2020-01-16 11:09:37

قابوس بن سعيد، رحل السلطان العاقل الحكيم / بقلم - حسن صبرا

قابوس بن سعيد، رحل السلطان العاقل الحكيم / بقلم - حسن صبرا

قابوس بن سعيد، رحل السلطان العاقل الحكيم / بقلم - حسن صبرا

قابوس بن سعيد

رحل السلطان العاقل الحكيم

بقلم / حسن صبرا

مجلة الشراع 17 كانون الثاني 2020 العدد 1934

 

السلطان العُماني قابوس بن سعيد، أعاد الاعتبار لقيم كنا ((كثوريين)) متحمسين أهملناها لصالح قيمٍ كنا نعتبرها ليست فقط أولوية، بل انها الوحيدة التي يجب ان نتمسك بها و((نناضل)) لأجلها ونتناقش فيها.

القيم التي أعاد لها قابوس الاعتبار هي حقوق الناس في الحياة الحرة الكريمة، تعليم مجاني وراقٍ،  فرص عمل حرة وشريفة، خدمات في الكهرباء والماء والطرقات والتطبيب المجاني الفعال، صرف مداخيل البلاد داخلها، الامتناع عن اي مغامرة خارجية تشكل أعباء لا تنتهي على البلاد وأجيالها، فتح قنوات الصداقة مع كل دول العالم، خارج أي محور.

كنا نرى ان الخطاب السياسي القومي الثوري هو الذي يطربنا ويشجينا، من دون ان نرى الجانب الآخر في حقوق الناس التي أوردناها، فلا نسأل عن طريق لم ينجزه هذا الحاكم، اذا كان خطابه السياسي يرضينا، ولا نسأل عن طبابة لم تتوفر او مدرسة لم تبنَ او كهرباء لم تأتِ او مياه ملوثة اذا كان الحاكم هذا يدغدغ مشاعرنا بخطابه..

كنا وما زلنا نعتقد ان جمال عبدالناصر هو الزعيم الوحيد الذي بنى وعمر وقدم خدمات لوطنه في كل القطاعات، فهو باني السد العالي، الذي وفر الكهرباء لـ 4000 قرية في مصر، وبنى آلاف المدارس والوحدات الصحية.. وهو الذي يتحدث بإسمنا ومثلنا في تحدي الاستعمار والصهيونية، فأمم القناة وطرد الاحتلال وحقق الوحدة العربية وأعطى العمال حقوقهم ووزع أراضي الاقطاعيين على الفلاحين.

لم نكن نرى غير جمال.. أو لم يكن في أولويات اهتمامنا توفير الخدمات الواجبة للناس، كنا نرى ان من يسير على خط جمال السياسي هو الأقرب الينا فقط.

وبعد مرور عقود.. وجدنا ان هناك من اهتم ببناء مجتمعاته وصرف مداخيله داخل الوطن.. ونقل الدولة من حال سيئة في الخدمات الى انجازات مستمرة لا تتوقف.

صرنا نرى ان الشيخ زايد بن سلطان حقق وحدة جديدة في التاريخ العربي، ونقل هذه الدولة من مجرد خيم في الصحراء الى مباني ودور ومؤسسات وخدمات لا تنتهي للناس.

واذا كانت دولة الامارات تتمتع بثروة نفطية ومالية وفرت للشيخ زايد وخلفه ان ينهضا بالدولة الجديدة، فإن دولة كالمغرب ليس فيها ثروات كبيرة كما في الامارات او غيرها انكب ملكها محمد السادس على اعادة بناء كل شيء في المغرب في الطرقات وتوليد الطاقة من الشمس وبناء المدارس والجامعات وتوفير المياه النظيفة.

هكذا قابوس بن سعيد الأولوية عنده للموطن العماني حيث كان يعمل بصمت طيلة نحو 50 سنة.. لم يطمح لأي دور اقليمي او خليجي، بل كان الانسان العماني وحده هو اهتمامه الأول.. ومع هذا كان العالم كله يقصده طالباً وساطته في أزماته العديدة.

وأهم ما ميز السلطان الراحل قابوس بن سعيد بن تيمور هو دور الاطفائي لأي حريق ينشأ حوله او حتى بعيداً عن عمان، حتى ان أي مسألة خلاف او نزاع او حتى صراع يهدد بحرب، كانت تطرق باب السلطان قابوس طالبة وساطة منه حيث له الكلمة المسموعة، انطلاقاً من حكمته وهي التي جلبت له ولدولته الاحترام الداخلي والاقليمي والعالمي.

