2019-12-19 10:09:37

كانت الجزائر من دون رئيس أصبحت الآن برئيس من دون شعب / بقلم: محمد خليفة

كانت الجزائر من دون رئيس أصبحت الآن برئيس من دون شعب / بقلم: محمد خليفة

كانت الجزائر من دون رئيس أصبحت الآن برئيس من دون شعب / بقلم: محمد خليفة

كانت الجزائر من دون رئيس

أصبحت الآن برئيس من دون شعب

بقلم محمد خليفة / مجلة الشراع 20 كانون الأول 2019 العدد 1930

الجيش الجزائري يعين ((تبون)) رئيساً مطيعاً

*غرفة سرية في وزارة الدفاع أدارت الانتخابات, وجبهة التحرير رجحت تبون    

*نسبة الاقتراع لم تزد على 14 %  وفي منطقة القبائل 0,04% !!

*الحراك المدني مستمر.. ومرشح للتصاعد والتحول للعنف 

 

بقلم: محمد خليفة

منذ إسقاط ((العهدة الخامسة)) في نيسان/ ابريل 2019 الماضي تعلقت قلوب الجزائريين بحلم اجراء انتخابات عامة ورئاسية, تشكل قطيعة مع ماضٍ بدأ غداة الاستقلال واستمر جيلين, احتكر العسكر خلاله السلطة وغيبوا إرادة الشعب. ولذلك التحم حراكهم المدني منذ  شباط/ فبراير على هدف وحيد, هو التغيير السلمي والانتقال الى نظام ديموقراطي.

 وعلى الرغم من ضخامة احتجاجاتهم غير المسبوقة على مدى عشرة شهور جاءت انتخابات الأسبوع الماضي ((12كانون الثاني/ ديسمبر)) خطوة كبيرة للوراء, لا للأمام, تؤكد أن المؤسسة العسكرية ما زالت تتنكر لحقهم في التغيير واختيار النظام الذي يريدون, بل إن هذه الانتخابات أحيت هواجس سوداوية بإمكان الانزلاق الى صراع دموي بين الجيش والشعب, كما جرى بعد انتخابات 1991.

استفاق الجزائريون من حلم الديموقراطية على كابوس انتخابات تمثل استنساخاً لمهازل التزوير السابقة, وفق خطة نمطية وضعها ونفذها الجنرال قايد صالح, حاكم الدولة الفعلي, استهدفت تجديد وصاية الجيش على البلاد, وإعادة هيكلة النظام من داخله, وفق السيناريو التالي:  

1– عندما انفجر الشعب الجزائري في 22 شباط/ فبراير, أحست المؤسسة العسكرية  بالخطر على النظام الذي تديره منذ 1965, فأطاحت بوتفليقة الذي عينته عام 1999, وانتهت صلاحيته بالعجز الصحي, وأطاحت معه عصابة البلاط التي يديرها شقيقه سعيد. في تلك اللحظة تقاطعت مواقف الحراك والجيش, فتهيأ للبعض أن العسكر غيّر طبعه واستجاب لمطالب الشعب, ولكن الأمر لم يكن كذلك.

2 – بلور الحراك المدني أجندة سياسية تدعو لتغيير جذري للنظام, بوضع دستور جديد, واجراء انتخابات عامة ورئاسية بعد مرحلة انتقالية, يتخللها حوار وطني, تديره شخصيات وطنية مستقلة, ولكن الجنرال العجوز رفضها, ووضع أجندة مضادة لإعادة انتاج النظام  بشروطه, مكتفياً بالتضحية ببعض رموزه, واجراء انتخابات رئاسية فقط مزورة طبعاً, وتكريس امتيازات الجيش ووصايته الأبوية على الدولة  والشعب. وحاول صالح اجراء الانتخابات مرتين بشروطه ففشل بسبب رفض الحراك الشعبي, وفي الثالثة قرر إجراءها بأي صورة, ومن دون اكتراث بالرفض الشعبي.

