2020-01-16 08:55:56

القناعة كنزٌ عظيم / بقلم الشيخ أسامة السيد

القناعة كنزٌ عظيم / بقلم الشيخ أسامة السيد

القناعة كنزٌ عظيم / بقلم الشيخ أسامة السيد

القناعة كنزٌ عظيم / بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 17 كانون الثاني 2020 العدد 1934

 

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

أما بعد فقد قال الله تعالى في القرآن الكريم: ((ولا تَمُدَّن عينيك إلى ما متّعنا به أزواجًا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خيرٌ وأبقى)) سورة طه.

لا شك أن القناعة للمؤمن من أنبل وأجلِّ الصفات، وفي القناعة راحةٌ للنفس وطمأنينةٌ وسكينةٌ تغشى صاحبها فتغمره بصفاء القلب وهدوء البال، ويُساعد على اكتساب القناعة أن يتذّكر المرء بقلبه دوما أن الله تعالى قدَّر كل شيء وأنه لا يجري شيء في هذا العالم من خيرٍ أو شرٍ أو غنىً أو فقرٍ أو رخاءٍ أو شدةٍ إلا بمشيئة الله وإرادته. ومع هذا فإن الإنسان مطالبٌ بالسعي لتحصيل النفقة الواجبة على من يلزمه أن يُنفق عليهم كالزوج والأولاد الصغار إن كان لا يجد تلك النفقة إلا بالسعي، لأن أمور الدنيا قائمة على الأسباب والمسبَّبَات، ولكن لا يكون إلا ما قدّره الله. قال تعالى: ((نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا)) سورة الزخرف.

قال علم الهدى الماتريدي في ((تأويلاته)): ((ثم قوله تعالى ((نحن قسمنا بينهم معيشتهم)) دلالة على خلق أفعال الخَلق لأن التفضيل والتوسيع في الرزق والمعيشة إنما يكون باكتسابٍ يكون منهم وأسبابٍ جُعلت لهم ثم أخبر أنه هو يقسم ذلك، دل ذلك على أنه ((أن الله)) هو مُنشئ أكسابهم وخالق أفعالهم وأن له في ذلك تدبيرًا، لأنَّا نرى من هو ((أي من البشر)) أعلم وأقدر على أسباب الرزق كانت الدنيا عليه أضيق، ومن هو دونه في تلك الأسباب والاكتساب كانت عليه أوسع)).

فمن أيقن بهذا جديرٌ به أن يختار القناعة ويرضى عن الله تعالى، فإن الرضا عن الله من واجبات القلب ومعناه التسليم لله وترك الاعتراض عليه. ثم إن الله تعالى أمر في الآية أعلاه بعدم الاغترار بالدنيا ولذاتها الفانية، قال أبو حيَّان في ((تفسيره)): ((والمعنى لا تعجب يا محمد مما متعناهم به من مالٍ وبنين ومنازل ومرَاكب وملابس ومطاعم، فإنما ذلك كله كالزهرة التي لا بقاء لها ولا دوام وإنها عمَّا قليل تفنى وتزول، والخطاب وإن كان في الظاهر للرسول صلى الله عليه وسلم فالمراد أمته، وهو كان صلى الله عليه وسلم أبعد شيء عن النظر في زينة الدنيا، وأعلق بما عند الله من كل أحد وهو القائل في الدنيا ((ملعونة ملعون ما فيها إلا ما أريد به وجهُ الله)) وكان شديد النهي عن الاغترار بالدنيا والنظر إلى زُخرفها، ((ولا تمدن عينيك)) أبلغ من ((لا تنظر)) لأن مدَّ البصر يقتضي الإدامة والاستحسان، بخلاف النظر فإنه قد لا يكون ذلك معه والعينُ لا تُمدُّ فهو على حذف مضاف أي لا تمدَّنَّ نظرَ عينيك)).

القناعة كنزٌ وذخر

وهذا يتضمن بلا شك أن تقنع بما قسم لك ربك من الرزق وأن لا تمدَّ يدك إلى الحرام، وإلى هذا أرشد النبي صلى الله عليه وسلم صاحبه عقبة بن عامر حين سأله: ما النجاة. فمما قاله له: ((وليسعكَ بيتُك)) رواه الطبراني. ومعناه اقنع بما قسَم الله لك من الرزق والزوج ولا تلهث وراء شهوات النفس المحرمة، وقد جاء في حديث ضعيفٍ رواه البيهقي في كتاب ((الزهد)) عن جابرٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((القناعة كنزٌ لا يفنى)) ومعناه كأنه لا يفنى أي يصحبك ما دمت حيًّا، فإن كنت قانعًا كفتك القناعة لتعيش مرتاحًا، وروى الترمذي عن عبيد الله بن محصن الخَطمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أصبح منكم آمنًا في سربه مُعافى في جسده عنده قوت يومه فكأنما حِيزت له الدنيا)). وقوله ((آمنًا في سِربه)) أي في قومه فالمؤمن الذي يُصبح وهذا حاله كأنما أُعطي الدنيا بأسرها، فلأي شيء يرفض بعض الناس بعد ذلك القناعة ويطرحون عن أنفسهم ثوب الرضا؟ وقديمًا روي عن إمامنا الشافعي أنه قال:

عزيزُ النفس من لزمَ القناعة                            ولم يكشف لمخلوقٍ قِنَاعه

أنالته القناعة كل عزٍّ                                  وهل عزٌّ أعزُّ من القناعة

فمن رضي بالقليل أغناه ذلك عن سؤال الناس والتذلل لأصحاب الملك والنفوذ، وقد مدح الله تعالى المؤمنين الذين يقنعون ولا يُلحون في سؤال الناس، فقال تعالى في سورة البقرة: ((لِلفقراء الذين أُحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربًا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسئلون الناس إلحافا)). فقوله تعالى ((لا يستطيعون ضربًا في الأرض)) أي لا يستطيعون ذهابًا بالتجارة فيها لاشتغالهم بإرشاد الناس، يحسبهم الجاهل بحالهم أغنياء من أجل تعففهم عن السؤال، ومعنى إلحافًا إلحاحًا. قال السمعاني في ((تفسيره)): ((وقوله أغنياء من التعفف يعني من القناعة التي لهم يظنهم من لم يعرفهم أغنياء)).  

الغنى الحقيقي

وقد بيَّنت السنة الشريفة الغنى الحقيقي الذي ينبغي أن يتجمَّل به المؤمن في الحديث الذي جاء عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ليس الغِنى عن كثرة العَرَض ولكن الغنى غنى النفس)) متفقٌ عليه. وفي صحيح ابن حِبَّان عن أبي ذرٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا أبا ذر أترى كثرة المال هو الغنى؟ قلت: نعم يا رسول الله. قال: فترى قلة المال هو الفقر؟ قلت: نعم يا رسول الله. قال: إنما الغنى غنى القلب والفقر فقر القلب)).

وعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((قد أفلح من أسلم ورُزق كَفافًا وقَنَّعه الله بما ءاتاه)) رواه مسلم. وكلمة ((قد)) في الحديث للتحقيق أي تحقيق الفلاح وهو الفوز والظفر لمن أسلم وذلك لنجاته من النار ودخوله الجنة في الآخرة، والكَفَاف من الرزق أن يُرزق ما يكُفُّ به عن السؤال أي يغنيه عن السؤال مع القناعة فلا يزيد على قدر الحاجة فيسلم بذلك من تَبِعة الغنى وذل السؤال فتكون القناعة له حصناً يقيه من الحرام ومن الذُّل.

والحمد لله أولاً وآخراً.