال: ((جاء رجل إلى سفيان الثوري فقال: رأيتُ في المنام كأن ملكًا نزل من السماء إلى الشام فاقتلع ريحانةً ثم صَعِد بها إلى السماء، فقال سفيان: لئن صدقت رؤياك فقد مات الأوزاعي)) فكان كذلك.

((وكانت وفاته سنة سبع وخمسين ومائة للهجرة)).

ودفن الأوزاعي رضي الله عنه في بيروت قرب البحر بين الصنوبر ثم عُرفت الناحية فيما بعد بإسمه.

استطراد.. الأوزاعي والنصارى

جاء في ((فتوح البلدان)) للبَلاذُري وغيره أن ناسًا من النصارى في جبل لبنان شكوا بعضَ عُمَّال العبَّاسيين فجرَّد والي العباسيين زمن أبي جعفرٍ المنصور صالح بن علي جيشًا لقتالهم، وتعدَّى حدود أحكام الشريعة فكتب الإمام الأوزاعي إليه مؤنبًا يأمره بمراعاة الدين في حفظ البلاد والعباد فكفَّ العباسيون عن القتال، وبهذا يظهر شأن الأئمة في تطبيق الشريعة ونُصح الخلفاء وسماحة الإسلام.

قال ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)): ((وخرجتْ في جنازته أربع أمم وخرجنا يحمله المسلمون وخرجت اليهود في ناحية والنصارى في ناحية والقبط في ناحية)).

والحمد لله أولاً وآخراً.