2019-12-12 09:07:41

المستشار مؤتمن/ بقلم الشيخ أسامة السيد

المستشار مؤتمن/ بقلم الشيخ أسامة السيد

المستشار مؤتمن/ بقلم الشيخ أسامة السيد

المستشار مؤتمن/ بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 13 كانون الأول 2019 العدد 1929

 

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى: ((وشاورهم في الأمر فإذا عزَمتَ فتوكَّلْ على الله)) سورة آل عمران.

وروى البخاري في ((الأدب المفرد)) وغيرُه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن المستشار مؤتمن)).

دلَّت الآية والحديث على أهمية استشارة أهل الرأي في الأمور المهمَّة قبل الدخول فيها وأن المستشار مؤتمن فينبغي أن يُخلص النصيحةَ لمن استشاره، والخطاب في الآية وإن كان واردًا للنبي صلى الله عليه وسلم ولكن فيه تعليمٌ للأمة، فقد أمر الله تعالى نبيه الأكرم أن يُشاور أصحابه في الأمور وهو المؤيدُ بوحي السماء مع القطع بأن النبي صلى الله عليه وسلم أصوب رأيًا وأعلم بتدبير شؤون الأمة في الحرب والسلم والحل والعقد، ولكنهم كانوا يرون أن النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرهم ويأخذ برأيهم كما فعل يوم أشار الحُبابُ بن المنذر بنزول أرض بدرٍ لتكون ساحةَ المعركة، وردوا التراب على الآبار التي فيها ولم يتركوا سوى بئرٍ لجيش المؤمنين فأقبل العدو ولم يجد الآبار المعهودة، فقاتل المؤمنون عن قوةٍ ورِيٍّ وقد أنهك العدو العطش، وأمر النبي بحفر الخندق حول المدينة يوم تحالفت قريشٌ مع يهود بني قُريظة بعد أن أشار بذلك سلمانُ الفارسي في معركة الأحزاب وكان النصر المؤزر فتفرح بذلك قلوبهم وتقوى أنفسهم. وكما كان نبينا صلى الله عليه وسلم يُشاور أصحابه الكرام فيُدلون بآرائهم فيسمع لهم فتطيب قلوبهم فهكذا ينبغي أن يكون قائدُ القوم ورئيسُهم.

مشاورة أهل الرأي

روى البيهقي في ((السنن الكبرى)) عن الحسن البصري قال: ((إن كان النبي صلى الله عليه وسلم غنيًا عن المشاورة ولكنه أراد أن يستنَّ بذلك الحُكَّام بعده)) فإن شاور أهلُ الفضل والرأي بعضَهم بعضًا وأرادوا بذلك توخّي مصلحة الأمة ابتغاء مرضاة الله فقد يسر الله لهم سلوك طريق الصواب، وفي الحديث أعلاه تنبيهٌ لمن استُشير لمراعاة مصلحة من استشاره وهو حديث عظيم النفع، بل هو من جوامع الكَلِم التي أعطاها الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، وجوامعُ الكلم أن يقول كلامًا موجزًا يحمل معاني واسعة، فالحديث وإن كان قائمًا على كلمتين فقط لكنه حوى من الفوائد ما يُمَكِّن الحاذق أن يصنف فيها كتابًا وقد استُفيد من الحديث أنه ينبغي أن يكون المستشار أمينًا فيدل من استشاره على الخير، لأن الإنسان إنما يستشير عادةً من يرى فيه الكفاءة وحُسن الرأي فعلى المستَشار أن يبذُل الوسع في إرشاد المستشير إلى ما يُناسب حاله، فيشير عليه بأحسن ما يظهر له. وإذا ما كان يحرم على المؤمن أن يكذب على أخيه المؤمن في محادثته إيَّاه في الأمور العادية فمن باب أولى أنه لا يجوز أن يكذب عليه في مشورته لما يترتَّب على ذلك من مفاسد عظيمة، وقد مدَح الله تعالى ناسًا من المؤمنين فقال فيهم: ((وأمرهم شُورى بينهم)) سورة الشُّورى.

