2020-01-23 11:22:36

العلاقات التركية - المصرية تتجه الى انفراج بطيء/  بقلم: محمد خليفة

العلاقات التركية - المصرية تتجه الى انفراج بطيء/  بقلم: محمد خليفة

العلاقات التركية - المصرية تتجه الى انفراج بطيء/  بقلم: محمد خليفة

العلاقات التركية - المصرية تتجه الى انفراج بطيء/  بقلم: محمد خليفة

مجلة الشراع 24 كانون الثاني 2020 العدد 1935

 

 

الى أين تتجه العلاقات المصرية - التركية..؟ الى مزيد من التوتر والمجابهة أم الى انفراج..؟

هل صحيح أن دولة كبرى تتوسط لتقريب وجهات النظر بين الطرفين, وتخفيف التوتر بعد أن بلغ مستوى خطيراً..؟

للإجابة على هذه الأسئلة يتعين أولاً وضع رسم بياني لمسيرة العلاقات بين الدولتين الكبريين في الاقليم, وأسباب تصاعد التأزيم والتوتر والصراع بينهما في مرحلة محفوفة بالمخاطر الكبرى والتحولات الجيو- سياسية التي أعقبت ثورات الربيع العربي منذ 2011, وما زالت علاقات الدولتين تتجه الى مزيد من التوتر.

والجدير بالذكر أنه في عام 2015 التقى وزير الخارجية التركية السابق البروفيسور أحمد داوود أوغلو ((قبل أن ينشق عن نظام رجب طيب اردوغان ويتحول معارضاً شرساً لسياسته الداخلية والخارجية!)) عدداً من رجال المعارضة السورية, ودار بينهم حديث عن الشؤون الاقليمية. ونصح أحد السوريين الوزير التركي مؤسس نظرية ((صفر مشاكل)) بإعادة العلاقات الديبلوماسية وتطبيعها مع مصر من دون شروط ايديولوجية لما لذلك من انعكاسات ايجابية على العلاقات التركية - العربية عموماً, إلا أن داوود أوغلو استهجن الرأي, مبدياً دهشته من مطالبة مناضل في سبيل الديموقراطية بإعادة العلاقات مع نظام ديكتاتوري!

والمعروف أن العلاقات بين مصر وتركيا دخلت منذ 2013 وإسقاط الرئيس مرسي وتوقيفه, ثم انتخاب الرئيس السيسي, مرحلة من القطيعة الكاملة, بل والعداء والمواجهة, حتى أن أنقرا رفضت تكليف دولة ثالثة برعاية المصالح, وأصبح تطبيع علاقات البلدين وإعادتها الى مستوى علاقات ((دولة مع دولة)) ضرباً من المحال, بسبب تشدد أنقرا التي ((أدلجت)) علاقاتها مع القاهرة, ووضعت شروطاً تعجيزية لإعادة العلاقات الطبيعية, تخالف قواعد العلاقات بين الدول, في مقدمها عودة الديموقراطية الى مصر, وهو شرط ترجمته تركيا في حينها بدعوتها للافراج عن محمد مرسي, ورفع الحظر عن نشاط جماعة الاخوان المسلمين.

بالمقابل ردت مصر بمطالبة تركيا بالتوقف عن استقبال عناصر اخوانية مصرية مدانة بالجرائم, والسماح لهم بممارسة النشاط المعادي للنظام المصري سياسياً واعلامياً وحركياً, وقالت إن تركيا أصبحت ملاذاً آمناً للمتطرفين المطلوبين, وطالبت بتسليمهم لها.

وارتفعت درجة التوتر بين الجانبين الى مستوى المواجهة العسكرية في الأسابيع الأخيرة بسبب تورط تركيا في الأزمة الليبية ودخولها على خط دعم الجماعات الاسلامية وحكومة السراج, ودعم مصر للجيش الوطني الليبي وتوقيع مذكرة تفاهم بين تركيا وحكومة السراج تمنح الاتراك حق التنقيب عن النفط, ولها شق عسكري يمنحهم حق ارسال السلاح والمقاتلين.

إلا أن ثمة مؤشرات اخيرة عن محاولات لوقف مسلسل الخطوات العدائية من الجانبين تفاقم الأزمة والمجابهة, وكأن خطورة الأزمة تحولت حافزاً لإعادة النظر في سياق العلاقات بمساعدة بعض الوسطاء المقربين.

