2019-12-13 07:56:55

حروب العرب مع أعدائهم الجدد تنتقل الى البحار/ بقلم محمد خليفة

حروب العرب مع أعدائهم الجدد تنتقل الى البحار/ بقلم محمد خليفة

حروب العرب مع أعدائهم الجدد تنتقل الى البحار/ بقلم محمد خليفة

حروب العرب مع أعدائهم الجدد تنتقل الى البحار

بقلم محمد خليفة

مجلة الشراع 13 كانون الأول 2019 العدد 1929

*في المتوسط والخليج والأحمر: بؤر حروب بحرية قادمة

*اتفاق أردوغان - السراج هجوم تركي على مصر واليونان وقبرص

*كيف تحول الأحمر من بحيرة عربية آمنة الى بحيرة لكل أسماك القرش الكبرى؟!

بقلم محمد خليفة

في 27 تشرين الثاني/ المنصرم فاجأ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحليفه الليبي فايز السراج العالم باتفاق يقلب موازين القوى ومعادلاتها شرقي المتوسط. ومن يومها والدول المتأثرة به, مصر واليونان وقبرص وإسرائيل, تقوم بتحركات ديبلوماسية لمواجهة آثاره, لا يتوقع أن تهدأ قريباً أو تتوقف عند التصريحات العنيفة للقاهرة وأثينا ونيقوسيا, فقبرص واليونان طلبتا تدخل الاتحاد الأوروبي, لأن الاتفاق مخالف للقانون الدولي, وطردت أثينا سفير طرابلس, وزار وزير خارجيتها مصر لتنسيق المواقف.  

ظاهر الاتفاق بريء, لا يشي بنوايا سيئة, فهو حسب الموقعين عليه ((مذكرة تفاهم)) لترسيم الحدود البحرية بين الدولتين. وهو بحسب الدول المعارضة يتعدى حدود تركيا بسبب عشرات الجزر التابعة للدول الثلاث ((اليونان تركيا وقبرص)) ويرسم طرقاً وممرات من جانب واحد فرضتها تركيا مستغلة ضعف السراج لتجني مكاسب كبيرة منه قبل سقوطه, أهمها توسيع مجالها البحري, والحصول على فرصة التنقيب على النفط والغاز قرب السواحل الليبية, متخطية المياه الاقليمية لقبرص واليونان ومصر.

وفي الاتفاق شق أمني يمنح السراج والفصائل المتحالفة معه مزيداً من الحماية التركية, بينما تقول مصر إنه يوسع نفوذ تركيا في ليبيا, ويمنحها قواعد عسكرية, ما يشكل تهديداً لأمنها القومي, نظراً لتوتر علاقات الطرفين, ويحرمها أن تكون طريق تصدير الغاز والنفط من فلسطين المحتلة ولبنان وقبرص الى أوروبا.

الجدير بالذكر أن تركيا غير موقعة على قانون البحار الدولي, مما يعفيها من الالتزام بأحكامه, ويحيلها للاحتكام لقانون القوة! وفي التاريخ القريب سابقتان لتركيا فهي احتلت قبل 45 عاماً شمال قبرص وفرضت إرادتها على المجتمع الدولي, وهي تنقب حالياً عن النفط والغاز في مياه قبرص بحماية سفنها الحربية من دون أن يتمكن أحد من ردعها, على الرغم من تدخل الاتحاد الاوروبي. وهي تقدم الآن على سابقة ثالثة باتفاقها مع السراج وتنفيذه فوراً, قبل اقراره من البرلمان وتسجيله في الأمم المتحدة, إذ أرسلت سفنها للتنقيب عن الغاز والنفط في مناطق تقع بين مصر وليبيا واليونان, وأرسلت قطعها الحربية لحمايتها.

الخلاصة أن تركيا خلقت بؤرة توتر جديدة في المتوسط بين مصر وليبيا وغزة ولبنان, قد تتفاقم أكثر نتيجة توتر العلاقات تاريخياً بين الجارين اللدودين تركيا واليونان.

ويجدر لفت الانتباه  الى أنه لا يتصور بقاء اسرائيل متفرجة على ما يجري قربها, ولا أن يظل الاتحاد الاوروبي وحلف ((الناتو)) خاملين, بعد أن تلقيا شكوى يونانية ضد تركيا.

بعبارة أخرى نحن على حافة أزمة تنذر بصراع على شرقي المتوسط يصعب التنبؤ بتفاعلاته, بعد أن اكتشف كنز ثمين من النفط والغاز فيها أثار شهية الطامعين!

