2020-01-23 09:08:26

((الانتفاضة الوطنية ضد الحرامية)) في شهرها الرابع: أسبوع الغضب يسابق حكومة تصريف الوقت الدولي والاقليمي/ خاص الشراع

((الانتفاضة الوطنية ضد الحرامية)) في شهرها الرابع: أسبوع الغضب يسابق حكومة تصريف الوقت الدولي والاقليمي/ خاص الشراع

((الانتفاضة الوطنية ضد الحرامية)) في شهرها الرابع: أسبوع الغضب يسابق حكومة تصريف الوقت الدولي والاقليمي/ خاص الشراع

((الانتفاضة الوطنية ضد الحرامية)) في شهرها الرابع:

أسبوع الغضب يسابق حكومة تصريف الوقت الدولي والاقليمي

خاص الشراع / مجلة الشراع 24 كانون الثاني 2020 العدد 1935

 

خاص – ((الشراع))

مع اعلان الحكومة الجديدة، بدا واضحاً انها لم تحدث الصدمة المطلوبة كحكومة انقاذ لمعالجة الأزمة، وقوبلت من قبل المحتجين والناشطين بالنزول الى الشوارع في العديد من المناطق اللبنانية، وبالتشكيك بعدد من الوجوه التي ضمتها بعد اطلاق التوصيفات الرافضة لهذه الحكومة من نوع حكومة اللون الواحد، او حكومة المستشارين او الحكومة المقنعة.

ورغم التعهدات التي أعلن رئيس الحكومة الجديدة حسان دياب الالتزام بها لمعالجة الأزمة واستعادة الأموال المنهوبة ومكافحة الفساد، فإنه من غير الواضح بعد ما اذا كانت الاحتجاجات على تشكيل الحكومة الجديدة ستأخذ منحى تصاعدياً او تنازلياً وان كان من الواضح ان ردود الفعل الأولية تنذر بأن الحكومة وضعت على مشرحة الاحتجاجات حتى قبل ذهابها الى المجلس النيابي لنيل ثقته، ما يشير بوضوح الى ان ثمة سباقاً بين الاحتجاجات وبين هذه الحكومة التي لن تكون في أحسن الأحوال الا حكومة تصريف الوقت الدولي والاقليمي، لتتبلور ملامح صورة الوضع في المنطقة وبالتالي لبنان على ضوء ما ستؤول اليه عمليات الكباش ولي الأذرع السائدة في أكثر من صراع دولي – اقليمي وفي أكثر من أزمة.

وكان واضحاًَ ان الأزمة اللبنانية الناشبة دخلت منذ تشرين الاول - اكتوبرالماضي الى نادي أزمات المنطقة المزمنة او المستعصية، كالأزمة  في سورية وليبيا والعراق واليمن والسودان والجزائر، الخ..

 ففي كل هذه الدول يوجد حراك مدني - شعبي له مطالب وحقوق لا يمكن إنكارها، ولكن بالمقابل فإن القوى السياسة المتحكمة التي تتوجه اليها هذه ((الحراكات)) بهذه المطالب، تحاول إنكار ديناميتها السياسية، وتحاول الالتفاف على مطالبها بالمحاسبة وعلى بناها لمنع تجذرها كقوى سياسية ذات بعد اجتماعي، وبالمحصلة لمنع ان يفرز هذا النوع من الحراك بنية ((مواطن له حقوق وله واجبات)). هذا ما يحدث اليوم في لبنان، وحدث ويحدث في كل الدول العربية التي دخلت نادي الحراك المدني..

وقبل ليل السبت الماضي العاصف لم تتوقف محاولات أركان النظام الطائفي لتعليب الحراك, من قائل ان هذا الأخير هو من قبل مندسين يحركهم الطرف المذهبي الآخر خدمة لمشاريع ايران, ومن قائل ان ما يجري من صناعة ((السي اي ايه)), الى آخر ما هناك من بدع اتهامية لتوصيف الحراك بأوصاف شتى لا علاقة لها بحقيقة الأزمة وهي سوء ادارة الطبقة السياسية للأوضاع وعجزها عن القيام بواجباتها للتخفيف من معاناة اللبنانيين وأوجاعهم.

