2019-12-12 09:48:15

بين انتحاري تونس وانتحاريي لبنان/ بقلم السيد صادق الموسوي

بين انتحاري تونس وانتحاريي لبنان/ بقلم السيد صادق الموسوي

بين انتحاري تونس وانتحاريي لبنان/ بقلم السيد صادق الموسوي

بين انتحاري تونس وانتحاريي لبنان

بقلم السيد صادق الموسوي

مجلة الشراع 13 كانون الأول 2019 العدد 1929

 

كانت الأنظمة في الدول العربية على اختلاف أشكالها مستقرة، والرؤساء مرتاحين، وتقارير الاستخبارات مطمئنة، والشعوب مستسلمة، وعلماء الدين يحرّمون الإعتراض على الولاة وإن كانوا جائرين، وفجأة اندفع مواطن تونسي في العام 2010 اسمه محمد البوعزيزي على إضرام النار في نفسه أمام مقر ولاية سيدي بوزيد احتجاجاً على سوء أحواله المعيشية وذلك بعد أن اعترضت شرطية سبيله وأرادت مصادرة عربته التي يحمل عليها بعض الخضار والفواكه والتي كان يجول البوعزيزي بها بائعاً مؤمّناً بذلك قوتاً لعياله، ولمّا أصرت الشرطية البلدية على منعه من بيع بضاعته وأصرّ محمد على حقه في ذلك أقدمت الشرطية على صفعه أمام الناس، وبعدما سألها عن سبب سلوكها وهو الذي يريد أن يعيل أسرته فقط وتجاهلته، لجأ البوعزيزي إلى البلدية لتقديم شكوى ضد الشرطية واستعادة كرامته ولكن من دون جدوى، عند ذلك أقدم على إحراق نفسه أمام مبنى البلدية.

إن النظام التونسي القمعي كان مستتبّاً منذ أن حكم الحبيب بورقيبة البلاد عام 1956، والاستخبارات كانت تمنع الناس حتى من التنفس بحرية، وفي العام 1987 انقلب على بورقيبة في ليلة ظلماء رئيس استخباراته الذي وضع فيه كل ثقته، فتربع هو على عرش السلطة حتى عام 2011، والشعب التونسي كان يرى أن مصيره المحتوم هو الإنصياع للرئيس الجديد كما السابق، وكانت نتائج ((الإنتخابات)) دوماً تؤكد فوز بن علي لتبوؤ رئاسة الجمهورية، وعلماء البلاط الذين كانوا يمجّدون بورقبية طوال عقود صاروا بعد ذلك يكيلون المديح لزين العابدين بن علي، لكن في ليلة ليلاء انطلقت شرارة تسببت بانفجار كبير على مستوى تونس والمنطقة كلها، فزين العابدين بن علي سقط عن عرشه، وتأثرت مصر وسقط نظام حسني مبارك، وتشجع الليبيون بدعم من الغرب فثاروا على القذافي وسقط نظامه أيضاً، وتزلزلت أنظمة أخرى في المنطقة زلزالاً عظيماً عمل الحكام على أثرها على استرضاء الشعوب بطرق وأساليب مختلفة ليحولوا دون ثورتها عليهم وإسقاطها لأنظمتهم.

إن الدين الإسلامي الحنيف وكذلك الأديان الأخرى تحرّم الإنتحار لأن واهب الحياة هو الله وقابض الأرواح هو الله أيضاً، والحياة هبة إلهية لا يحق للمخلوق التصرف بها من تلقاء نفسه، ولا يجوز للعبد أن يُنهي حياته إلاّ بالطريقة التي يأذن بها واهب الحياة، كأن يجاهد في سبيل الله فيُقتل على أيدي أعداء الله، أما أن يقرر الإنسان لأي سبب إزهاق نفسه وإنهاء حياته فهذا أمر لا يجوز إطلاقاً، لكن الحالة التي عاشها البوعزيزي، والشعور بالمهانة التي أوجدته ((صفعة)) الشرطية له أمام الناس، وعدم تجاوب البلدية معه لردّ اعتباره، دفعته إلى حالة اليأس الكامل وفقد الصواب والتصرف بانفعال والإقدام على إحراق النفس، وهنا تحركت عواطف الناس من حوله الذين كانوا يشترون خضارهم وفاكهتهم من هذا الإنسان البسيط صاحب العربة المتجولة وثارت حميتهم وتضامنوا معه وسرعان ما انتشر النار في الهشيم وتوسعت التظاهرات حتى عمّت مدن وقرى تونس كافة، وفي النهاية سقط النظام وهرب رئيسه زين العابدين بن علي وآوته السعودية واحتضنته حتى مات قبل فترة وتمّ دفنه فيها.

