2020-01-16 08:58:13

مَنْ يُخرج مَنْ .. مِنَ الشرق الأوسط العربي؟ بقلم محمد خليفة

مَنْ يُخرج مَنْ .. مِنَ الشرق الأوسط العربي؟ بقلم محمد خليفة

مَنْ يُخرج مَنْ .. مِنَ الشرق الأوسط العربي؟ بقلم محمد خليفة

مَنْ يُخرج مَنْ .. مِنَ الشرق الأوسط العربي؟

بقلم محمد خليفة

مجلة الشراع 17 كانون الثاني 2020 العدد 1934

 

 

هل الضربتان المتبادلتان مؤخراً بين الولايات المتحدة وايران في العراق بداية مواجهة كبيرة على مستوى الشرق الأوسط, أم  نهاية موجة تهديدات متبادلة استمرت معظم شهور العام المنصرم؟

هذا السؤال يشغل تفكير قادة الدول المعنية في المنطقة, كما يشغل المحللين المتخصصين في العالم, نظراً لخطورة ما جرى بينهما منذ اغتيال قاسم سليماني, حتى أنه ما من موضوع آخر يتفوق عليه في وسائل الاعلام الغربية والعربية والاسرائيلية والايرانية منذ اسبوعين. وهدف الجميع ليس تحليل ما حصل, بل فهم القادم من الأحداث والاستعداد له, خصوصاً أن أي حرب مفتوحة بينهما قد تشكل كارثة على دول وشعوب المنطقة, والعالم كله, نظراً لما تمتلكه الدولتان من ترسانات وامكانات. ويضاعف الحاح السؤال أن نوايا وخطط الطرفين غير واضحة بالقدر الكافي. فالرئيس دونالد ترامب ظل طوال شهور يرد على مواقف الايرانيين بإجابات ملتبسة, إذ كرر كثيراً رغبته بالمفاوضات, وعدم رغبته بالحرب, ورغبته بتغيير سلوك النظام الايراني لا بتغيير النظام نفسه. وكلما زاد المسؤولون الايرانيون من تصريحاتهم العنيفة, زاد ترامب من تصريحاته اللطيفة, حتى ظن المراقبون أنه لا ترامب, ولا إدارته, ولا الولايات المتحدة لديهم رؤية أو استراتيجية للتعامل مع التحدي الإيراني, أو لمشاكل الشرق الأوسط , وكانت ((واشنطن بوست)) أحد أهم المنابر التي كررت هذا الرأي, ولكن عملية اغتيال أحد أكبر الرؤوس الايرانية, بأمر من ترامب, قلبت المواقف في الداخل والخارج.

ابتهاج صهيوني

الخبير الاسرائيلي الأمني البارز عاموس جلبوع وصف ما يتردد عن عدم وجود استراتيجية لدى ترامب تجاه المنطقة بأنه ((غير صحيح, فهو في ضربة واحدة أحدث انقلاباً في كل المشهد))، وأكد أن ((استراتيجية ترامب بعد اغتيال سليماني تهدف لكبح جماح إيران، وتقييد حركتها، وإضعافها، وحرمانها من حيازة السلاح النووي، والصواريخ بعيدة المدى، ومنعها من نشر الفوضى في المنطقة، وزاوج في استراتيجيته الناجحة بين العقوبات الاقتصادية الخانقة، والتهديد العسكري الذي سيؤدي لإضعاف ايران)) . وأضاف جلبوع الذي شغل مناصب رفيعة في الموساد وكتب كتباً كثيرة ((في دقائق أثبت ترامب أنه ملك الغابة، وتصرف كما لو كان أسداً، وجاء الإغتيال بصورة لا  تتخيلها ايران، فأهانها بقوة، وأغضب خامنئي الذي اعتبر سليماني أحد أبنائه)). وقال: ((سيشكل الاغتيال عقبة كأداء في طريق تطلعات إيران، ووجه رسالة للحلفاء مفادها أنه يمكنكم الاعتماد علينا، ولن نترك المنطقة، ولن نتخلى عن أصدقائنا)).

 فما هي استراتيجية الولايات المتحدة واستراتيجية ايران بعد العملية؟

مبدأ ترامب

الواقع أن الصراع يتم بين استراتيجيتين متطابقتين, فكل منهما تريد طرد غريمتها من المشرق العربي والاستفراد به.

أولاً: استراتيجية ايران تستهدف إخراج الولايات المتحدة لتتمكن من الاستفراد بالشرق الاوسط , والسيطرة عليه بلا منافس, وفي المقابل تريد الولايات المتحدة إخراج إيران من الدول العربية الأربع التي سيطرت عليها في عهد أوباما.

ثانياً: تسعى ايران لامتلاك سلاح نووي لتوازن به سلاح اسرائيل أو أي دولة اقليمية أخرى. وأما ادارة ترامب فتريد اجبارها على العودة للتفاوض على اتفاق جديد ينتزع منها تعهداً بوقف برنامجها النووي, وفرض رقابة صارمة عليها, ووقف انتاجها للصواريخ الباليستية بعيدة المدى.

