2019-11-28 13:12:38

الهممُ الصادقة تبني المجتمعات والأوطان / بقلم الشيخ أسامة السيِّد

الهممُ الصادقة تبني المجتمعات والأوطان / بقلم الشيخ أسامة السيِّد

الهممُ الصادقة تبني المجتمعات والأوطان / بقلم الشيخ أسامة السيِّد

الهممُ الصادقة تبني المجتمعات والأوطان / بقلم الشيخ أسامة السيِّد

مجلة الشراع 29 تشرين الثاني 2019 العدد 1927

 

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم: ((وقل اعملوا فسيرى اللهُ عمَلَكم ورسُولُه والمؤمنون وستُردُّون إلى عالم الغيب والشهادة فيُنبّئُكم بما كنتم تعملون)) سورة التوبة.

لا شك أن الأفكار العظيمة إن لم يتيسَّر من يحملها ويضعها موضع التنفيذ تبقى في فكر صاحبها ويقتصر عند ذلك عظيم نفعها عليه، وإنَّ نقْلَ الخيرِ من صدور أصحابه من أهل العلم والفضل إلى عموم المؤمنين إنما يحتاج إلى همَّةٍ تسمو بصاحبها وتدفعُه لترك الراحة والركون إلى ما تشتهيه النَّفس وترك التقلُّب في الملذَّات، وتُحرِّك فيه الرَّغبة للخوض في تكبُّد المشقَّات للترقي في أعمال البرِّ من طلب العلم ونشره وبثِّ الهدى والفضيلة بين الناس ومحاربة الرَّذيلة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصح للأعيان والعوامِّ بإخلاصٍ وشفقة قلب بعيدًا عن المداهنة والخداع. وكلَّما كانت همَّة المرء في فعل الخير أكبر كلما ازداد النفع واتسعت رقعة الإصلاح وهذا ما يصبو إليه كل عاقلٍ يهتم لأمر أهله وبلده ووطنه وأمَّته، ونحن اليوم أحوج ما نحتاج إلى علو الهمَّة والعمل الدؤوب على تحصين مجتمعنا من مرض الجهل الذي انتشر بين الناس في زمن قلَّ فيه العلم وكثر فيه الفساد حتى بغى أهل الضلال وانتشروا، وتقاعس أصحاب النفوس الضعيفة والهمم الثقيلة فقويت شوكة الضآلين فأضلُّوا كثيرًا عن سواء السبيل.

وإزاء هذا الواقع المرير فإن المسؤولية تقع على كواهلنا في مواجهة تلك الفتن الهوجاء، فإن صلاح المجتمع يبدأ من صلاح الفرد، وليس غريبًا ولا مستحيلاً أن يصلُح أمر الأمة بهمَّة فرد لا سيما إذا كان هذا الفرد في موقعٍ متقدِّمٍ من مواقع المسؤولية.

هممٌ عالية

 ثم إن علو الهمَّة في الخير علامةٌ أكيدة من علامات كمال العقل ورجحانه، وإن المتأمل في سِير الأعلام وتراجم العظماء يجد أن مراتب الناس لا تتفاوت بصورهم ولا بأجسادهم وإنما بهممهم وأعمالهم، فهذا صحابي أسلم متأخرًا ولكنَّ همَّته العالية سطَّرت له مواقف من البطولة ومشاهد من النصر ما زالت فخرًا للأمة رغم توالي الأزمان، فقد تأخر إسلام خالد بن الوليد ثم قاده عقله إلى أحقية الإيمان وصواب ما جاء به النبي محمدٌ صلى الله عليه وسلم فآمن فغدا سيف الله المسلول، وما زال التاريخ يتغنَّى بخالدٍ وبطولاته وأثره في نشر الهدى. وهذا خليفةٌ آلت إليه الإمارة والبلاد تغرق في الظلم والفساد فأصلح أمرها وأقام منار العدل حتى مشى الذئب مع الغنم حقيقةً كما روى ذلك المؤرخون كإبن الجوزي وغيره، وتوفي في التاسعة والثلاثين وقيل: بلغ الأربعين ومدة خلافته سنتان وأربعة أشهر، عنيت به الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز. وهذا قائدٌ استلم مقاليد الحكم وهو في العشرين أو دونها فسما بهمَّته فأدرك من الشرف ما لم يُدركه كثيرٌ قبله كانوا أشد منه بأسًا وأكثر جمعًا ومالاً، فقد تقلَّد السلطان محمد الثاني مقاليد الحكم وهو في نحو العشرين فرام فتح القُسطنطينية وقد تقهقرت عند أسوارها جيوشٌ وجيوش عبر التاريخ الطويل فأعدَّ لذلك العدَّة وكان الفتح المبين الذي بشَّر به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فقد روى أحمد عن بشرٍ الخثعمي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لتُفتَحنَّ القُسطنطينية فلنِعْمَ الأميرُ أميرُها ولنِعْمَ الجيشُ ذلك الجيش)). وهذا الإمام الشافعي غدا مرجعًا للأمة وهو غلامٌ في نحو الرابعة عشرة من عمره.

