2019-12-26 20:49:53

رحل قايد صالح: حمى حراك الشعب وأبقى تسلط الطغمة / بقلم محمد خليفة

رحل قايد صالح: حمى حراك الشعب وأبقى تسلط الطغمة / بقلم محمد خليفة

رحل قايد صالح: حمى حراك الشعب وأبقى تسلط الطغمة / بقلم محمد خليفة

رحل قايد صالح

حمى حراك الشعب

وأبقى تسلط الطغمة

بقلم محمد خليفة / مجلة الشراع 27 كانون الأول 2019 العدد 1931

 

 *الجنرال العجوز مارس السلطة كأب صارم للجزائريين: انقسموا في تقييمه, واتحدوا على وداعه باحترام!  

   

بقلم محمد خليفة

جاء موت الجنرال الجزائري أحمد قايد صالح, مثل محارب جسور عاد مجهداً من مهمة شاقة وخطرة, واجه خلالها مؤامرات الأعداء, وتجاوزها بنجاح وعاد بقواته بسلام. دخل غرفة نومه طلباً للراحة, أمر أهله بعدم إزعاجه, أغلق الباب, وأخلد لنوم عميق!

هذا الرجل الذي ختم رحلته على حافة الثمانين من عمره, ألقت الأقدار على كاهله مهمة العبور بالجزائر من أزمة دقيقة أشبه بالفتنة الخطيرة, عندما أصرت ((عصابة بوتفليقة)) في مطلع العام الجاري على إعادة التجديد للرئيس العاجز عجزاًَ كاملاً عهدة خامسة, متحدية رفض الشعب العنيد وغضبه, ومصممة على مواصلة فسادها واستهتارها على حساب أمن البلاد ومصالح الشعب. فالجنرال بخبرته العسكرية الممتدة 62 عاماً يستولي عليه شعور بأن الجزائر معرضة بلا هوادة لمؤامرت أعدائها من الشمال والجنوب, فيستنتج أنها لا بد أن تحكم بقبضة حديدية, وألا تترك لسياسيين قاصرين وفاسدين, وينبغي أن تبقى الى أجل غير مسمى في عهدة ((المؤسسة العسكرية)) كضمانة لاستقرارها وأمنها. عقلية أبوية, عسكرية, بيروقراطية, صارمة جداًَ تبالغ في حرصها على الأمن, على حساب الحرية والعدالة.

هذه العقلية ليست جديدة في الجزائر, بل نمطية وموروثة, غرسها وكرسها الرئيس هواري بومدين 1965 - 1979 في ثقافة المؤسسة العسكرية التي كونها واعتمد عليها, بعد الاستقلال الباهظ الذي كلفهم مليون قتيل, انتزعوه من المستعمر الفرنسي, وهي عقلية متفشية في الكثير من البلدان العربية وغير العربية, أبرز أمثلتها دولة اتاتورك مصطفى كمال.

 ظل عسكر الجزائر منذ الاستقلال ينفردون بالسلطة, حتى ولو كان الرؤساء مدنييين كأحمد بن بلة ((1962 – 1965)) وبوضياف ((1992)) وبوتفليقة ((1999 – 2019)), وما زالوا يرون في النخب المدنية وجيل الشباب قاصرين ينقصهم النضج ليحكموا بلدهم بطريقة تضمن وتحفظ أمنه!

في مطلع العام الجاري اتجهت الانظار للمؤسسة العسكرية, كيف تتصرف مع حالة الاستقطاب والقطيعة بين عصابة بوتفليقة الشبقة للسلطة, والغالبية الشعبية التائقة للحرية والغاضبة نتيجة الكبت وشح الحريات واحتقار السلطة لها. ووجد الجنرال العجوز الذي عاش تجربة العشرية الدموية 1992 - 1999 أن الجزائر متجهة للانفجار مرة أخرى بصورة أعنف, وكان يعي أن معالجة الأزمة باللجوء للقمع الدموي لم تعد ممكنة, كما كان مسكوناً بهاجس وجود متآمرين كثر على أمن الجزائر يحاولون اشعال الصراعات الأهلية فيها كما حدث في ليبيا وسورية واليمن لتفتيتها. ويرى بصمات فرنسا في كل حدث مريب, فقرر التصرف بالطريقة الأبوية الصارمة المعتادة , ولكن بدون الوصول للقمع الدموي .

