2020-01-23 12:03:42

مؤتمر برلين1: خطوة أولى على ((مسار مستمر)) / بقلم محمد خليفة

مؤتمر برلين1:  خطوة أولى على ((مسار مستمر)) / بقلم محمد خليفة

مؤتمر برلين1: خطوة أولى على ((مسار مستمر)) / بقلم محمد خليفة

مؤتمر برلين 1: خطوة أولى على ((مسار مستمر)) / بقلم محمد خليفة

مجلة الشراع 24 كانون الثاني 2020 العدد 1935

 

 

العنوان الأبرز للملف الليبي خلال العام المنصرم هو ازدياد التدخلات الاجنبية عدداً وحجماً, حتى أصبحت الساحة الليبية المفككة تشبه قطع ((الليغو)) البلاستيكية, من الصعب إعادة تركيبها. والمانيا هي آخر المتدخلين الدوليين لمعالجة الازمة الليبية بواسطة  مؤتمر برلين الذي انعقد الاحد الماضي 19 كانون الثاني/ يناير 2020 والذي حضرته إحدى عشرة دولة على مستوى رفيع رؤساء ورؤساء حكومات ووزراء خارجية حتى اعتقد كثيرون أنه مؤتمر دولي بينما هو مؤتمر لا هو اوروبي ولا هو أممي بل الماني فقط, بقدر ما كان مؤتمر باليرمو ((2018)) إيطالياً, ومؤتمر باريس ((2018)) فرنسياً.

وما دور الأمم المتحدة ممثلة بسكرتيرها العام وممثله الى ليبيا غسان سلامة إلا دور أدبي لإضفاء مظلة أممية, لا سيما أن المانيا تتطلع لإحالة مخرجات برلين الى مجلس الأمن وتحويلها قراراً دولياً يمنحها قوة ملزمة.

حتى الدول الأوروبية التي شاركت كفرنسا وايطاليا وبريطانيا حضرت بدعوة المانية لتأكيد اهتمام اوروبا بليبيا اقتصادياً وأمنياً على الرغم من اختلاف مواقفها وتناقضها منها.

ودعيت روسيا وتركيا من باب الضرورة بعد أن فرضتا وجودهما في ليبيا بقوة السلاح والمقاتلين, ولكل منهما مصالح اقتصادية قديمة في ليبيا, واحتاجت المستشارة ميركل زيارة موسكو لتضمن مشاركتها, واستبعدت دعوة اليونان, وهي دولة مؤثرة, لتتجنب تحويل المؤتمر ساحة صراع  تركي - يوناني.

ودعيت الامارات العربية نتيجة حضورها القوي, وهي ند قوي لتركيا وأحد الداعمين الكبار لطرف فعال, فضلاً عن أنها ساهمت سابقاً في محاولات الحل السياسي واستضافت ممثلي الطرفين الليبيين قائد الجيش الوطني, ورئيس حكومة الوفاق في أوائل 2019.

أما دعوة الجزائر رغم محدودية حضورها في الصراع الليبي, فهدفه توظيف ثقلها لخلق توازن في ليبيا, لأن علاقاتها بقائد الجيش الوطني متوترة منذ سنوات, وتميل الى حكومة الوفاق, إضافة الى أن دعوتها تمثل اشارة ترحيب بالرئيس عبد المجيد تبون, وبعودتها للساحة الدولية بعد غياب طويل سببه عجز الرئيس السابق. وقد زار الجزائر في الأسابيع الأخيرة عدد من مسؤولي الدول العربية والاوروبية طلباً لتأييدها, كالرئيس اردوغان ورئيس وزراء ايطاليا ووزير خارجية مصر, كما زارها فايز السراج ووفداً يمثل خليفة حفتر من دون اعلان رسمي.