وبين المنظرين من هنا، مقابل المنظرين من هناك ضد مثيري الشغب ومفتعلي الاشكالات وضعت القوى الأمنية والعسكرية وهي جزء ممن اصابتهم المعاناة وأزمات الطاقم السياسي الحاكم او المبتعد الآن تحت عنوان المعارضة, يبدو واضحاً ان الشارع دخل مرحلة جديدة مع اسبوع الغضب خلال الايام السابقة, بعد المواجهات غير المسبوقة في وسط بيروت وقبلها المواجهات العنفية امام مصرف لبنان وشارع الحمرا وبعدها المواجهات المماثلة قرب ثكنة الحلو وكورنيش المزرعة فضلاً عن المناطق الأخرى خارج بيروت.

غادر الحراك وبصرف النظر عن مجموعاته, مرحلة مهادنة السلطة لا بل الطبقة السياسية وأحزابها بكل أطيافها, بعد ان لمس وبشكل واضح لامبالاتها, لا بل استقالتها الا عن القيام بما يؤمن استمرار مكاسبها ومصالحها وتصفية الحسابات في ما بينها, وبعد ان لمس ان الحكومة الجديدة ليست سوى مسخ للحكومات الماضية سواء تلك المسماة حكومات تفاهم او وحدة وطنية او ما تخللها من حكومات طغى عليها ما يسمى ((اللون الواحد)), علماً ان لبنان لم يشهد ولن يشهد في ظل الطبقة السياسية الحالية حكومة من هذا النوع مهما كان شكلها او تركيبتها او برنامجها.

((الكل)) صار ضد الشغب ومثيري المشاكل ومفتعليها, ولم ينتبه احد من هذه الطبقة ان مرحلة الايام التسعين الماضية لبدء ((الانتفاضة الوطنية ضد الحرامية)), ليست مجرد بيان او تظاهرات مرحلية سرعان ما سيمل المشاركون فيها او يصيبهم التعب والاحباط ,ولم يدرك احد ان مناخات جديدة دخلتها البلاد وأبرز ما في هذه المناخات هو الوعي السائد والمتسع النطاق لحقيقة الأزمة والمتسببين بها وضمنه مسؤولية كل المسؤولين الحاليين والسابقين الذين تولوا السلطة على مدار العقود الثلاثة الماضية عن استشراء الفساد ونهب المال العام وطغيان منطق الزبائنية والمحاصصة الرخيصة والبشعة وزيادة المديونية العامة وتهريب الأموال والعمل على تحويل المؤسسات والادارات العامة الى اقطاعيات ومزارع لزعامات بنت أمجادها على تقديم نفسها بأنها حامية الطائفة او المذهب او المنطقة او العشيرة.

والغريب ان الجميع فوجئ بموجات الغضب التي شهدها الشارع, وكأن حراكه ينبغي ان يقتصر على مشاهد الرقص او الدبكة او وصلات الموسيقى والغناء وما شابه, رغم ان أي عاقل يمكنه ان يتوقع ان الناس ولمجرد نزولها الى الاحتجاجات ستصل عاجلاً او آجلاً الى ما شهدناه في ما سماه ناشطو الحراك ((اسبوع الغضب)) الذي لم يتوقف عند ما جرى وينذر بما هو اسوأ من عمليات تكسير وشغب وفوضى.

والغريب أكثر هو التوصيفات التي بدأت توجه من قبل سياسيين ومسؤولين حاليين وسابقين  للمنتفضين باعتبارهم مرتزقة او مأجورين او مخربين, الى آخر ما في هذه المعزوفة الجديدة, كأن من يطلق هذه التوصيفات يأتي من عالم آخر متجاهلاً ان كل ما قام به مثيرو الشغب هو نتيجة وليس سبباً للأزمة التي يتحمل مسؤوليتها ما قام به هؤلاء المسؤولون على مدى السنوات الماضية القريبة والبعيدة.

وعلى ضفاف هذا البعد العميق لأزمة لبنان الحالية وهي باتت تدخل في دول نادي الحراك الذي بات بلد الارز  منها منذ يوم 17 تشرين الاول - أكتوبر الماضي، تولد المئات من طحالب الاحداث الرامية لإعادة تشكيل الاستقرار السياسي، ويحدث هذا الصراع بين البنى الاجتماعية التي تقود الحراك من جهة وبين القوى السياسية المتحكمة التي تحاول منع مسار الحياة السياسية من الاندفاع الى التطوير.

والحقيقة ان واقعة ما حدث في لبنان على مستوى محاولات تشكيل حكومة عتيدة قبل الاعلان عنها، هو نموذج عن استعصاء انتاج حل تكتيكي لأزمة استراتيجية تعتمل داخل المجتمع والوطن والدولة. 