ح.ص

 

كانت ((الشراع)) وسيلة الاعلام الوحيدة التي نشرت على غلافها في العدد 1913- 1914 تاريخ 30- 8- 2017 قرار السلطان قابوس بترتيبات وراثته، وفيها تكليفه مجلس العائلة لانتخاب خليفة له بعد رحيله، فإذا عجزوا وتعذر الاتفاق على سلطان جديد، يتم اللجوء الى وصيته التي كتبها وحفظها في خزنته، اما اذا تم التوافق على اسم الخليفة، فيتم حرق الوصية.

مجلس العائلة لم يتفق على خليفة السلطان قابوس فعاد أعضاؤه الى وصيته، فإذا بها تنص على ان يخلفه ابن عمه هيثم بن طارق بن سعيد بن تيمور، فأصبح هو سلطان عُمان الجديد.
السلطان الجديد هيثم بن طارق مثقف ومطلع وملم بأمور الدولة الداخلية وشؤونها الخارجية وتشابك علاقاتها، وفي أول اطلالة له بعد تعيينه سلطاناً تعهد بالسير على خطى سلفه الراحل، ومع توكيد هذا الأمر فإن السلطان هيثم له شخصية مميزة يشهد له فيها عارفوه سواء حين تولى وزارة الثقافة والتراث حيث ظهر عشقه لتاريخ عمان المجيد ودورها الريادي في هذا المجال وهو الذي ارتبطت بإسمه انجازات عديدة في البلاد.. او قام بمهمات عديدة ظلت بعيدة عن الاعلام..

تقول العرب: ((ان هيثم بن طارق سيكون خير خلف لخير سلف)).

 

لقراءة الموضوع يرجى الضغط على الرابط ادناه 📜👇

👈🏼هذا ما أوصى به السلطان قابوس لوراثته 👉🏼

 

هذا ما أوصى به السلطان قابوس لوراثته

في خطوة تظهر مدى شفافية سلطان عمان قابوس بن سعيد وحرصه على استمرار استقرار السلطنة من بعده، قال حاكم عُمان لملك عربي التقاه منذ فترة يسأله عن مصير الحكم في السلطنة من بعده اثر مصارحة السلطان للملك بطبيعة مرضه:

((لقد كتبت وصيتي وأودعتها في خزنتي الخاصة وأبلغت عدداً من أفراد أسرتي المقربين ان عليهم ان يجتمعوا بعد رحيلي مباشرة وان يختاروا واحداً منهم بالانتخاب، فإذا تعذر عليهم الاتفاق على واحد من بينهم ليكون هو سلطان عُمان القادم، فإن عليهم ان يعودوا الى وصيتي ليلتزموا بما اخترته لهم.. اما اذا اتفقوا على اختيار او انتخاب واحد من الأسرة التي حددت أفرادها بالأسماء.. فإن أحدهم سميته بالاسم سيفتح خزنتي ويحصل على وصيتي ثم يمزقها او يحرقها ولا يطلع على اسم الشخص الذي اخترته كي يصبح حاكم البلاد من بعدي)).

الملك العربي أثنى على قرار السلطان الشجاع قائلاً له: ((لقد فعلت الصواب، وكان بودنا ان نعتمد هذا الاسلوب الشفاف في مملكتنا، لكن ظروف بلدنا تختلف عن ظروفك الشخصية، فأنت لم تنجب أولاداً  كي يستمر الحكم من خلال كبيرهم في سلطنتك، ولكنك تجاوزت كل الاعتبارات واخترت بحكمتك ان تستمر أمور السلطنة واستقرارها على نهجك، بما يمكن تسميته شورى، واحتكاماً الى رأي أغلبية الموثوقين حولك الآن، كما انك لم تقيدهم بوصيتك اذا ما اتفقوا، وستكون وصيتك هي مرجعيتهم الحاسمة اذا اختلفوا)).

سلطان قابوس الذي كان يعالج من مرض خطير في أحد مستشفيات المانيا عاد منذ فترة الى السلطنة وهو يقود البلاد بإقتدار وهو في صحة جيدة وعقل مستنير، وتؤدي دولته دورها الحكيم بمسار هادىء ليس فيه انعطافات او صدمات او مفاجآت.