2019-12-19 09:12:55

بعد ان طرح اربعة سيناريوهات لتشكيل الحكومة: السيناريو الخامس الذي لم يتحدث عنه نصرالله /كتب: زين حمود

بعد ان طرح اربعة سيناريوهات لتشكيل الحكومة: السيناريو الخامس الذي لم يتحدث عنه نصرالله /كتب: زين حمود

بعد ان طرح اربعة سيناريوهات لتشكيل الحكومة: السيناريو الخامس الذي لم يتحدث عنه نصرالله /كتب: زين حمود

بعد ان طرح اربعة سيناريوهات لتشكيل الحكومة

السيناريو الخامس

الذي لم يتحدث عنه نصرالله

كتب / زين حمود – مجلة الشراع 20 كانون الأول 2019 العدد 1930

 

*مناصرون لنصرالله كانوا يتوقعون منه مواقف تشفي غليلهم

*حزب الله امتص الصدمة الأولى وبات أمام مرحلة يتحضر فيها لكل الاحتمالات

*نصرالله فضل عدم الغوص في الملفات الخلافية افساحاً بالمجال امام تسوية

*خصوم نصرالله يخشون هدوءه أكثر مما يخشون انفعاله وغضبه

*حزب الله يبدو اليوم كمن استعاد المبادرة والقدرة على التحكم والسيطرة

 

كتب زين حمود

أول ما يمكن الوقوف عنده ازاء اطلالة امين عام حزب الله السيد حسن نصرالله الأخيرة, ان ما تضمنته المواقف التي أعلنها لم تشف غليل شريحة واسعة من قاعدته السياسية والحزبية والاجتماعية.

وقد دعا نصرالله بوضوح الى التحمل وعدم الانسياق وراء ردات الفعل والاستفزازات, محاولاً استيعاب ما يرى مراقبون انه حالة غليان يعيشها الشارع المحسوب على الثنائي الشيعي بسبب تدهور الاوضاع على كل المستويات.

نصرالله ((لم يفش خلق)) كثيرين كانوا يتوقعون منه ذلك, فما قاله كان عنواناً للتهدئة وتمسكاً بالشراكة ودعوة للصبر وتحمل كل ما يصدر عن الاطراف الأخرى مهما كان ومهما تضمن من تهجمات واتهامات وسباب وشتائم.

ولم يسبق لأمين عام حزب الله ان كان في أي اطلالة سابقة بهذه المرونة و((النعومة)), حتى ان البعض رأى ان أصابعه التي طالما انتقد على طريقة استخدامها للتنبيه او التحذير, بقيت ساكنة في ظهوره التلفزيوني الأخير الذي أراده ان يكون قبل ايام قليلة من موعد الاستشارات النيابية الملزمة.

ورغم ذلك, يقول احد قياديي قوى 14 اذار/ مارس السابقة ان اطلالة نصرالله الأخيرة خطيرة للغاية, اذ طالما عرفنا وجربنا ذلك, فعندما يكون امين عام حزب الله  منفعلاً وعالي النبرة, فإن هذا الامر يكون احد تعبيرات الغضب والخشية والتأزم التي يعيشها الحزب وقيادته وحلفائه, وعندما يكون هادئاً ومرناً ونبرة صوته منخفضة فإن الامر يكون مختلفاً, في التعبير عن ان الحزب ليس مأزوماً وانه مطمئن ومرتاح لمسار التطورات ليس فقط داخل لبنان بل وخارجه ايضاً في طول المنطقة وعرضها.

بدا نصرالله سياسياً كمن يطوي صفحة ما حدث بعد استقالة الرئيس سعد الحريري. وكان الجميع في جمهوره على الأقل ينتظر ان يتحدث ولو ضمناً عن حرق الأسماء المرشحة لتولي رئاسة الحكومة من محمد الصفدي الى بهيج طبارة الى سمير الخطيب, او ان يتحدث عن التلطي بموقف مفتي الجمهورية الشيخ عبداللطيف دريان  لما وصف بأنه ((تراجع عن الاتفاقات)) حول اسم رئيس الحكومة وطبيعتها وتركيبتها, او ان يتحدث عن خطاب احد المطارنة الذي جاء قمة في التصعيد ضد حزب الله وضد نصرالله شخصياً.