 وفي التفاصيل الخاصة بأزمة تشكيل حكومة حسان دياب تبرز المعطيات والخلاصات الأساسية التالية: 

اولاً - منذ البداية برزت خلال الاستشارات النيابية الملزمة لتسمية رئيس مكلف لتشكيل الحكومة العتيدة ان اسم حسان دياب هو عبارة عن اسم حركي لأكثر من ازمة داخل احزاب التسوية الرئاسية المحطمة:

الأولى- أزمة القوى التي دعمت ترشيح اسم دياب، وهذه كانت موزعة بين فريقين: الاول كان يريد بقاء الرئيس سعد الحريري سواء تحت اسم رئيس لحكومة جديدة او تحت اسم رئيس لحكومة تصريف الاعمال. والثاني كان يريد بقاء الحريري شرط ان يبقى معه في الحكومة جبران باسيل او ذهاب الحريري والإتيان بحكومة تكنوقراط لا تغيب التمثيل السياسي الذي افرزته نتائج الانتخابات النيابية الاخيرة. وبعد أخذ ورد بين هذين الفريقين الحليفين ((الثنائي الشيعي والتيار الوطني الحر)) تقرر اعلان اليأس الكلي من ورقة الحريري ((التيار الحر)) او اليأس الجزئي منه ((حزب الله وامل)). وهذا ما مهد لتوافقهما على تسمية دياب. اما الفريق الذي رفض تسمية دياب او سمى غيره او لم يسمه، فهو فريق كان لديه بالأساس مشكلة مع التسوية الرئاسية عندما كانت بصحة جيدة. وبالتالي فإن هذا الفريق لديه أولوية حالياً تتمثل بالتأكد من ان جثة التسوية الرئاسية دفنت بالكامل، والتأكد من هذا الأمر لا يكون الا بالتأكد من سحب سعد الحريري من هذه التسوية. وعليه وجدت هذه القوى ((القوات والكتائب والحزب التقدمي الاشتراكي)) بأن مجيء دياب لنادي المكلفين وليس الحريري يحقق لهم هدف التأكد من ان التسوية الرئاسية دفنت. علماً ان جنبلاط حاول العودة للدخول  على خط تشكيل الحكومة من خلال تسمية احد المقربين منه لتوزيره. 

الثانية- ضمن معطيات الاشتباك السياسي داخل قوى احزاب السلطة الستة المعروفة.. وتالياً ضمن سياق الصراع بين هذه الاحزاب مع الرسالة الجديدة عن التغيير الذي يمثله الحراك، فإن كل المؤشرات ذات الصِّلة بهذين الصراع تؤكد ان حسان دياب غير قادر واقعياً على تشكيل حكومة قابلة للحياة داخلياً وخارجياً. فالأحزاب الداعمة لدياب تريد منه ثمناً سياسياً كي تمنحه التأييد في البرلمان، وهذا الثمن المطلوب من دياب لا يمكنه دفعه لأنه لو دفعه سيرفضه الشارع والخارج . وبالمقابل فإن دياب وهو كما يقول عارفوه شخصية انانية سياسياً، بمعنى انه يعتبر انه لم يقبل التكليف كي يستقيل كما لم يشكل الحكومة ليستقيل، وانه اذا ارادت الاحزاب التي رشحته ان تحرق تكليفه سياسياً لتخرج من أزمتها، فإنه سيصمد عند تكليفه لتبقى الاحزاب في أزمتها. وعليه فإن حل الوسط الوحيد الممكن إبرامه بين الاحزاب التي دعمت ترشيح دياب وبين الأخير، يقع في نقطة وسطية تقول ان دياب يشكل ولكنه لا ينال الثقة، ويصبح رئيس حكومة تصريف اعمال بانتظار حل لأزمة تشكيل الحكومة في لبنان لن يأتي قبل الصيف المقبل، موعد اتضاح ملف الانتخابات الاميركية الرئاسية. 

الثالثة - وبمقابل تسوية  دياب رئيساً لحكومة تصريف اعمال، هناك رأي آخر داخل أحزاب القوى التي دعمت ترشيحه على مضض من جهة وظلت من جهة ثانية تنظر بطرف عينها لعودة الحريري لرئاسة الحكومة.. يقول هذا الرأي انه من الأفضل ان يتم ايجاد مخرج مشرف لدياب كي يستقيل، واذا تعذر ذلك فليشكل ولا ينال الثقة، ومن ثم يجري البحث عن مخرج مشرف للحريري حتى يعود لرئاسة الحكومة. ولكن التيار الوطني الحر لا يزال عند شرطه القائل بأن وجود الحريري يعني وجود باسيل في  الحكومة نفسها وهو ما يرفضه الحريري حتى الآن. ويعرف حزب الله ان تلبية هذا الشرط غير ممكن حالياً نظراً لتمسك الحريري بحكومة تكنوقراط خالصة، غير ان مرجعاً بارزاً وجد الحل:  يسقط دياب تحت ضغط الشارع وليس تحت ضغط الاحزاب التي دعمت ترشيحه، وهكذا يعود الحريري رئيساً لحكومة تصريف الاعمال او تصريف الانتظار السياسي لغاية معرفة كيف تتجه الامور في المنطقة حتى موعد الانتخابات الرئاسية الاميركية. 

