2019-12-05 12:25:48

منافع مخالطة الناس ونصحهم ورعاية شؤونهم / بقلم الشيخ أسامة السيد

منافع مخالطة الناس ونصحهم ورعاية شؤونهم / بقلم الشيخ أسامة السيد

منافع مخالطة الناس ونصحهم ورعاية شؤونهم / بقلم الشيخ أسامة السيد

منافع مخالطة الناس ونصحهم ورعاية شؤونهم / بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 6 كانون الأول 2019 العدد 1928

 

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى: ((إن الله لا يظلم الناسَ شيئا ولكنَّ الناس أنفسهم يظلمون)) سورة يونس.

وعن عبدالله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((المؤمن الذي يُخالط الناس ويصبرُ على أذاهم أفضلُ من المؤمن الذي لا يُخالط الناس ولا يصبر على أذاهم)) رواه البيهقي.

ليُعلم أنه ينبغي أن تكون علاقة المؤمن مع الآخرين مبنيةً على أساس الشرع الشريف فيراعي المؤمن في علاقته مع غيره حدود الشريعة ولا يتعدَّى ذلك ابتغاء مرضاة الله تعالى وامتثالاً لأمره حيث أمر بالإحسان والخير، وقد رغَّب النبي صلى الله عليه وسلم في السعي في حاجات المؤمنين والعمل على تفريج كرباتهم وقضاء حاجاتهم ومداراتهم، ولا شك أنه قد اقتدى به صلى الله عليه وسلم في ذلك كثيرٌ من الأكابر من أهل الفضل والصلاح كالخلفاء الأربعة الراشدين فإنهم كانوا يُخالطون الناس ويشهدون الجماعات معهم في المساجد ويكونون بين العوامِّ يقضون حاجاتهم ويعودون مرضاهم ويتعهدون أمر الرعية فينظرون في أحوال الناس ويمدون إليهم يد المعونة فيسبقون البائس بمساعدتهم له قبل أن يقصد أبوابهم المفتوحة للفقير والغني والأمير والعاميّ ولا يحتجبون عن الملهوف ولا يستترون دون المستغيث.

الاهتمام لأمر الناس

وتبعهم في ذلك من أسعده الله فسار في سبيل هديهم المقتبس من تعاليم سيد السادات رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان الأخُ يُعين أخاه والجارُ يُراعي حق جاره وإذا ما أصاب المؤمن في أقصى الغرب كربٌ اهتم له المؤمن في أقصى الشرق، وبمثل هذه الأخلاق العظيمة والقيم النبيلة شهد ذاك التاريخ مجتمعات قدَّمت أروع الأمثلة في التضامن والتعاون والمواساة والإيثار والعطاء ليكون كل ذلك درسًا للأجيال القادمة، ولا شك أن كل تلك المبادئ مستمدة من القرآن والسنة المطهَّرة، فإن المؤمن الذي يُخالط الناس ويصبر على شؤونهم وشجونهم وإرشادهم إلى ما فيه مصلحتهم في دينهم ودنياهم خيرٌ عند الله من ذاك الذي يُغلق بابه دونهم ولا يهتم لشيءٍ من أمرهم، إنما غاية مراده أن يكون هو وأسرته على حالٍ يرضاه ولا يبالي سواءٌ خرِب البلد بعد ذلك أم عمَرَ. وإنه لما يؤسف أننا قد صرنا إلى زمنٍ باتت تسوء فيه أخلاق أغلب الناس وصار الكثيرون يتخلَّون عن الفضائل ويتمسكون بالرذائل، بل قد ترى بعضهم ينتقد من رآه يفعل المعروف ويتجمَّل بما قدَّمنا ذكره من المزايا الطيِّبة، ويدعون للانقطاع عن الناس وترك نُصحهم وإقبال كل ذي شأنٍ على شأنه فقط من دون مشاركة الناس في أفراحهم وأحزانهم والعمل على التخفيف من أعبائهم، والبعض يحسبون أن النجاح إنما هو بقدر ما تحوز من المال وتجمع من حطام الدنيا وأن الفقراء والضُّعفاء فاشلون فلا ينبغي إضاعة الوقت مع أمثالهم، وهؤلاء في الحقيقة هم الفاشلون وهم المتخلِّفون الذين يظنون السراب ماءً. وحيث صار كثير من الناس على هذا الحال فهذا مِصداق ما دلَّ عليه الحديث الشريف فعن أبي أمامة الباهلي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الناس شجرةٌ ذات جنى ويُوشك أن تعودوا شجرة ذات شوك إن ناقدتهم ناقدوك وإن تركتهم لم يتركوك وإن هربت منهم طلبوك. قال: فكيف المخرَج من ذلك يا رسول الله؟ قال: تُقرِضُهم من عِرضك ليوم فاقتك)) رواه الطبراني. والمعنى أن الأولين من هذه الأمة وهم السابقون إلى الهدى من الصحابة الكرام ومن تبعهم بإحسانٍ من السلف وهم أهل القرون الثلاثة الأولى المرادون بما رواه البخاري عن عمران بن الحصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((خيرُكم قَرني ثم الذين يَلونهم ثم الذين يَلونهم)) كانوا كشجرةٍ طيِّبة مثمرة خالية من الشوك ينتفع الناس بها، فلم يكن في مصاحبتهم ضررٌ بل برٌ ومعاونةٌ على ما يُرضي الله تعالى ولكن يوشك أن يكون أغلب الناس بعد ذلك كشجرةٍ ذات شوكٍ مؤذٍ أي تضرُّ مجالستهم كما هو حال زماننا اليوم، وإن تركتهم على حالهم ولم تتعرض لهم لا يتركونك وإن ناقشتهم ناقشوك فلا ينصاعون للحق ولا يقفون عند الدليل فيُجادل أحدهم بالباطل ويكثر من الكلام الذي لا خير فيه أو المحرَّم أو يردُّ ما جاء في الشرع انتصارًا لهوى النفس، فترى بعضهم يقول مثلاً: قد جاء في الشرع كذا ولكنني أرى خلاف ذلك، أو يقول: هذا الحكم لا يُعجبني وينتقد بعض الأحكام التي قررها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا ضلالٌ وخروجٌ عن ملة المؤمنين، وإذا ما نصحت لهم دافعوا عن فسادهم وإن اعتزلتهم دعوك إلى باطلهم.  

من هو المفلس؟

فمن رأى هذه الأحوال فصبر على الأذى وخالط الناس لإرشادهم شفقةً عليهم فهدى الله به العباد كان أجره عند الله عظيمًا جدًا وهنا يتأكد دور العلماء لأنهم أقدر على الإصلاح من غيرهم، ويتأكد أن تكون عاملاً بما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله أبو أمامة: فكيف المخرج من ذلك؟ فقال: ((تُقرضهم من عِرضك ليوم فاقتك)) أي إذا نال أحدٌ من عِرضك فعابك أو ذمَّك فاجعل ذلك قرضًا في ذمته تأخذ منه حاجتك يوم القيامة. وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ ويأتي وقد شتم هذا وقذَف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيُعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه ثم طُرح في النار)) رواه مسلم.

فمن آتاه الله علمًا فليُخالط الناس ويفدهم بما يحتاجون وليكن صابرًا عليهم فلقد قيل:

إذا كنت في كل الأمور معاتبًا                          أخاك فلن تلقى الذي لا تعاتبه

والحمد لله أولاً وآخراً.