لم يتحدث نصرالله عن ذلك وعن غيره الكثير مما اثير خلال الفترة السابقة, حتى انه في الموضوع المعيشي لم يتناول موضوعاً حيوياً يمس السياسات المالية والنقدية المتبعة وتعاطي المصارف مع الازمة الحالية على حساب المودعين والدورة المتصلة بتأمين الحاجات الضرورية للبنانيين, فضلاً عن التلاعب بسعر الليرة اللبنانية وانعكاسه على كل مناحي الحياة في البلاد. وركز امين عام الحزب على الموقف الاميركي في اطار توجه واضح له في هذه اللحظة خلفيات تعبوية جلية.

والواقع ان اطلالة نصرالله الأخيرة وهي الرابعة له منذ الرابع عشر من شهر تشرين الاول / اكتوبر الماضي, تختلف عن سابقاتها من حيث نوعيتها, ففي حين ان الاطلالات السابقة كانت للاضاءة على ما يحدث واعلان المواقف بشأن كل ما يحصل فيها, فإن اطلالته الرابعة الأخيرة لها طابع يتصل بما ستشهده البلاد في الفترة القريبة المقبلة, رغم انها لا ترتقي الى مستوى التأسيس لمرحلة جديدة.

وبوضوح أكثر, فإن تعاطياً جديداً بدأ في حزب الله, يختلف عما كان عليه في تعاطيه السابق منذ شهرين تقريباً, وبدا نصرالله في تعاطيه الجديد كمن عاد واستعاد ما يمكن وصفه  بمصطلح ((التحكم والسيطرة)) الذي يستخدم عادة في علم الحروب العسكرية.

وبات من المؤكد ان حزب الله يقدم نفسه اليوم على أساس انه نجح في امتصاص الضربة الاولى, اي أنه تجاوز مرحلة 17 تشرين الاول / اكتوبر حيث أصيب يومها بالصدمة والذهول من جراء ما حصل على الارض عندما نزل في ايامها الاولى عدد كبير من اللبنانيين الى الشوارع بعفوية وتلقائية احتجاجاً على زيادة الضرائب وبشكل مجحف. وكان له ما أراد على هذا الصعيد وما كلام خصومه عن اختراق الحراك بمجموعات تابعة للحزب الا واحدة من الامثلة على ذلك, فضلاً عما يقال عن سعي مستوزرين من ناشطي الحراك من أجل التواصل معه في محاولة منهم لضمان عدم وضع ((فيتو)) من قبله على توزيرهم في الحكومة المقبلة.

امتص الحزب الصدمة الاولى, واعتبر حسب مواقف قيادييه المتوالية والمعلنة ان ثمة فصلاً ينبغي ان يحصل بين مطالب الناس المعيشية المحقة، وخصوصاً في الاصلاح وبين تحريك مجموعات متهمة بأنها تدار من قبل واشنطن وجهات خارجية اخرى ((يقول مقربون من الحزب بأنه بات يملك معلومات مفصلة حولها)) للدخول على خط الحراك من اجل توجيهه وحرفه عن وجهته الأساسية من اجل استهداف حزب الله ومحاصرته وعزله, بعد ان قامت بتشديد الضغوط المالية والاقتصادية ضد لبنان ككل وليس فقط ضده, وصولاً الى ضرب الحزب في اطار خطة قال قياديو الحزب انها تشمل الى لبنان العراق وايران.

وأول ما فعله الحزب بعد استيعاب وفهم ما يحصل على هذا الصعيد, هو انه فعل كل ما رآه لازماً في السياسة وعلى الارض من اجل الفصل بين محاولات تعديل معادلة الحكم التي اسفرت عن الانتخابات النيابية الأخيرة وبين مطالب الاصلاح ووقف الفساد, ولذلك كان العنوان الاول على هذا الصعيد هو تثبيت رئيس الجمهورية في موقعه, لاسيما مع تأكيده بأن المس به هو خط احمر, كما انه قام بإعادة التوازن لحلفاء له بطمأنتهم وشد أزرهم من خلال المناخات التي أشاعها على مستويات عديدة.