أما الولايات المتحدة فأرسلت وزير خارجيتها بومبيو, ولم تعلن بشكل واضح موقفها, ومن تؤيد, وماذا تريد, ولكن مصادر ليبية خاصة أكدت أنها تؤيد قائد الجيش الليبي, ((وهو مواطن اميركي)) والاتصالات بينهما لا تنقطع. وأكدت أن سبب انسحاب حفتر ووفده من موسكو الأسبوع الماضي لم يكن بطلب مصري أو إماراتي كما ذكرت الدوائر الاعلامية سابقاً, بل بطلب أميركي. واضافت المصادر أن حفتر غادر موسكو الى وارسو للاجتماع بمندوب أميركي رفيع. ويبدو أن واشنطن لم تعلن عن موقفها الرسمي في ليبيا احتراماً لحلفائها الاوروبيين, مفسحة المجال ليحاولوا حل الأزمة من دون تدخلها, ولكنها وحدها القادرة على حسم المواقف بعد أن يفشل الآخرون, لا سيما أن الدول الفاعلة كافة اعضاء في ((الناتو)) تركيا وفرنسا وايطاليا والمانيا. واكتفى بومبيو بدور ثانوي في المؤتمر مباركاً جهود المانيا, ومتمنياً لها النجاح بكلام عمومي ((حان الوقت لأن يبدأ الليبيون عهداً من السلام والاستقرار)).

مؤتمر كبير ونتائج صغيرة!

الجدير بالذكر أن المانيا عملت على الاستفادة من تجارب المؤتمرات السابقة لتتجاوز عوامل فشلها, وفرغت دبلوماسيتها الصامتة شهوراً للاعداد للمؤتمر, إذ سبقته خمسة اجتماعات تحضيرية, وقامت المستشارة وطواقم الخارجية بزيارات واتصالات مكثفة بكل الاطراف, وذللت كثيراً من العقد والخلافات الثنائية. نظراً الى أن الأزمة الليبية دخلت مؤخراً حالة شديدة من التعقيد والتصعيد والتدويل, بدخول تركيا وروسيا عسكرياً للصراع, وانعكاس أزمات أخرى عديدة عليها, كالأزمتين المصرية - التركية, واليونانية - التركية, فضلاً عن انقسام الدول الاوروبية. ومن الواضح أن الألمان ميزوا مؤتمرهم عن سوابقه بكونه يضم ممثلين عن المجتمع الدولي كله بما فيه افريقيا التي مثلها الرئيس الكونغولي ممثلاً للاتحاد الافريقي, والاتحاد الأوروبي, والجامعة العربية, فضلاً عن الأمم المتحدة, وتفاهم غير معلن مع حلف ((الناتو)).

 وأكد المبعوث الأممي غسان سلامة أن 12 دولة تورد السلاح حالياً الى طرفي الصراع, منتهكة قرار مجلس الأمن الدولي 1970 لعام 2011 الذي يحظر توريد السلاح. وزادت عليه بإرسال مرتزقة ومقاتلين أجانب من دول عديدة: روسيا, ايطاليا, السودان, تشاد, تركيا وسورية. وتوحي كلمات الأطراف كافة قلق الجميع من انفلات الصراع الداخلي الى حرب أهلية واقليمية ((تشبه الصراع في سورية)) كما قال المسؤولون الأميركيون والفرنسيون! , خصوصاً أن ليبيا قريبة جداً من سواحل ايطاليا واليونان, ويثير اقتراب روسيا وتركيا عسكرياً منها ذعر الاتحاد الاوروبي بكامله, وينطوي على احتمالات عديدة بما فيها صدام تركي - مصري, لا سيما أن الرئيس التركي زعم أن في ليبيا مليون تركي مهددين من قوات حفتر, وعليه التدخل لحمايتهم!   

وعلى الرغم من الجهود الضخمة, فشلت الأطراف الداعية والراعية في دفع ممثلي الصراع الليبي لدخول قاعة المؤتمر, فاقتصر حضورهما على الجلوس في غرفتين جانبيتين, وظل نجاح المؤتمر غير مضمون للجميع. وكان لافتاً أن جلسة المؤتمر انعقدت بسرية تامة, واتسمت بالقصر, لم تستغرق سوى ثلاث ساعات, وأن تصريحات الوفود اتسمت بالحذر, فلم تفرط بالتفاؤل, ولم تطلب أكثر من تفاهم على نقاط قليلة تمثل الحد الأدنى, أهمها ستة مخرجات هي:

-لا حل عسكرياً للأزمة.

-وقف دائم لاطلاق النار فوراً.

-التزام جميع الدول بحظر توريد السلاح الى ليبيا امتثالاً للقرار الدولي السابق.

-وقف تحركات القوى العسكرية المتحاربة. والامتناع عن استقدام مقاتلين أجانب. وشدد الرئيس الفرنسي على التزام تركيا بعدم استقدام مقاتلين من سورية.