وكان لافتاً قبل الاعلان عن الحكومة الجديدة ما تعرضت له عملية تشكيلها التي اعلن عن أكثر من موعد لولادتها, قبل ان تعود حليمة لعادتها القديمة ((وهذه المرة في صفوف الثامن من آذار/ مارس)) بشرط من هنا ومطالبة بتمثيل من هناك وعزف مستهلك على ما يسمى الثلث المعطل ورفضه, من دون ان يعرف بعد ما اذا كان المطلوب من ذلك هو استهلاك المزيد من الوقت وتقطيعه واللعب بنفوس اللبنانيين ومصالحهم ام ان وراء الأكمة ما وراءها.

... وبخلاصة مربعات شطرنج الاحداث الجارية اليوم في لبنان، يتضح ان السباق حالياً هو ليس على تشكيل حكومة عتيدة جديدة، بل على من يرأس حكومة تصريف الاعمال او تصريف الوقت الدولي والاقليمي الصعب حتى الصيف القادم: دياب ام الحريري؟ الثنائي الشيعي يفضل الحريري، والتيار الوطني الحر يفضل دياب ولكن شرط ان يقبل الاخير بشروطه الموجودة في قصر بعبدا منذ ايام. 

وتقول مصادر مطلعة على خلفيات هذا الصراع ان الوقت أصبح ضاغطاً على الرئيس عون نفسياً تحديداً، فالأخير لا يريد تجرع كأس ان يبقى عهده من دون حكومة لمدة عام كما ان هذا الوضع مرشح للاستمرار، وبالمقابل لا يريد الرئيس عون ان يستجيب لرغبة دياب ومن قبله الحريري لتشكيل حكومة لا تعترف بنتائج الانتخابات النيابية الأخيرة التي حصد فيها تيار عون السياسي أكبر أغلبية نيابية في المجلس النيابي الحالي واكبر كتلة نيابية مسيحية بتاريخ كل الاحزاب المسيحية في لبنان . الرئيس عون لا يريد ان يكتب التاريخ بأن نصره الانتخابي المسيحي التاريخي لم يصمد سوى عامين، ثم انهار تحت اقدام خصومه والمحتجين في الشوارع.. كما انه لا يريد ان يكتب التاريخ انه جلس مستوحداً لعام او عامين في قصر بعبدا من دون حكومة. 

وتضيف هذه المصادر ان ما يجري حالياً هو سباق الاحزاب الثلاثة ((امل - حزب الله والتيار الوطني الحر)) مع الوقت الاحتجاجي في الشارع ومع التطورات الخارجية لتنصيب واحد من رئيسين على حكومة تصريف الوقت الضائع: دياب او الحريري؟!. وبالتالي فإن الأسئلة الاستدراكية هي التالية: هل سيسقط دياب في الشارع فيتم حرمانه من ان يصبح رئيس حكومة تصريف اعمال.. أم سيصمد حتى تسقطه القوى التي رشحته في البرلمان فيصبح رئيس حكومة تصريف وقت الاحزاب التي دعمت ترشيحه الضائع؟. ام ان دياب يعتذر قبل ان يشكل فيصبح الحريري رئيس حكومة تصريف الوقت الضائع للاحزاب التي تريده رئيساً لحكومة تكنو- سياسية؟؟.

هذه الاسئلة كانت مطروحة قبل اسبوع الغضب الأخير, وقبل تشكيل الحكومة الجديدة وما زالت مطروحة الآن بشكل أكبر وأوسع, والنتائج قد تظهر ملامحها الاولية في ما سيشهده الشارع من الآن وصاعداً، خصوصاً وان الحراك بديناميته التي تفاجئ الطبقة السياسية كل يوم بجديد يباغتها ويزيد ارباكها لن يبقى متفرجاً على ما يخطط له ويحاك في مطابخ  ما وراء الكواليس.