2020-01-02 12:56:20

الاشتغال بإصلاح النفس وترك ما لا يعنينا/ بقلم الشيخ أسامة السيد

الاشتغال بإصلاح النفس وترك ما لا يعنينا/ بقلم الشيخ أسامة السيد

الاشتغال بإصلاح النفس وترك ما لا يعنينا/ بقلم الشيخ أسامة السيد

الاشتغال بإصلاح النفس وترك ما لا يعنينا

بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 3 كانون الثاني 2020 العدد 1932

 

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم: ((وقل اعملوا فسيرى اللهُ عملَكم ورسولُه والمؤمنون وستُردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون)) سورة التوبة.

وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من حُسْنِ إسلام المرء تركُه ما لا يعنيه)) رواه الترمذي.

إننا نعيش في مجتمع شَغَل فيه أكثر الناس أنفسهم بالتُّرهات ودخلوا فيما لا خير فيه مما لا يعنيهم من القول أو الفعل ففسدوا وأفسدوا، ونراهم يُقحمون أنفسهم فيما لا شأن لهم فيه بل ولا يُحسنونه فيكونون عبئًا على غيرهم وثِقْلًا على الآخرين يدفعهم إلى ذلك التسلُّطُ وحُبُّ الظهور، وحريٌ بالمرء أن يكون عاملاً بمقتضى الحديث المذكور ليترقَّى في مراتب الكمال فهو حديث جامعٌ للمعاني الجليلة في الألفاظ القليلة فيشتغل بما فيه سلامته في آخرته وبما يتعلق بضرورة حياته في معاشه. وكلمة ((يعنيه)) الواردة في الحديث أي ما تتعلق به عنايته ويكون من مقصوده ومطلوبه، يُقال: عناه يعنيه إذا اهتمَّ به وطلبه، والمراد: الاعتناء بأموره على وفق الشرع، فإنه لا مصلحة على خلاف شريعة الله، فيتحرى الطُرق المشروعة في كسب الرزق ويهتم للواجبات الدينية التي يتأكد علينا الاعتناء بها والتي منها طلب العلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحرص على النصح للمؤمنين وبذل المعروف ومعاونتهم على الخير، فإن اقتصر على ما يعنيه وترك ما لا يعنيه كان محفوظًا في حصن السلامة.

هلك المتنطِّعون

روى ابن أبي حاتمٍ عن الإمام مالك أنه قيل للقمان عليه السلام: ما الذي بلغ بك ما نرى (أي من الفضل). فقال: ((صدقُ الحديث وأداءُ الأمانة وتركُ ما لا يعنيني)).

فعلى العاقل أن يُقبل على شأنه فإنه لا ينبغي تضييعُ الزمان بما لا طائل تحته، فقد روى مسلم عن عبدالله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((هلكَ المتنطِّعون هلك المتنطِّعون هلك المتنطِّعون)) ومعناه المتعمقون فيما لا ينفع فيه التعمُّق كالإكثار من التفريع على مسألة لا أصل لها في الكتاب والسنَّة والإجماع، والبحث في أمورٍ غيبية أمر الشرع بالإيمان بها مع تفويض تفصيلها إلى الله، كوقت قيام الساعة على التحديد والسؤال عن الروح وعن مدة مُقام هذه الأمة في الدنيا وغير ذلك مما لا يُعرف إلا بالنقل فقط ولا يُدرك شيءٌ منه بالاجتهاد، فيصرف أحدهم في ذلك سنواتٍ وسنوات وكل ذلك مما لا يعنيه وتراه يُغفل بسببه ما ينبغي أن يتوسَّع في معرفته ويتقنه جيدًا ليكون على بصيرة من أمره فيستفيد بذلك عاجلاً وآجلا، فالكيِّس يضبط نفسه ويحملها على مكارم الأقوال والأفعال فيهذب نفسه بذلك ويهتم لتنشط نفسه فيما يعنيه من الخير مما يعود بالنفع عليه وعلى أهل بيته وعلى مجتمعه ووطنه فإن النفس الأمَّارة بالسوء إن لم يشغلها صاحبها بالخير شغلته بالشر.