عندما تحرك الشارع في شباط/ فبراير ضد العهدة الخامسة وجد فيه الجنرال سنداً لتحريك الجيش ضد عصابة القصر, فطالب علنا بتطبيق المادة 102 من الدستور التي تعالج حالة فراغ الرئاسة بسبب الموت أو العجز الصحي, وأعلن ولاءه للحراك, وهناك من قال إنه شجعه, عندما أمر الشرطة والاستخبارات بحمايته وعدم قمعه, فاتسع حتى شمل 48 مدينة وكل قطاعات المجتمع وطبقاته.

 اتحد الجيش وراء قائده, واتحد الشارع ضد الطغمة, فأحبط قايد صالح خطة التجديد لبوتفليقة وأجبره على التنحي في مطلع نيسان/ ابريل, ثم أتبع ذلك بضرب عصابة القصر وزج بها وراء القضبان, فاكتسب شرعية ثورية وشعبية طاغية, وأصبح حاكم البلاد الفعلي وإن لم يعلن ذلك, وصار يخاطب الشعب بانتظام مرة كل اسبوع, واتسمت خطبه بالعزف على وتر ثورة تشرين الثاني/ نوفمبر التحريرية والعداء للخارج, وخصوصاً فرنسا.

ومع أن الجنرال وفى بتعهداته فلم يسمح بقتل أي محتج أو اسالة قطرة دم, ولكنه بالمقابل لم يستجب لكل مطالب الحراك ولم يسمح بإسقاط النظام من أساسه, فتمسك ببقاء الدستور وبقاء رئيس الدولة المؤقت, ورئيس الوزراء من بين الطغمة السابقة, وإجراء انتخابات رئاسية بالطريقة السابقة القائمة على التزوير واختيار رئيس مدني خاضع لسلطة الجيش.. إلخ . أي أنه أوقف مسار الثورة حيث كان الحراك يريد تغييراً جذرياً وكاملاً للنظام ونقل السلطة للشعب.

ويقول المعارضون وثوريو الحراك والشارع أن صالح بدد فرصة تاريخية لتصحيح الأوضاع وتحقيق مطالب الثورة المدنية والتحول للديموقراطية, وهو بذلك لم يفعل غير ما فعله عسكر 1992 بطريقة مرنة ومن دون دماء.

أما القلة المؤيدة له فيرون فيه قائداً واقعياً وحكيماً ومخلصاً لمبادىء تشرين الثاني/ نوفمبر, نجح في انقاذ الجزائر من فتنة وأزمة يمكن أن تدفع الى هاوية سحيقة, فحقن الدماء وحافظ على المؤسسات الدستورية, وأرسى وضعاً جديداً يسمح بمواصلة التغيير الديموقراطي تدريجياً. صحيح أنه لم يجار الشارع والحراك بكل ما يرغب, ولكنه حقق له كثيراً من مطالبه, فبدأ مكافحة الفساد, وأطلق عملية الاصلاح, وضرب بعض رؤوس المؤسسة العسكرية المتوالين الذين تمتعوا بحصانة مطلقة طوال ستين عاماً, ظلوا فوق القانون, وفوق الشعب, يفعلون ما يرغبون ولا يسألون عما يفعلون.

والواقع أن الجنرال الصالح يشبه الأب الصارم الذي يفرض رأيه بالقوة على أبنائه ولا يراهم الا صغاراً بحاجة للرعاية والوصاية. إنه مزيج من هواري بومدين ومصطفى كمال اتاتورك, والدليل أن الجميع تناسوا مأخذهم عليه, وشيعوه باحترام وتقدير كزعيم مخلص!