3 - استخدم الجنرال ((العدالة)) بشكل انتقائي لا تحقيقاً لها, بل لاستثمار كراهية الشعب لعصابة القصر ولصوص المافيا المتعاونين معها, لكي يمرر أجندته. وفي الواقع صفى الجنرال السبعيني خصومه الشخصيين من رجال بوتفليقة فقط, ووضعهم في السجون, وجمد التتبعات القضائية حتى حان موعد الانتخابات فأمر ببدء المحاكمات ليوظف مشاعر الناس لصالح أجندته, فكانت المحاكمات كالموسيقى التصويرية الصاخبة في فيلم بوليسي أكسبته تأييد بعض الشرائح, ولكن الغالبية لم تنخدع  وتساءلوا لماذا يحاكم بعض الفاسدين ولا يحاكم الجميع؟, وما الفرق بين تبون وسلال, لماذا أصبح الاول رئيساً ودخل الثاني السجن وكلاهما سرق وأثرى ؟!!

4– أسس الجنرال غرفة عمليات سرية في وزارة الدفاع للإشراف على الانتخابات. ووضع  أربعة شروط يجب أن تتوفر بالرئيس المعين (أ) أن يكون مدنياً لإرضاء الرأي العام . (ب) رجلاً تنفيذياً مطيعاً ليسهل تحريكه من الجيش. (ج) من جبهة التحرير بسبب شرعيتها التاريخية. (د) أمازيغياً لأن كل الرؤساء منذ إطاحة بن بلة أمازيغ.

5– نظمت غرفة العمليات السرية مسرحية ((الحوار الوطني)) بمشاركة أشخاص من دون تاريخ سياسي, ثم أسست ((السلطة الوطنية المستقلة)) ووضعت على رأسها وزير العدل السابق محمد الشرفي, وهو من رجال النظام, وينعته الشارع بأحط النعوت. ويؤكد المطلعون أن الهيئة قناع لغرفة العمليات السرية في وزارة الدفاع. ويتلقى رئيسها تعليماته من ضباط قايد صالح.

6–  افتتح باب الترشح للانتخابات فتقدم 143 مرشحاً, قالت ((السلطة المستقلة)) إن 23 منهم استوفوا الشروط القانونية فقط, لكنها رفضت 18 منهم وقبلت 5 فقط, وكلهم رموز بارزون من حقبة بوتفليقة, وقالت المعارضة إن اختيارهم يؤكد التمسك بالعهدة الخامسة بوجوه جديدة! ولم توضح (السلطة) لماذا رفضت المرشحين الثمانية عشر؟!

7– ذكرت مصادر المعارضة  أن رجال الغرفة السرية انقسموا بين اختيار علي بن فليس وعزالدين الميهوبي. وحار الجنرال بينهما، خصوصاً أن بن فليس ملقب بجاسوس فرنسا. وكشف معارضون  أن أبناء الجنرال تدخلوا في الاختيار . وظل الأمر من دون حسم حتى يوم الاقتراع , فضغطت ((جبهة التحرير)) لصالح تبون فحسم الجنرال تردده لصالحه.

8- ما يؤكد أن تبون رجل الطغمة العسكرية كونه أضعف الخمسة بسبب تقدم عمره ((74 سنة)) وكان من الحلقة الضيقة في بلاط بوتفليقة وموضع ثقته وكاتم أسراره ويوصف بالرجل المطيع, وكان صلة وصل بين الرئيس وعشيقته, وشغل مناصب وزارية عديدة ((الصناعة, الاسكان, التجارة)). ثم كلفه برئاسة الوزراء عام 2017 لكن عصابة القصر غضبت عليه بعد شهرين فقط, لأنه أغضب رجال الأعمال الفاسدين, فأقيل بطريقة مهينة, فالتزم بيته حتى سقط بوتفليقة, فعاد للترشح بطلب من جبهة التحرير, لأنه عضو لجنتها المركزية, وقامت بالدعاية له, لأنه لا يتمتع بأي قاعدة شعبية, ولم ينظم حملة انتخابية ومن دون وكلاء في مراكز الاقتراع, ولفق خصومه لابنه خالد تهمة الاتجار بالمخدرات وتم توقيفه أثناء الحملة الانتخابية للاساءة له, واتهم بتمويل المافيا لحملته. ورغم ذلك فضله الجنرال بتزكية جبهة التحرير.