ولو نظرنا في المجتمع نظرةً عامةً لوجدنا الأمر في الغالب على خلاف الرُقيّ الذي نصبو إليه ولرأينا كثيرًا من الناس يتخبَّطون في حالة من العجز فتراهم يدَّعون تسلُّق القمم ويسلكون طريق الوادي، ويزعمون الإصلاح وهم في حقيقة الأمر عواملُ هدم وتخريب، ويظن أحدهم أنه يعمل على نصرة الإسلام وأن أكبر همّه تطبيق شريعة الله تعالى في الأرض وأن ما يراه من المنكرات والفواحش يؤرق فؤاده ويُقلق باله، وإذا ما جرى الحوار بينك وبينه في أقل ما ينبغي أن يحصِّله المؤمن من الأمور الدينية تراه من أجهل خلق الله بما فرض الله تعالى عليه، فلم يعرف ما يعنيه ولم يتعلم ما الذي أوجبه الله على المكلفين، فلا يحسن صلاته ولا صيامه ولا غيرهما من فرائض الله تعالى، بل وتجد بعضهم ما صح لهم أصل الإيمان أصلاً، فلا يعرفون ما يجب اعتقاده في حق الله ولا يعرفون ما يجب لأنبياء الله وما يستحيل عليهم، ويريد أحدهم إقامة الخلافة في الأرض وهو لا يُفرِّق بين الجمرة والتمرة!!!

أصلح نفسك

وحريٌ بهؤلاء أن ينصرفوا إلى ما يُصلحهم أولاً وأن يُعطوا ذلك الأهمية المطلوبة، فإن من تفرَّغ للاشتغال بما يعنيه وجد في ذلك غُنية وكفاية عن النظر فيما لا يعنيه، ومن صرف كل وقته للاشتغال بما لا يعنيه فاته الاشتغال بما يعنيه، فقد روى ابن الجوزي في ((صفة الصَّفوة)) أنه قيل للرَّبيع بن خُثيم: ((ألا تذكُر الناس؟ فقال: ما أنا عن نفسي براضٍ فأتفرَّغ من ذمِّها إلى أن أذمَّ الناس)).  وفيه أيضًا: عن إبراهيم التيمي قال: ((أخبرني من صَحب الرَّبيعَ بن خُثيم عشرين عامًا ما سمع منه كلمةً تُعاب)). وهذا لا يعني أن يترك الإنسان نصح غيره إن رأى منه خطأ وإنما يعني أن لا يترك عيوبه فلا يصلحها وينشغل بعيوب غيره.

وانظر إلى ذلك الفهم الثاقب الذي منَّ الله به على هذا الرجل الصالح، وإذا ما كان مثلُ هذا الرجل المبارك يُصرِّح بمثل هذا الكلام من شدة تواضعه فيرى أنه لم ينته من تهذيب نفسه وأنه ما زال مشغولاً بتقويمها ويحمله هذا على النظر في حاله وترك الخوض فيما لا يعنيه من أمور الناس فماذا نقول نحن اليوم؟ وبماذا يعتذر أكثرنا عمَّا يُقحم نفسه فيه من القيل والقال في أمورٍ لا تعود عليه بالخير ولا بالفائدة؟ وكم يكون في دخوله في كثيرٍ من الأمور مجلبةَ فتنٍ وخصومات؟ ولو عرف هؤلاء قدر أنفسهم فوقفوا عند حدِّهم لكان خيرًا لهم.

ولقد أدرك الرَّبيع بن خُثيمٍ وأمثاله من الصالحين تلك الحقيقة الكبرى وهي أن الله تعالى جعل الدنيا مزرعة الآخرة وكلٌ مجزيٌ بما يُقدِّم ولكلٍ منا عملٌ لا يُجزىء أن يقوم عنه به أحدٌ، فإذا سلم المرء من الآفات النفسانية والشرور القلبية والمخاصمات التي تكون لحظ النفس لا لإحقاق حقٍ ولا لإبطال باطلٍ وأقبل على شأنه فاشتغل بما فيه صلاح معاشه ومعاده ووجَّه همَّه في الدنيا لأخذ زاده للآخرة فقد جانب ما لا يعنيه وأقبل على ما يعنيه وسعدت بذلك دنياه وأخراه، وكم من أناسٍ مضت أعمارهم في الاهتمام بمنافسة فلانٍ في زخرفة بيت أو شراء متاعٍ زائلٍ فيا ضيعان الأعمار. 

والحمد لله أولاً وآخراً.