ويقول المصدر نفسه المقرب من حزب الله انه تعاطى بعد ذلك بمنتهى المرونة لامتصاص ما يحصل, فلم يستدرج الى الفتنة واتخذ اجراءات من اجل عدم جر البلد الى مستنقعها , رغم قطع الطرقات ودخول بعض المجموعات الحزبية والمعادية له على خط الحراك لخطف الأخير  او لاستغلاله وحرف وجهته باتجاهات تتلاءم مع مصالحها ومصالح جهات وسفارات متهمة بإدارتها, وعلى رأسها واشنطن التي لا يترك نصرالله مناسبة الا ويتحدث فيها عن دورها لاسقاط لبنان وعزل حزب الله واستهدافه, كجزء من خطة تعتمدها في ايران والعراق لضرب محور المقاومة.

كما لم يتخل الحزب عن خيار الرئيس سعد الحريري كرئيس للحكومة حتى بعد استقالته, وطرح مع الرئيس نبيه بري معادلة الحريري للرئاسة الثالثة او من يسميه, متولياً من خلال الخليلين مع رئيس مجلس النواب محاولة الوصول الى تفاهم يحفظ ما عرف بالتسوية الرئاسية  ولو في الحد الأدنى لتشكيل حكومة يريدها الحريري حكومة اختصاصيين بينما يريدها الرئيس ميشال عون والثنائي الشيعي وحلفاؤهم في الأكثرية النيابية حكومة تكنو- سياسية.

لم يقل نصرالله شيئاً من كل ذلك في اطلالته الأخيرة, الا انه قال الكثير من دون النطق به, وأبرز ما قاله هو ان حزب الله تجاوز ما جرى, وانه يملك من القوة والقدرة على الصمود والتحسب لكل الاحتمالات والسيناريوهات والخيارات المطروحة ما يجعله قادراً على التعاطي معها وتجاوزها, وهو امر قد لا يكون متاحاً للآخرين ولا سيما من قبل خصومه في الداخل.

وقد تحدث نصرالله في موضوع تشكيل الحكومة, وقبل ايام قليلة عن سيناريوهات اربعة مقبلة, رافضاً اثنين منها وهما حكومة اللون الواحد من فريق الاكثرية النيابية لكتلة التيار الوطني الحر والثنائي الشيعي وحلفائهم او من الفريق الذي لا يملك هذه الأكثرية, تاركاً سيناريوهين, الاول تسمية الحريري والثاني تسمية من يسميه الحريري لتولي تشكيل رئاسة الحكومة.

وعلى هذا المستوى فان السيناريو الخامس الذي لم يطرحه نصرالله, قد يكون باحتمال دخول البلاد في فراغ على مستوى الحكومة لأشهر وربما لأكثر من ذلك مع كل التداعيات التي يمكن ان تحصل في البلاد سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وحتى امنياً, في حال بقيت الشروط على حالها ولم يتم في الاتصالات لا بل المفاوضات الدائرة في الكواليس حالياً التوصل الى تسوية لها على الطريقة اللبنانية المعهودة والذائعة الصيت, اي طريقة ((ان لا يموت الديب ولا يفنى الغنم)).وهي تسوية تعرضت محاولات ترميمها الاثنين الماضي لنكسة جديدة بعد حرب البيانات بين التيار الوطني الحر وتيار المستقبل.

واذا كان بعض المراقبين يعتقدون ان تشكيل الحكومة بات بحاجة الى كلمة سر من الخارج لتستقيم الامور, على غرار ما يحصل في الانتخابات الرئاسية, فإن السيناريو الخامس الذي لم يتحدث عنه نصرالله يتعلق ببدء تبين الخيط الابيض من الخيط الاسود في المرحلة الرمادية الغامقة التي مرّ بها لبنان وتوشك على الانتهاء, سواء كانت باتجاه السير باتجاه الفراغ على مستوى الحكومة او باتجاه تشكيل حكومة ترضي الجميع بما فيه الشارع وحراكه المطلبي او باتجاه الدخول في ستاتيكو قد يطول لفترة زمنية غير قصيرة على اساس بقاء حكومة تصريف الاعمال المستقيلة برئاسة رئيس حكومة مكلف هو نفسه رئيسها.

وعلى اختلاف التوقعات على هذا الصعيد, فإن نصرالله قال ما قاله ليبلغ خصومه في الداخل والخارج, انه مستعد لأسوأ الخيارات والسيناريوهات وانه في هذا المجال جاهز للتعاطي مع اي مستجد او اي طارئ او أي مفاجأة.