9– يتفق المراقبون أنه لم تكن هناك انتخابات حقيقية, فغالبية الناخبين الساحقة قاطعت, واقتحم المتظاهرون عشرات المراكز وحطموها. ويقال إن رئيس ((السلطة الوطنية للانتخابات)) ألغى مرتين مؤتمره الصحافي المقرر ليشرح  سير العملية, لأن نسبة التصويت كانت متدنية جداً. ويؤكد الديبلوماسي المنشق محمد العربي الزيتوت أن نسبة التصويت الحقيقة تراوحت بين 13 و 14% فقط. وقال آخرون لم تزد عن 11%. فرفعتها السلطة الى 41 % لإضفاء صدقية على عملية مزورة بفجاجة.

10– أقل نسبة تصويت كانت في تيزي أوزو عاصمة بلاد القبائل الكبرى (0,04 %) فقط حسب البيانات الرسمية, وفي بجاية ( 0,14 %), وفي يوم الاقتراع بلغ غضب الشارع في بلاد القبائل ذروته فانسحبت قوات الامن تجنباً للصدام.

من هو تبون؟

ينحدر عبد المجيد تبون من عائلة أمازيغية فقيرة من مدينة مشربة, معروفة بالتدين تتبع الطريقة التيجانية الصوفية المحاربة, يحفظ القرآن ويجيد العربية, وله تسعة أخوة, وكان والده خبازاً. تخرج من المدرسة العليا للادارة, وعمل موظفاً ادارياً, قبل أن يصبح وزيراً ورئيس وزراء  يشكل العداء لفرنسا عنصراً من ثقافة اسرته المتوارثة, لذلك هاجم فرنسا بشدة في خطاباته الانتخابية واتهمها بالتدخل في شؤون بلاده, وهاجم محطات الإعلام الفرنسية.

لكن هذه المزايا البيروقراطية لا تشفع له عند الحراك الشعبي الذي يعلم أنه العوبة بأيدي الجنرالات كما كان العوبة بيد بوتفليقة, وأنه لم ينفذ وعوده السابقة ابداً, ولا يعلق عليه أملاً. لذلك  يصر على متابعة احتجاجاته في الشارع, وعلى اسقاط النظام والانتقال الى نظام ديمقراطي وإنهاء وصاية الجيش على البلاد. ويعتقد كثير من المحللين أنه لولا بيان الشخصيات الوطنية الكبيرة وعلى رأسها احمد طالب الابراهيمي والذي دعا الحراك لتمرير الانتخابات بهدوء واحترام خيار المواطنين الذين يصوتون لوقعت اشتباكات عنيفة بين الطرفين وبين الرافضين وقوات الأمن. وعلى الرغم من ذلك وقعت مواجهات عنيفة مع قوات الأمن استخدمت فيها القنابل وشهدت قمعاً واعتقالات.

يقول المعارضون إن شعب الجزائر كان من دون رئيس, والآن هناك رئيس من شعب, والانتخابات لم تغير شيئاً, ولذلك سيستمر الحراك بزخم أقوى, لأن الانتخابات كشفت استمرار مسلسل تزوير ارادة الناخبين, وتمسك الجيش بسلطته فوق الدولة, مما رفع مستوى الغضب والتوتر والاحتقان الى درجة تنذر بتحول الحراك الى العنف والصدام مع النظام.