ثالثاً: تريد ايران ان تكون لها الكلمة الأولى في الممرات المائية الدولية الاستراتيجية كمضيق هرمز والخليج ومضيق باب المندب والبحر الاحمر, وأما الولايات المتحدة فتريد حماية فقط دول الخليج وحرية الحركة عبر الممرات الدولية , بحكم وجود مصالح ضخمة لها في المنطقة.

 مارست ايران الغزو والارعاب لفرض استراتيجياتها طوال عقدين, فحققت نجاحات كبيرة, بفضل تساهل ادارة أوباما. ووجدت دعماً من روسيا والصين تجلى في مشاركتها بمناورات بحرية قبل شهور. كما أن ادارة ترامب أظهرت تساهلاً واضحاً مع اعتداءات ايران على السعودية والامارات وناقلات النفط, بواسطة أذرعها اليمنية والعراقية, مما جعل الدول العربية تشك بمصداقية الحليف الاميركي, وبدأت تبحث عن البديل مع روسيا والصين, الأمر الذي أقلق الأميركيين, وحثهم على تجديد التزامهم وجدية تعهداتهم.

 فجاء اغتيال قاسم سليماني لإعادة الهيبة والفعالية لقوة الردع الأميركية السياسية والعسكرية, لا سيما أن ترامب أبطل فوراً مفعول الارعاب الايراني حين أعلن ((مبدأه)) الموجه لطهران الذي يتضمن:

كل اعتداء على هدف أميركي بشري أو مادي من ايران ذاتها أو من أذرعها يعد عدواناً حربياً على الولايات المتحدة, سيجري الرد عليه فوراً بأقصى قوة. وقال ترامب انهم حددوا 52 هدفاً استراتيجياً في ايران لتدميرها بما فيها محطات تكرير النفط, والموانىء, ومنشآت توليد الكهرباء, والأهداف العسكرية. ثم أكد أن المبدأ ينطبق على الدول العربية الحليفة اذا تعرضت لأي عدوان من ايران واذرعها.

فكيف تلقت ايران هذا المبدأ الصارم؟

سيناريوهات الجولة القادمة

 تراجعت ايران فوراً عن تنفيذ تهديداتها بالانتقام لمقتل قاسم سليماني أمام الردع الاميركي الصاعق بكل مستوياته:

أولاً - قتلت أهم مسؤول إيراني عن ((سياسات التوسع الاقليمي, والارعاب, وضرب الوجود الاميركي, والتسلح الصاروخي, والقمع الداخلي)).

ثانياً - هددت بضرب العمق الإيراني والأهداف الاستراتيجية إذا تعرض أي هدف لها أو لحلفائها .

ثالثاً -  تحميل ايران مسؤولية ما ترتكبه أذرعها في المنطقة ومحاسبتها على أفعالها.

لذلك جاء الرد الايراني على اغتيال سليماني هزيلاً وضعيفاً, يقتصر هدفه على تهدئة الغليان الشعبي الداخلي, ولم يوقع إصابات بشرية, وإنما أصاب هيبتها اصابة قاتلة.

ولكن هل انتهت الجولة عند هذا الحد؟

لا أحد من المحللين يعتقد أن المواجهة انتهت, بل يعتقد الجميع أن ايران انكفأت مؤقتاً، ولكن انكفاءها لن يطول, ولا بد أن تنتقم كما أمين عام حزب الله, وان يكون انتقامها ليس ضربة واحدة هنا وضربة هناك, بل مساراً لكل محور المقاومة. وقصف ايران لقاعدة عين الاسد الاميركية وقاعدة أخرى في أربيل هو تجرؤ غير مسبوق ضد هدف اميركي يمثل رمزية مهمة لهيبة اميركا، كما انه جزء من مشروع كبير لاخراج اميركا من المنطقة. ويتوقع الخبراء أن تعود عمليات الخطف والاغتيال والنسف لأهداف أميركية وغربية وعربية, أو خطف طائرات أو ناقلات أو سيارات مفخخة.. إلخ. ويرجح أن تسرع ايران خطاها لإنتاج السلاح النووي كما قدرت فرنسا ((خلال عام أو عامين)),  ويتوقع أن تقاوم كل محاولة لاجبارها على الانسحاب من الدول التي سيطرت عليها في الاقليم بالقوة.

ويرى محللون أن ايران ستقبل المفاوضات مع الأميركيين إذا لمست امكانية للمساومة والتوصل لصفقة تضمن مكاسبها مقابل وقف برنامجها النووي ورفع العقوبات. أما من دون ذلك فسترفض ولو تعرضت لمزيد من العقوبات والضربات.

لذلك يعتقد المراقبون والخبراء أن أسباب الاستمرار في التصعيد والمواجهة أقوى من عوامل التهدئة , خصوصاً أن اصطفافاً اوروبياً خلف ترامب بدأ يتشكل ضد سياسة ايران النووية, بسبب انسحابها من الاتفاق النووي .

 وسيكون وضع ايران أكثر صعوبة وعزلة إذا فاز ترامب في انتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر وعاد رئيساً لأربع سنوات.