ففي ذروة التوتر بين مصر وتركيا بدأت ترشح معلومات عن اشارات من تركيا لمراجعة المواقف تجاه القاهرة, إذ سجل المراقبون تصريحاً في منتصف ك2/ يناير الجاري لأحد مستشاري الرئيس اردوغان المؤثرين ياسين اوكتاي ((او أقطاي)) جاء فيه ((إن العلاقات بين انقرا والقاهرة بحاجة لاستئناف الحوار المباشر بين مسؤولي الدولتين)). جاء التصريح بينما كانت حدة التصريحات العدائية بين الطرفين بلغت درجة بعيدة مع ارسال مقاتلين اتراكاً الى ليبيا.

التقط المراقبون التصريح واعتبروه مؤشراًَ مهما على تغير في لهجة الخطاب التركي الرسمي. خصوصاً أن أوكتاي أكد جدية الاتجاه بمقال كتبه في جريدة يني شفق قال فيه ((هناك العديد من الاسباب التي تدفعنا للتعاون مع مصر على أرض ليبيا)) وقال ((انه يمكن أيضاً ابرام اتفاقية مع مصر كالتي تمت مع طرابلس, ولا بد من وضع ذلك في جدول الاعمال)).

 ولم يمر يوم حتى التقط المراقبون تصريحاً ثانياً من وزير الاقتصاد السابق القيادي في حزب العدالة والتنمية مصطفى اليتاش, جاء فيه حرفياً ((لدي قناعة بأنه سيتم تنظيم اتصالات على المستوى الرسمي بين البلدين  بعد مرحلة من الدبلوماسية ((المستترة)) بينهما)). وتابع الوزير السابق: ((لدينا العديد من الروابط التاريخية والقواسم المشتركة مع مصر، فلا بد أن تترك الدول الاسلامية خلافاتها جانباً, وتفكر في أسباب ما تعيشه اليوم)).

ولم تمض ايام حتى رشحت معلومات أكثر أهمية عن جهود يبذلها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتقريب وجهات النظر بين صديقيه اردوغان والسيسي. وقالت إن بوتين بحث الأمر مع اردوغان في قمة اسطنبول الأخيرة, وهو يرى أن على مسؤولي البلدين عقد لقاءات رسمية لبحث الخلافات. وربط المراقبون بين هذا المسعى الروسي والمسعى الروسي الآخر لتطبيع العلاقات بين اردوغان وبشار الاسد, واللقاء التنفيذي الذي جرى في موسكو بين أرفع مسؤولين أمنيين في سورية وتركيا علي مملوك وفيدان حقان, وكلاهما مقربان من رئيسيهما.

كما تجدر الإشارة أيضاً الى أن مسؤولين أتراكاً حاولوا في الفترة الاخيرة دغدغة عواطف المصريين منوهين أن خرائط تركيا لشرقي المتوسط تخدم مصالح الشعب المصري على عكس مواقف اليونان, لأن ترسيم الحدود بين تركيا وليبيا توسع مساحة المياه الاقليمية لمصر على حساب اليونان, بينما تبني القاهرة لخرائط اليونان يحرم مصر من مساحات واسعة, وقد اعترف باحثون ومحللون مصريون كثر بهذه المسألة, كما أن القاهرة رغم تقاربها السياسي مع أثينا لمواجهة التوسع التركي ترفض خرائط اليونان لحدود مصر المائية.

كما يمكن الاشارة الى حادث أثار ريبة المراقبين يتمثل في قيام السلطات التركية في شباط/ فبراير 2019 بتسليم اخواني مدان ومحكوم بالاعدام باغتيال النائب هشام بركات هو محمد عبدالحفيظ حسين, وأثار الحادث غضب الاخوان في تركيا وأثار ريبتهم من نوايا النظام التركي وإمكانية التضحية بهم على مذبح المصالح الجيو - ستراتيجية لتركيا في شرقي المتوسط, ومقابل إعادة تطبيع العلاقات مع النظام المصري. وتحدثت أوساط الاخوان عن وجود 12 معتقلاً منهم في تركيا مهددين بالتسليم الى مصر, وأعرب كثير من اخوان مصر في تركيا عن ذعرهم جراء احتمال تسليمهم, وقالوا إنهم اجتمعوا في آذار/ مارس 2019 مع أوكتاي نفسه لرجائه عدم تسليم أي واحد منهم الى سلطات بلادهم بعد محمد عبدالحفيظ حسين .

كل هذه المعلومات تؤكد وجود اتجاه داخل النظام التركي لمراجعة العلاقات مع القاهرة, بهدف التقارب معها دعماً لاستراتيجية انقرا لمد نفوذها الى شرق المتوسط وليبيا من خلال البحث عن مصالح مشتركة لا من خلال التحدي والاستفزاز, كما يبدو أن روسيا هي الوسيط الدولي بين الطرفين.