-فرض عقوبات دولية على أي دولة تخرق حظر توريد السلاح.

-ايجاد آليات عملية على الأرض ولجان مراقبة لوقف اطلاق النار, وتوريد السلاح. وسحب أسلحة الميليشيات.

المخرجات والتمنيات!

 وأكدت المستشارة الالمانية انجيلا ميركل:

-إن المؤتمر لن يتوقف حتى يحقق أهدافه, ولذلك سينعقد مثنى وثلاثاً ورباعاً. برلين 1 وبرلين 2.. وهكذا.

-التزام الدول المشاركة بثلاثة مخرجات رئيسية: وقف النار فوراً, ووقف تحرك المقاتلين أو استقدام مقاتلين أجانب, وقف توريد السلاح.

-العمل مع سكرتير عام الامم المتحدة والدول الخمس دائمة العضوية على نقل المخرجات الى مجلس الأمن لاصدار قرار يفرض عقوبات على الدول التي تخرقه.

-اتفقت الاطراف على تشكيل لجان لمتابعة تنفيذ التفاهمات على الأرض.

-إذا تطلبت الحاجة نشر قوات عسكرية أجنبية على الأرض فستكون أوروبية حصراً لأن ((أوروبا برأي ميركل هي الأقرب الى ليبيا!)).

-رشحت معلومات أن الاتحاد الاوروبي بحث سلفاً امكان نشر قوات من حلف ((الناتو)) في ليبيا! أي أن الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو سيحتكران الاجراءات العملية في ليبيا كما جرى عام 2011 بعد الثورة على نظام القذافي.

-وضعت المانيا وحليفاتها الاوروبية محفزات ومغريات لأطراف الصراع الداخليين تتمثل في التعهد بإعادة بناء ما دمرته الحرب في ليبيا, وتعهدت ألا تصبح ليبيا ((سورية 2))!

-يبدو أن مهندسي المؤتمر حسبوا حساباً لكل الاحتمالات عبر اتصالاتهم, فإذا فشل الرهان على الحل السياسي كما فشلت المؤتمرات السابقة, فإن الدول الاوروبية والعربية اتفقت سلفاً على انشاء حلف للتدخل العسكري في ليبيا, وعكست تحية ميركل لدور مصر والجزائر تأييداً لأسلوب كل منهما في معالجة الازمة.  

-حسب المصادر ذاتها فإن أميركا تدعم هذا الخيار, لأنه يعيد زمام المبادرة الى الناتو الذي تمسك هي بقراره.

-أكدت مصادر ليبية أن عدم الرضا على دور مبعوث الامم المتحدة غسان سلامة يزداد بين الدول العربية والاوروبية, وقد يجري استبداله بشخصية أقوى وأكثر حيادية.

مؤتمر ضخم يعكس وزن المانيا الديبلوماسي الدولي, وقبولها من كل الأطراف, ومستوى الحضور فيه رفيع وواسع, ولكن نتائجه الواقعية في حقيقة الأمر محدودة جداً, وغير مضمونة عملياً, ويحتاج تنفيذها لخطوات واجراءات كثيرة عبر مجلس الأمن الدولي واستمرار اجماع الدول الخمس على المخرجات, وهو غير مؤكد أيضاً , خصوصاً من جانب روسيا.

وأشارت مصادر قريبة من الجيش الوطني الليبي, عدم تفاؤلها بنتائج المؤتمر لأنه لم يتخذ موقفاً حازماً لسحب السلاح من الميليشيات وحلها. خصوصاً أن السراج وحكومته لا يمكنهما الزام الجماعات المقاتلة بقراراتهما, أو بالقرارات الدولية. ورأت هذه المصادر أن الجيش لن يقبل بقاء الميليشيات تحكم قبضتها على العاصمة، ولا بد من حلها وسحب اسلحتها, كشرط للعودة للحل السياسي والتعاون مع الحكومة.

وتشكك جهات كثيرة ليبية ودولية بالتزام بعض الأطراف بالمخرجات فعلياً, نظراً لحجم المصالح المتنازع عليها, وخصوصاً المحور الروسي - التركي, فأسباب تدخلهما تتعلق بمصالح ومشاريع جيو - ستراتيجية تتجاوز ليبيا كثيراً.