أما في لبنان فمنذ انطلاق الحراك بسبب الجوع والحرمان المتراكمين منذ عقود لم يأبه الحاكمون ومن يخدمهم من المرتزقة والعبيد بوجع الشعب، ولم يبالوا بالصرخات، واستهزأوا بالمطالبات، وكالوا الإتهامات للمتظاهرين، وحرّضوا عليهم الغوغاء ليحملوا عليهم بالهراوات والعصي، حتى اضطر مواطن فقير من بلدة عرسال البقاعية اسمه ناجي الفليطي طلبت منه طفلته بعد يقظتها من نومها مبلغ 1000 ليرة لتشتري منقوشة زعتر تسدّ بها جوعها، ولمّا شعر الأب بالمهانة أمام فلذة كبده كونه لا يملك ذلك المبلغ الزهيد اسودت الدنيا أمام عينيه حيث لم يتمكن من تلبية مطلب ابنته الجائعة عندئذٍ أقدم على الإنتحار ليتخلص من الخجل وتنتهي المهانة.

لكن الفرق بين تونس ولبنان أن الناس هناك، والذين تمّ تدجينهم لعقود من قبل نطام قمعي واعتادوا على السكوت والقبول بجور الحاكمين، قد ثارت حميتهم وكسروا حاجز الخوف وتعاطفوا مع الضحية وكانت النتيجة سقوط نظام عميق الجذور مسيطر على الأمور خلال فترة قصيرة وتفككت مداميك وأحجار بنائه ولم يعرف أين يلجأ الطاغية، فيما مرّ الناس في لبنان الذي يتباهى بالديموقراطية ويدعي احترام حقوق الإنسان على حادث الإنتحار مرور العابرين دون لحظة توقف حتى تكررت عمليات الإنتحار ولا تزال، فانبرى المحللون في وسائل الإعلام لدراسة الظاهرة فنسبوها لأمراض نفسية وحالات اكتئاب ووراثة جينية، لكن أحداً لم يوجّه سهامه نحو السلطة الحاكمة من القمة حتى القاعدة التي نهبت ثروات الشعب طوال عقود وفرضت الفقر المدقع على المواطنين، وأجهضت بالتعاون مع أطراف وصوليين حركات المطالبة بالحقوق منذ عشرات السنين، حتى هاجر شبابه من كل الطوائف من الوطن إلى أقاصي الأرض مضطراً طلباً للقمة طعام وتأمين مستقبل كريم لنفسه وأسرته، وانتظرت بعض فتياته العفيفات أول من يرمقها بطرف عينه لعله ينقذها من الفقر المسيطر على أهلها ولا يهمها من أية دولة وأي بلد يكون الخاطب، لكن الدولة اللبنانية التي تدّعي احترام حقوق الإنسان لا تعترف بحق مواطناتها في إعطاء جنسيتها لأولادها كما تعطي الحق للمواطنين، فتشعر المرأة اللبنانية بالمهانة أمام نساء العالمين وتحسّ بالدونيّة أمام الرجل في بلد يدّعي الحضارة والرقي، والغريب أن بعض من يظهرون على الشاشات يبررون هذا التمييز العنصري البغيض مدافعين بشراسة عن القانون المتخلف هذا بدعوى أن مساواة المرأة بالرجل في هذا الأمر يؤدي إلى خلل في التركيب الطائفي ويسبب تغييراً ديمغرافياً في لبنان.

إن الحراك الذي بدأ شاملاً مختلف الطوائف والأطياف وعلى نطاق لبنان كله قد هزّ كيان الفاسدين بجد وأحس ناهبو أموال الشعب لأول مرة بالخطر على كيانهم، وتحالفوا جميعاً ضد حركة الشعب وثورة الجائعين، واستعملوا كل عبقريتهم لتفريق صفوف المتظاهرين وتشتيت جمعهم وتشويه سمعتهم وإلصاق الإتهامات بهم والرهان على تعبهم بمرور الأيام، واللعب على الألفاظ لتمييع مطالب المتظاهرين، وإشاعة مخاوف لدى الناس من وجود معلومات عن مؤامرات خطيرة إقليمية ودولية تستوجب التمسك بالفاسدين وحماية رأس السلطة وحاشيته من الناهبين والقبول بما ترتضونه من الحلول ومن يتوافقون عليه من المرشحين، والتهويل على المواطنين المساكين بعواقب السوء إذا استمروا في اعتصاماتهم وأداموا اعتراضاتهم وظلّوا يرفعون الأصوات مطالبين بلقمة يُطعمونها لأولادهم.

إن عملاً انتحارياً واحداً في تونس حرك الضمائر وثارت الجموع في مختلف المدن والقرى ضد حكم قمعي شرس وتمكن الشعب من اقتلاعه من جذوره، لكن تكرار حالات الإنتحار خلال الأيام الماضية في لبنان بسبب الفقر والجوع لم يحرّك مع الأسف ضمير أحد، ويتصرف الحاكمون كما لو أن شيئاً لم يحدث، ويتعاطى الناس مع الأمر على أنه حالة مرضية تتطلب مراجعة الأخصائيين في معالجة الأمراض النفسية، بل وضعت إحدى المؤسسات رقماً رباعياً لكي يتصل بها من ضاقت به الدنيا وملكه اليأس وفرغ جيبه من ثمن المنقوشة لطفله، ليقوم الأخصائيون النفسيون بـ ((إرشاده)) و ((توعيته)) وتبرير فساد الفاسدين.

