2019-12-05 12:02:39

الحراك أقوى

< >

الحراك أقوى

الى أين نمضي بالوطن؟ وهل أمسى الانهيار الاقتصادي قاب قوسين وأدنى؟

لا شيء أهم من الوطن. كل حبة تراب تُضاهي ما في الأرض من كنوز. لقد ملّ الشعب هذا اليباس المتفشي في كل الأوصال، وهذا الموت المنسل الى الأحشاء ليسلبها ما تبقى من رمق.

لم يعد لدينا ثروات. كلها نهبت على عينك يا تاجر. فقدنا كل شيء. كأن الحرب الضروس مستمرة بأشكال أخرى أكثر عنفاً وضراوة. وأكثر ايذاء للانسان العادي البسيط الذي يسعى جاهداً وراء الحياة، والحياة تفر منه. كأن هناك عداء مستحكماً بين الناس وبين امكانية الوصول الى تلك التي نسميها حياة.

الوضع في لبنان أكثر من صعب. انها شجرة باسقة بغير ثمار. بحر لم يعد يعرف شكلاً لموج، نهر بلا ماء. كأن الأشياء قد فقدت مضامينها الحقيقية. وأمست خاوية بلا فحوى ولا معنى!

الوضع يميل الى غروب أكيد. الى قتامة لا قبلها ولا بعدها. الى فضاء شديد السواد، والى عالم لا يرتجى منه الوصول الى زمان آخر، يغير المعادلات. وينتشلنا من هذه الهاوية التي تتسع يوماً بعد آخر، لتضم اليها ما تبقى من هذا الشعب المصر على الاستمرار في هذه الحياة، على الرغم من كل الظروف، ومن كل المعوقات التي تقف حائلاً بين المرء ونفسه.

الحياة باتت صعبة في لبنان هذه الأيام، ان لم تكن مستحيلة. الحياة هي الأمنية التي لم تتحقق على الرغم من ارادة اللبنانيين القوية، وعزيمتهم المتينة، وعلى الرغم من اصرارهم على الوصول بالوطن الى شط الأمان.

حياتنا باتت لا تشبه الحياة. كأنها أبعد ما يكون عن الحياة. بيننا وبين الحياة الحقيقية مسافة ضوئية. وكأنها أمست حلماً لا يصل اليه الا أصحاب الثروات الذين بنوا مجدهم على أنقاض شعب فقد لذة العيش، بعد ان فقد امكانية الحصول على ربطة الخبز، وعلى حبة الدواء.

الحراك ما يزال في أوجه، على الرغم من مرور أكثر من شهر ونصف على بدايته، وعلى الرغم من التدخلات الأجنبية الوقحة التي ظهرت على المنبر السياسي مؤخراً، كتصريحات السفير الاميركي السابق جيفري فيلتمان، وعلى الرغم من عجز السلطة عن تأليف حكومة تتوافق والمطالب الشعبية التي قد تنقذ الوطن من الذهاب الى الحضيض. ولهذا سيستمر هذا الحراك قوياً فاعلاً، حتى يحقق أهدافه، اي أهداف هذا الشعب الساعي للوصول الى حياة كريمة.

الحراك أقوى من أولئك الذين يودون ان يحرفوه عن مساره الحقيقي، وأقوى من كل الذين يودون ان يتسلقوا، ليصلوا الى ما يرضي غرورهم، وما يوافق مصالحهم. ولهذا كانت التظاهرة أمام السفارة الاميركية في عوكر دليلاً ساطعاً على المسار الموضوعي لهذا الحراك المنحاز لهذا الشعب العظيم المصر على تحقيق مطالبه، وخصوصاً المعيشية منها، وان طال السفر.

الحراك طريقنا الوحيد الى مستقبل أفضل. الى حياة أكثر نضارة واشراقاً. وسبيلنا الوحيد لإعادة الكرامة الى شعب ضحى، وضحى، ليصل الى مبتغاه، او ليعيد الأمور الى نصابها الطبيعي.

الحراك سيبقى، ولن يستطيع أحد اجهاضه، لأنه الصوت الوحيد المعبر عن ارادة الحياة التي تفرض علينا محاربة الظلم للانتقال بهذا الوطن من الماضي الى المستقبل ومن الموت البطيء الى عيش أجمل وعالم أفضل.

 

لامع الحر