الصراع على البحر الاحمر

يتفق الاستراتيجيون في العالم على أن البحر الأحمر هو الممر البحري الأهم في العالم, لأنه ينقل أكثر من نصف صادرات النفط العربي والايراني الى الغرب, وثلثي الصادرات من شرق آسيا الى أوروبا وأفريقيا وبالعكس. ولولا أهميته لما اختارته الصين - مثلاً - مكاناً لإقامة القاعدة العسكرية الوحيدة لها خارج خليج الصين, وكذلك اليابان التي لا أساطيل حربية لها ولا قواعد إلا فيه, وما أقامت أميركا واسرائيل وايطاليا وفرنسا واثيوبيا وايران ومصر والسعودية والامارات قواعد عسكرية, اضافة لروسيا التي كانت لها قواعد في اثيوبيا والصومال وجنوب اليمن قبل نحو 40 سنة, وكذلك لتركيا في عهد نظام البشير في السودان.

وتتضاعف أهمية الممر بحكم قربه من الخليج العربي, ومن بحر العرب وطريق الهند. ويرى الاستراتيجيون أن السيطرة على المنطقة بين الخليج العربي والبحر الاحمر حتى قناة السويس توفر فرصة هائلة للسيطرة على أهم شريانين حيويين يربطان ثلاث قارات: آسيا وأوروبا وأفريقيا.

 والواقع أن ايران في صدارة الدول التي تعمل لربط الخليج العربي والبحر الأحمر وايجاد مواقع قدم ثابتة على مدخل البحر الأحمر, والتحكم بباب المندب, وإيجاد حواضن بشرية موالية لها كالحوثيين في اليمن, والصوماليين لفرض نفوذها على الشريانين الحيويين الأهم في العالم.

 كان البحر الاحمر حتى نهاية سبعينيات القرن المنصرم ((بحيرة عربية آمنة)) ولكنه بات الآن بحيرة لكل ((أسماك القرش)) الدولية المعادية للعرب والصديقة لهم, من اسرائيل الى ايران, ومن روسيا الى أميركا. والسبب أن دولاً عربية باتت تعيش على تأجير أراضيها للاعداء والأصدقاء , وخصوصاً اريتريا وجيبوتي والسودان في العهد السابق. ففي تشرين الثاني/ نوفمبر 2016 زار رئيس السودان المخلوع روسيا ليعرض على رئيس الاتحاد الروسي فلاديمير بوتين إقامة قاعدة في بلاده, ثم كرر العرض على تركيا لاقامة قاعدة في ((سواكن))  أما جيبوتي واريتريا فتحترفان تأجير الجزر والموانىء لدول أخرى عديدة بما فيها اسرائيل على طريقة تأجير الشقق المفروشة بلا اكتراث بالنتائج الأمنية والقومية لهذا الاقتصاد الحرام. وتتحمل أنظمة مصر الأخيرة جزءاً كبيراً من المسؤولية بسبب اهمالها لأمن البحر الاحمر رغم حيازتها لقوة بحرية كبيرة, وعلى الرغم من أنها مستهدفة مباشرة من اسرائيل وغيرها بسبب قناة السويس, إلا أن السعودية والإمارات اقامتا في الأعوام الاخيرة قواعد مهمة في البحر الأحمر وسواحل اليمن وتقاتلان لمنع إيران تثبيت أقدامها في المنطقة.

آخر المفاجآت في هذا الصدد ما كشفته صحف أديس أبابا يوم ((7 كانون الأول/ ديسمبر)) عن بدء اثيوبيا بناء اسطول بحري وتدشين قاعدة بحرية في جيبوتي, يعكسان تنامي طموحاتها بعد تصاعد نزاعها مع مصر بسبب سد النهضة. وذكرت الصحف أن اسرائيل تدعم التوجه الاثيوبي , وكذلك فرنسا التي ستدرب قواتها البحرية. وكشفت إن الدافع الرئيسي لمصالحة اثيوبيا لأريتريا هو إبعادها عن مصر, واقناعها بمنحها ممراً الى البحر وقاعدة على ساحلها استعداداً لحرب محتملة مع مصر. وقالت الصحف إن نظام السودان السابق أبدى استعداداً لتلبية طلب اثيوبيا!  

هذه التطورات المأساوية تجعل البحر الأحمر بؤرة وعقدة نزاعات خطيرة مفتوحة على المستقبل توازي أهميته, على شاكلة الحرب اليمنية حالياً, وحرب القرن الأفريقي عام 1977, أو الحرب العربية الاسرائيلية في 1967 و1973.

ولم يخطىء الأكاديمي ووزير خارجية السودان الأسبق الراحل د. منصور خالد حين قال مراراً إن ما يجري في دول القرن الافريقي هو صراعات على النفوذ فيه تشارك فيها كل الدول الكبرى والاقليمية. وذهب الى القول إن إسقاط البشير هو جزء من هذا الصراع بعد أن بدأ البشير يوزع أراضي السودان على تركيا وروسيا وأثيوبيا!

وبالاجمال يجب على العرب الانتباه الى انهم هم الطرف المستهدف في الجبهات البحرية الثلاث وان اللاعبين الجدد هم ايران وتركيا وروسيا.