إن الإمام علي عليه السلام لما بلغه أن المغيرين من جيش معاوية خلعوا خلخالاً من رِجل امرأة معاهِدة غير مسلمة ولم يتعرض سبيلهم أحد أعلن أن المسلم لو مات أسفاً على أثر هذا الحدث ما كان به ملوماً بل كان به عند علي جديراً: ((ولقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة فينتزع حجلها وقلبها وقلائدها ورعاثها ما تمتنع منه إلاّ بالاسترجاع والاسترحام ثم انصرفوا وافرين ما نال رجل منهم كلْم ولا أريق لهم دم؛ فلو أن امرأً مسلماً مات من بعد هذا أسفاً ما كان به ملوماً بل كان به عندي جديراً)).

إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب هذا الذي ندّعي الإنتماء إليه وأننا من شيعته يشعر بالمسؤولية تجاه الفقراء ((المحتملين)) حوله وحتى في أقصى منطقة في دولته: ((ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القُرص ولا عهد له بالشبع))، أو ((أبيت مِبطانا وحولي بطون غرثى وأكباد حرّى))، ويتصرف بناءً على هذا الإفتراض فيجعل من نفسه مشاركاً فعلياً للمعوزين في مكاره حياتهم وأسوة للمساكين في جشوبة عيشهم: ((أأقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش))، وذلك إنطلاقاً من إيمانه بالله العادل واعتقاده بوجوب ترويض النفس الأمّارة بالسوء، وهو القائل: ((ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفّى هذا العسل ولُباب هذا القمح ونسائج هذا القزّ))، لكنه عليه السلام يكتفي بثوبين عتيقين في السنة، وبقرصين من خبز الشعير اليابس في اليوم، ولا يذوق اللحم إلاّ من الأضاحي يوم النحر في الحج، لكي ينجح في السيطرة على نفسه ويضمن الغلبة على هواه فيردف قائلاً: ((ولكن هيهات أن يغلبني هواي ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة)).

إن أمير المؤمنين عليه السلام يبني سلوكه هذا على منطق رباني أخروي بقوله: ((وإنما هي نفسي أُروّضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر، وتثبت على جوانب المَزلق))، ويبين الفارق بين الإنسان والبهائم بقوله: ((فما خُلقت ليشغلني أكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همّها علفها، أو المُرسلة شغلها تقمّمها، تكترش من أعلافها وتلهو عما يُراد بها. أو أُترك سدى أو أُهمل عابثاً، أو أجرّ حبل الضلالة، أو أعتسف طريق المتاهة)).

وأخيراً ينظر علي عليه السلام إلى الأغنياء الفاسدين الذين لا يأبهون بمن حولهم من الفقراء والمحتاجين ولا يهتمون إلاّ بأنفسهم وبطونهم على أنهم مصابون بالأمراض فيستعير الإمام بيت شعر لأحد الشعراء فيُكتب بدلك للشعر والشاعر الخلود: وحسبك داءً أن تبيت ببطنة وحولك أكباد تحنّ إلى القدّ.

أمام هذه الحقائق المكنونة والمُبيّنة من خلال أوثق المصادر وهو أمير المؤمنين وأبناؤه الأئمة المعصومون، كيف يتردد من يُسمّون أنفسهم قادة على الشيعة، والمتربعون على عرش السلطة باسمهم، والممسكون بقياد الجموع الغفيرة من خلال رفع شعاراتهم، في تصدر حراك المساكين، وقيادة مسيرة الفقراء، والدفاع عن حقوق المستضعفين، بدل أن ينحرفوا عن منهج الأئمة الطاهرين وينضمّوا إلى صفوف الفاسدين ويحموا عروش الظالمين ويبرروا مساندة الطغاة من الحاكمين، فيتسببوا بعملهم هذا ضعضعة إيمان المؤمنين، ويفسحوا المجال لشماتة أعداء المذهب والدين، ويقدموا خدمة مجانية لمن يسعى بأي وسيلة لاستمرار عهده عبر فرض من يخصّه على رقاب الشعب المسكين، ولا يهمهم يوم الحساب عند رب العالمين الذي ينادي: ((وقفوهم إنهم مسؤولون))، ثم يخاطب المتواطئين من الخائنين بقوله: ((ما لكم لا تناصَرون))، ولمّا لا يجد الله منهم جواباً حين تُبلى السرائر أمام أهل المحشر أجمعين يعلن رب العزة سبحانه: ((بل هم اليوم مستسلمون))، ولتتمة الكلام والإطلاع على مآل أمور المتآمرين نحيل القرّاء الأعزّاء إلى تلاوة باقي الآيات في سورة ((الصافّات)) من القرآن الكريم.

السيد صادق الموسوي

 

كلمة لـ((الشراع))

في الاستخدام الاعلامي وصف قتل النفس بأنه انتحار.. وهذا الوصف هو خطأ شائع لأن النحر هو قتل النفس بذبح أوردة الرقبة من الوريد الى الوريد ليحصل الموت.. وهذا لم يتم مع أي حالة من حالات القتل بدءاً من البوعزيزي في تونس الى ناجي الفليطي وغيره في لبنان لذا اقتضى التوضيح والتصحيح اللغوي.