وكم استنارت الأمة وما زالت بنور علومه ونُبوغه، وكان أهل السلف الصالح يرون لو أن رجلاً سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن فحفظ كلمةً تنفعه فيما يُستقبل من عمره لم يُضِع سفره وكان له خيرًا كبيرًا، بل كانوا يسمعون الرواية عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في البصرة ثم يذهبون إلى المدينة فيسمعون من أفواههم، والأمثلة في هذا الشأن كثيرةٌ جدًا ولا تنحصر بمجرد وريقات.

أصلح قلبك

 وأين نحن اليوم من مثل تلك الهمم وما كل هذا إلا كقطرة من بحر عطاء وهمَّة خير الورى سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، ولولا أن الهمم انخفضت على مر السنين لما وصلت أمتنا إلى ما وصلت إليه اليوم، ولذلك جديرٌ بنا ونحن في هذا الزمان العصيب والفتن تعصف بنا أن نتعظ بهذه الهمم العالية وأن نستفيد من سيرة أصحابها، وننظر ما الذي حرَّك تلك الهممَ في نفوسهم وكيف كان تعاملهم مع الناس وأي طريقٍ سلكوا وأي أسبابٍ تلك التي أخذوا بها حتى تحقق لهم كل ذلك في وقتٍ قصير جدًا، وعسى أن تستيقظ هممنا من سُباتها العميق فنسير جميعًا في طريق الأبرار، فإنه حريٌ بمن أراد أن يقطف ثمار المجد أن يقتفي أثر العظماء والعلماء الصالحين الذين لولا هممهم العالية ما وصلوا إلى ما وصلوا إليه، فقد غرسوا بعظمتهم أسمى الأمثلة وما زالت أياديهم البيضاء تشهد لهم بالفضل رغم طول الزمان بل وما زالت لهم المنَّة علينا مع ما يفصل بيننا وبينهم من السنين، ويحضُرني في هذا المقام ما رواه أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله لا ينظرُ إلى أجسادكم ولا إلى صُوركم ولكن ينظر إلى قُلوبكم)) رواه مسلم. معناه: لا يُثيبكم على أجسادكم وصوركم ولا يُقرِّبكم منه ذلك، فإن الإنسان لا يد له في هيئته وليس هو من يجعل نفسه على هذه الصورة، ومعنى ((نظر الله)) هنا مُجازاته، وإلا فنظره تعالى الذي هو رؤيته للموجودات واطِّلاعه عليها لا يخُصُّ موجودًا دون آخر بل يَعُمُّ جميع الأشياء. وقوله ((ولكن ينظر إلى قلوبكم)) توكيدد للاعتناء بحال القلب وإصلاح مقاصده، فالقلب أمير الجوارح فهو يُعطي إشارةً إلى اليد فتتحرك وإلى الرجل فتسعى وإلى اللسان فينطق لأن كل هذه الأعمال يحصل قبل القيام بها عزمٌ في القلب عليها، ولذلك كلَّما صفا القلب كانت الهمة نحو الخيرات أكبر فتندفع الجوارح عندئذٍ إلى تحقيق نوايا الأفئدة الطيِّبة، وبذلك يكون العطاء وتكون الإنجازات التي تُثلج الصدور.

والحمد لله أولاً وآخراً.