قال علم الهدى الإمام الماتريدي في((تأويلات أهل السُّنة)): ((ذكر بعضُهم أن الأنصار ((المؤمنون من أهل المدينة الذين نصروا رسول الله)) كانوا يتشاورون فيما بينهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم غائبٌ فنزل هذا مدحًا لهم على فعلهم)) وفيه أيضًا: ((وقال الحسن ((البصري)) ما شاور قومٌ ((أي من أهل الفضل والرأي)) في أمرٍ قط إلا هداهم الله تعالى لأفضل ما بحضرتهم ((مكانهم)) لأن المشاورة اجتماع العقول والأذهان وإذا اجتمعت كانت إلى استدراك الحق والصواب أسرع وأبلغ مما لو انفرد كل عقلٍ بنفسه)).

ما ندِم من استشار

فلا ينبغي إذًا أن يستغني أحدنا عن مشاورة أولي الألباب ولا أن يتصوَّر في نفسه أنه إن شاور في أمره ظهر للناس ضعفُ رأيه وفساد تفكيره وقلة حيلته وافتقاره إلى حُسن التدبير، فإنه لا يتصوَّر هذا إلا الأحمق فإنه ليس المراد من المشاورة المباهاة وليس قصدُ الأمين إن نصحك الترفُّع عليك، وإنما تُطلبُ المشاورة للانتفاع بجودة رأي العقلاء بُغية التحرُّز عن الغلط، فعن أنسٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما خاب من استخار ((أي عمل الاستخارة)) ولا ندم من استشار ((أي استشار أهل الرأي والفضل))) رواه الطبراني. فمن أشكلت عليه الأمور فليرجع إلى رأي أهل الحكمة وليلجأ إلى استشارة العلماء، ولا يأنف من طلب الاسترشاد فمن استشار وسلم خيرٌ له من أن يستبدَّ برأيه ويندم لا سيما في الأمر الجليل. وفي الحديث عن أبي هريرة قال: ((ما رأيت أحدًا أكثر مشاورةً لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم)) رواه البيهقي.

فمن علم هذا فلا يتكبرنَّ عن المشاورة فمن شاور الناس شاركهم في عقولهم ومن استُشير فلا يبخلنَّ بإخلاص النصيحة فقد يكتم بعضهم الرأي السديد ظنًا منه أن ما يقوله من باب الغيبة المحرَّمة وهذا جهلٌ فظيع، مثاله: أن يستشير شخصٌ صاحبَه في تزويج فلانٍ أو في الدخول معه في عملٍ ما وصاحبه يعلم أن فيه كذا وكذا من الصفات التي لا تُناسب للتعاطي معه فيُخفي ذلك في نفسه ويوهمه خلاف الصواب، وهذا في حقيقة الأمر غشٌ وخداعٌ وهو حرامٌ. وعلى من استُشير في مثل ذلك أن يُخلص النصيحة ولا يكون ذكرُ المرء بما فيه هنا غيبةً محرَّمةً بل واجبٌ فيه ثوابٌ، وهو من باب الالتزام بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((الدين النصيحة)) رواه مسلم عن أبي رقية تميم بن أوسٍ الدَّاري، ومعناه: الدين يأمر بالنصيحة وهي إخلاص الحق للمنصوح.       

وقد روى مسلم أن فاطمة بنت قيسٍ استشارت النبي صلى الله عليه وسلم في معاوية بن أبي سفيان وأبي جهمٍ وكانا قد خطباها فقال: أما أبو جهمٍ فلا يضع العصا عن عاتقه (معناه شديدٌ على النساء ضرَّابٌ لهن) وأما معاوية فصعلوك ((شديد الفقر)) لا مال له انكحِي أسامة ((أسامة بن زيد من أكابر الصحابة))). فقد بيَّن لها النبي صلى الله عليه وسلم حال الرجلين ودلَّها على الأحسن نصيحةً لها وحريٌ أن نتعلم من ذلك جميعًا وقديمًا قيل:

الرأي قبل شجاعة الشُجعان                               هو أولٌ وهي المحل الثاني

والله أعلم وأحكم.